حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
مقدمة ابن الصلاح

أمور يجب بيانها في كَيْفِيَّةِ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ وَصِفَةِ ضَبْطِهِ

الثَّالِثُ : اخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ زَمَانٍ يَصِحُّ فِيهِ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ، فَرُوِّينَا عَنْ مُوسَى بْنِ هَارُونَ الْحَمَّالِ - أَحَدِ الْحُفَّاظِ النُّقَّادِ - أَنَّهُ سُئِلَ : مَتَى يَسْمَعُ الصَّبِيُّ الْحَدِيثَ ؟ فَقَالَ : إِذَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالدَّابَّةِ ، وَفِي رِوَايَةٍ : بَيْنَ الْبَقَرَةِ وَالْحِمَارِ . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ : مَتَى يَجُوزُ سَمَاعُ الصَّبِيِّ لِلْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ : إِذَا عَقَلَ وَضَبَطَ ، فَذُكِرَ لَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ سَمَاعُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، فَأَنْكَرَ قَوْلَهُ وَقَالَ : بِئْسَ الْقَوْلُ . وَأَخْبَرَنِي الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَشِيرِيِّ ، عَنِ الْقَاضِي الْحَافِظِ عِيَاضِ بْنِ مُوسَى السَّبْتِيِّ الْيَحْصُبِيِّ قَالَ : قَدْ حَدَّدَ أَهْلُ الصَّنْعَةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ أَقَلَّهُ سِنُّ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ ، وَذَكَرَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ : مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ؟ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ : عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ ، ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) .

قُلْتُ : التَّحْدِيدُ بِخَمْسٍ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَيَكْتُبُونَ لِابْنِ خَمْسٍ فَصَاعِدًا ( سَمِعَ ) ، وَلِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسًا ( حَضَرَ ) ، أَوْ ( أُحْضِرَ ) . وَالَّذِي يَنْبَغِي فِي ذَلِكَ أَنْ تُعْتَبَرَ فِي كُلِّ صَغِيرٍ حَالُهُ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَإِنْ وَجَدْنَاهُ مُرْتَفِعًا عَنْ حَالِ مَنْ لَا يَعْقِلُ فَهْمًا لِلْخِطَابِ وَرَدًّا لِلْجَوَابِ وَنَحْوَ ذَلِكَ صَحَّحْنَا سَمَاعَهُ ، وَإِنْ كَانَ دُونَ خَمْسٍ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ نُصَحِّحْ سَمَاعَهُ ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ ، بَلِ ابْنَ خَمْسِينَ . وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ : رَأَيْتُ صَبِيًّا ابْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ حُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا جَاعَ يَبْكِي .

وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ : حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَلِي خَمْسُ سِنِينَ ، وَحُمِلْتُ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُقْرِئِ لِأَسْمَعَ مِنْهُ وَلِي أَرْبَعُ سِنِينَ ، فَقَالَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ : لَا تُسَمِّعُوا لَهُ فِيمَا قُرِئَ ، فَإِنَّهُ صَغِيرٌ ، فَقَالَ لِي ابْنُ الْمُقْرِئِ : اقْرَأْ سُورَةَ الْكَافِرِينَ ، فَقَرَأْتُهَا ، فَقَالَ : اقْرَأْ سُورَةَ التَّكْوِيرِ ، فَقَرَأْتُهَا ، فَقَالَ لِي غَيْرُهُ : اقْرَأْ سُورَةَ الْمُرْسَلَاتِ ، فَقَرَأْتُهَا ، وَلَمْ أَغْلَطْ فِيهَا . فَقَالَ ابْنُ الْمُقْرِئِ : سَمِّعُوا لَهُ وَالْعُهْدَةُ عَلَيَّ . وَأَمَّا حَدِيثُ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ : فَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنَ ابْنِ خَمْسٍ مِثْلِ مَحْمُودٍ ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ فِيمَنْ لَمْ يَكُنِ ابْنَ خَمْسٍ ، وَلَا عَلَى الصِّحَّةِ فِيمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ وَلَمْ يُمَيِّزْ تَمْيِيزَ مَحْمُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

موقع حَـدِيث