الْقِسْمُ الْأَوَّلُ السَّمَاعُ مَنْ لَفْظِ الشَّيْخِ
بَيَانُ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ وَمَجَامِعُهَا ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ السَّمَاعُ مَنْ لَفْظِ الشَّيْخِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى إِمْلَاءٍ ، وَتَحْدِيثٍ مِنْ غَيْرِ إِمْلَاءٍ ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَنْ حِفْظِهِ أَوْ مِنْ كِتَابِهِ ، وَهَذَا الْقِسْمُ أَرَفَعُ الْأَقْسَامِ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ . وَفِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْقَاضِي عِيَاضِ بْنِ مُوسَى السَّبْتِيِّ - أَحَدِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُطَّلِعِينَ - قَوْلُهُ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذَا أَنْ يَقُولَ السَّامِعُ مِنْهُ : حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ، وَأَنْبَأَنَا ، وَسَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ ، وَقَالَ لَنَا فُلَانٌ ، وَذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ . قُلْتُ : فِي هَذَا نَظَرٌ ، وَيَنْبَغِي فِيمَا شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَخْصُوصًا بِمَا سُمِعَ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الشَّيْخِ - عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ لَا يُطْلَقَ فِيمَا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ وَالْإِلْبَاسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ أَنَّ أَرْفَعَ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ سَمِعْتُ ثُمَّ حَدَّثَنَا وَحَدَّثَنِي ، فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَقُولُ : سَمِعْتُ فِي أَحَادِيثِ الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ ، وَلَا فِي تَدْلِيسِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِيمَا أُجِيزَ لَهُ حَدَّثَنَا ، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَيَتَأَوَّلُ أَنَّهُ حَدَّثَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ الْحَسَنُ إِذْ ذَاكَ بِهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا . قُلْتُ : وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ سَمَاعًا مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ يَتْلُو ذَلِكَ قَوْلُ : أَخْبَرَنَا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ ، حَتَّى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَانُوا لَا يَكَادُونَ يُخْبِرُونَ عَمَّا سَمِعُوهُ مِنْ لَفْظِ مَنْ حَدَّثَهُمْ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ : أَخْبَرَنَا ، مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَهُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَعَمْرُو بْنُ عَوْنٍ ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ ، وَأَبُو مَسْعُودٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفُرَاتِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيَّانِ ، وَغَيْرُهُمْ . وَذَكَرَ الْخَطِيبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ قَالَ : كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ : أَنَا حَتَّى قَدِمَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، فَقَالَا لَهُ : قُلْ : حَدَّثَنَا ، فَكُلُّ مَا سَمِعْتُ مَعَ هَؤُلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا وَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ : أَنَا . وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظِ قَالَ : هُشَيْمٌ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ ، لَا يَقُولُونَ إِلَّا أَخْبَرَنَا فَإِذَا رَأَيْتَ حَدَّثَنَا فَهُوَ مِنَ خَطَأِ الْكَاتِبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قُلْتُ : وَكَانَ هَذَا كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يَشِيعَ تَخْصِيصُ ( أَخْبَرَنَا ) بِمَا قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ ، ثُمَّ يَتْلُو قَوْلَ أَخْبَرَنَا قَوْلُ أَنْبَأَنَا ، وَ نَبَّأَنَا ، وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ . قُلْتُ : ( حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ) أَرْفَعُ مِنْ ( سَمِعْتُ ) مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ( سَمِعْتُ ) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَوَّاهُ الْحَدِيثَ وَخَاطَبَهُ بِهِ ، وَفِي ( حَدَّثَنَا ، وَأَخْبَرَنَا ) دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِهِ وَرَوَاهُ لَهُ ، أَوْ هُوَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ . سَأَلَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ شَيْخَهُ أَبَا بَكْرٍ الْبَرْقَانِيَّ الْفَقِيهَ الْحَافِظَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَنِ السِّرِّ فِي كَوْنِهِ يَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ لَهُمْ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهيِمَ الْجُرْجَانِيِّ الْآبَنْدُونِيِّ سَمِعْتُ وَلَا يَقُولُ حَدَّثَنَا ، وَلَا أَخْبَرَنَا فَذَكَرَ لَهُ : أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ كَانَ مَعَ ثِقَتِهِ وَصَلَاحِهِ عَسِرًا فِي الرِّوَايَةِ ، فَكَانَ الْبَرْقَانِيُّ يَجْلِسُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَلَا يَعْلَمُ بِحُضُورِهِ ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ الشَّخْصَ الدَّاخِلَ إِلَيْهِ ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ : سَمِعْتُ ، وَلَا يَقُولُ : حَدَّثَنَا ، وَلَا أَخْبَرَنَا ، لِأَنَّ قَصْدَهُ كَانَ الرِّوَايَةَ لِلدَّاخِلِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ قَالَ لَنَا فُلَانٌ ، أَوْ ذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ : حَدَّثَنَا فُلَانٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَائِقٌ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ ، وَهُوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ ( حَدَّثَنَا ) . وَقَدْ حَكَيْنَا فِي فَصْلِ التَّعْلِيقِ - عَقِيبَ النَّوْعِ الْحَادِيَ عَشَرَ - عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ اسْتِعْمَالَ ذَلِكَ مُعَبِّرِينَ بِهِ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ فِي الْمُذَاكَرَاتِ وَالْمُنَاظَرَاتِ . وَأَوْضَعُ الْعِبَارَاتِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : قَالَ فُلَانٌ ، أَوْ : ذَكَرَ فُلَانٌ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَوْلِهِ لِي ، وَلَنَا وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي فَصْلِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ أَنَّ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْأَلْفَاظِ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى السَّمَاعِ ، إِذَا عُرِفَ لِقَاؤُهُ لَهُ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ عَلَى الْجُمْلَةِ ، لَا سِيَّمَا إِذَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ : قَالَ فُلَانٌ إِلَّا فِيمَا سَمِعَهُ مِنْهُ . وَقَدْ كَانَ حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ يَرْوِي عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ كُتُبَهُ ، وَيَقُولُ فِيهَا : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَحَمَلَهَا النَّاسُ عَنْهُ ، وَاحْتَجُّوا بِرِوَايَاتِهِ ، وَكَانَ قَدْ عُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَرْوِي إِلَّا مَا سَمِعَهُ . وَقَدْ خَصَّصَ الْخَطِيبُ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ الْقَوْلَ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى السَّمَاعِ بِمَنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ ، وَالْمَحْفُوظُ الْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ .
وَاللَّهُ أَعْلَمُ .