الْقِسْمُ الثَّانِي الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ
الثَّالِثُ : فِيمَا نَرْوِيهِ عَنِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : الَّذِي أَخْتَارُهُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي ، وَأَئِمَّةَ عَصْرِي : أَنْ يَقُولَ فِي الَّذِي يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ ، وَمَا يَأْخُذُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِ لَفْظًا ، وَمَعَهُ غَيْرُهُ : حَدَّثَنَا فُلَانٌ ، وَمَا قَرَأَ عَلَى الْمُحَدِّثِ بِنَفْسِهِ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ ، وَمَا قُرِئَ عَلَى الْمُحَدِّثِ ، وَهُوَ حَاضِرٌ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ . وَقَدْ رُوِّينَا نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ صَاحِبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَهُوَ حَسَنٌ رَائِقٌ . فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ حَدَّثَنَا ، أَوْ أَخْبَرَنَا ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ حَدَّثَنِي ، أَوْ أَخْبَرَنِي لِتَرَدُّدِهِ فِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ التَّحَمُّلِ ، وَالسَّمَاعِ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ نَقُولَ : لِيَقُلْ حَدَّثَنِي أَوْ أَخْبَرَنِي ، لِأَنَّ عَدَمَ غَيْرِهِ هُوَ الْأَصْلُ .
وَلَكِنْ ذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ الْإِمَامُ ، عَنْ شَيْخِهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ الْإِمَامِ ، فِيمَا إِذَا شَكَّ أَنَّ الشَّيْخَ قَالَ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ ، أَوْ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَانٌ ، أَنَّهُ يَقُولُ حَدَّثَنَا . وَهَذَا يَقْتَضِي فِيمَا إِذَا شَكَّ فِي سَمَاعِ نَفْسِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنَا ، وَهُوَ عِنْدِي يَتَوَجَّهُ بِأَنَّ ( حَدَّثَنِي ) أَكْمَلُ مَرْتَبَةً ، وَ ( حَدَّثَنَا ) أَنْقَصُ مَرْتَبَةً ، فَلْيَقْتَصِرْ إِذَا شَكَّ عَلَى النَّاقِصِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الزَّائِدِ هُوَ الْأَصْلُ ، وَهَذَا لَطِيفٌ . ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَافِظَ أَحْمَدَ الْبَيْهَقِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدِ اخْتَارَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ قَوْلَ الْقَطَّانِ مَا قَدَّمْتُهُ .
ثُمَّ إِنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ مِنْ أَصْلِهِ مُسْتَحَبٌّ ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَافَّةً ، فَجَائِزٌ إِذَا سَمِعَ وَحْدَهُ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنَا ، أَوْ نَحْوَهُ ، لِجَوَازِ ذَلِكَ لِلْوَاحِدِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَجَائِزٌ إِذَا سَمِعَ فِي جَمَاعَةٍ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنِي ; لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ ، وَحَدَّثَ غَيْرَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .