النَّوْعُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ صِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي بَيَانِ الْأَلْفَاظِ الْمُسْتَعْمَلَةِ بَيْنَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ، وَقَدْ رَتَّبَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَأَجَادَ وَأَحْسَنَ ، وَنَحْنُ نُرَتِّبُهَا كَذَلِكَ ، وَنُورِدُ مَا ذَكَرَهُ ، وَنُضِيفُ إِلَيْهِ مَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . أَمَّا أَلْفَاظُ التَّعْدِيلِ فَعَلَى مَرَاتِبَ : ( الْأُولَى ) : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : إِذَا قِيلَ لِلْوَاحِدِ : إِنَّهُ ثِقَةٌ أَوْ مُتْقِنٌ فَهُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ . قُلْتُ : وَكَذَا إِذَا قِيلَ ثَبْتٌ أَوْ حُجَّةٌ ، وَكَذَا إِذَا قِيلَ فِي الْعَدْلِ : إِنَّهُ حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّانِيَةُ ) : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : إِذَا قِيلَ إِنَّهُ صَدُوقٌ أَوْ مَحَلُّهُ الصِّدْقُ ، أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ فَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ ، وَهِيَ الْمَنْزِلَةُ الثَّانِيَةُ . قُلْتُ : هَذَا كَمَا قَالَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَا تُشْعِرُ بِشَرِيطَةِ الضَّبْطِ ، فَيُنْظَرُ فِي حَدِيثِهِ وَيُخْتَبَرُ حَتَّى يُعْرَفَ ضَبْطُهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِهِ فِي أَوَّلِ هَذَا النَّوْعِ . وَإِنْ لَمْ نَسْتَوْفِ النَّظَرَ الْمُعَرِّفَ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْمُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطًا مُطْلَقًا ، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ ، وَنَظَرْنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ؟ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقِ الِاعْتِبَارِ فِي النَّوْعِ الْخَامِسَ عَشَرَ .
وَمَشْهُورٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ الْقُدْوَةِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَنَّهُ حَدَّثَ ، فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ ، فَقِيلَ لَهُ : أَكَانَ ثِقَةً ؟ فَقَالَ : كَانَ صَدُوقًا ، وَكَانَ مَأْمُونًا ، وَكَانَ خَيِّرًا - وَفِي رِوَايَةٍ : وَكَانَ خِيَارًا - الثِّقَةُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ . ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ ، قَالَ : قَلْتُ لِيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ : إِنَّكَ تَقُولُ : فُلَانٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَفُلَانٌ ضَعِيفٌ ؟ قَالَ : إِذَا قُلْتُ لَكَ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ فَهُوَ ثِقَةٌ ، وَإِذَا قَلْتُ لَكَ : هُوَ ضَعِيفٌ فَلَيْسَ هُوَ بِثِقَةٍ ، لَا تَكْتُبْ حَدِيثَهُ . قُلْتُ : لَيْسَ فِي هَذَا حِكَايَةُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ نَسَبَهُ إِلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّالِثَةُ ) : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : إِذَا قِيلَ : شَيْخٌ فَهُوَ بِالْمَنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ ، يُكْتَبُ حَدِيثُهُ وَيُنْظَرُ فِيهِ ، إِلَّا أَنَّهُ دُونَ الثَّانِيَةِ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَالَ : إِذَا قِيلَ صَالِحُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلِاعْتِبَارِ . قُلْتُ : وَجَاءَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ رُبَّمَا جَرَى ذِكْرُ حَدِيثِ الرَّجُلِ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَهُوَ رَجُلٌ صَدُوقٌ ، فَيَقُولُ : رَجُلٌ صَالِحُ الْحَدِيثِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .