الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْإِجَازَةُ
الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ طُرُقِ نَقْلِ الْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ : الْإِجَازَةُ وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ أَنْوَاعًا : أَوَّلُهَا : أَنْ يُجِيزَ لِمُعَيَّنٍ فِي مُعَيَّنٍ ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : أَجَزْتُ لَكَ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ ، أَوْ : مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي هَذِهِ ، فَهَذَا عَلَى أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ . وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا ، وَلَا خَالَفَ فِيهَا أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَإِنَّمَا خِلَافُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا النَّوْعِ . وَزَادَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ فَأَطْلَقَ نَفْيَ الْخِلَافِ ، وَقَالَ : لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَخَلَفِهَا ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَحَكَى الْخِلَافَ فِي الْعَمَلِ بِهَا ، ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) .
قُلْتُ : هَذَا بَاطِلٌ ، فَقَدْ خَالَفَ فِي جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْإِجَازَةِ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْفُقَهَاءِ ، وَالْأُصُولِيِّينَ ، وَذَلِكَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . رُوِيَ عَنْ صَاحِبِهِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ : كَانَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرَى الْإِجَازَةَ فِي الْحَدِيثِ . قَالَ الرَّبِيعُ : أَنَا أُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ فِي هَذَا .
وَقَدْ قَالَ بِإِبْطَالِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ ، مِنْهُمُ الْقَاضِيَانِ حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِهِ ( الْحَاوِي ) ، وَعَزَاهُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَا جَمِيعًا : لَوْ جَازَتِ الْإِجَازَةُ لَبَطَلَتِ الرِّحْلَةُ . وَرُوِيَ أَيْضًا هَذَا الْكَلَامُ عَنْ شُعْبَةَ ، وَغَيْرِهِ . وَمِمَّنْ أَبْطَلَهَا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْإِمَامُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُلَقَّبُ بِأَبِي الشَّيْخِ ، وَالْحَافِظُ أَبُو نَصْرٍ الْوَايِلِيُّ السِّجْزِيُّ .
وَحَكَى أَبُو نَصْرٍ فَسَادَهَا عَنْ بَعْضِ مَنْ لَقِيَهُ . قَالَ أَبُو نَصْرٍ : وَسَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ : قَوْلُ الْمُحَدِّثِ : قَدْ أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي تَقْدِيرُهُ : أَجَزْتُ لَكَ مَا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُبِيحُ رِوَايَةَ مَا لَمْ يُسْمَعْ . قُلْتُ : وَيُشْبِهُ هَذَا مَا حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْخُجَنْدِيُّ أَحَدُ مَنْ أَبْطَلَ الْإِجَازَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ، عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الدَّبَّاسِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ : مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ : أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي مَا لَمْ تَسْمَعْ ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ : أَجَزْتُ لَكَ أَنْ تَكْذِبَ عَلَيَّ .
ثُمَّ إِنَّ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، وَقَالَ بِهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَغَيْرِهِمُ : الْقَوْلُ بِتَجْوِيزِ الْإِجَازَةِ ، وَإِبَاحَةِ الرِّوَايَةِ بِهَا . وَفِي الِاحْتِجَاجِ لِذَلِكَ غُمُوضٌ ، وَيَتَّجِهُ أَنْ يَقُولَ : إِذَا أَجَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْهُ مَرْوِيَّاتِهِ ، فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهَا جُمْلَةً ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ تَفْصِيلًا ، وَإِخْبَارُهُ بِهَا غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى التَّصْرِيحِ نُطْقًا كَمَا فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا سَبَقَ ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ حُصُولُ الْإِفْهَامِ وَالْفَهْمِ ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْإِجَازَةِ الْمُفْهِمَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ إِنَّهُ كَمَا تَجُوزُ الرِّوَايَةُ بِالْإِجَازَةِ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالْمَرْوِيِّ بِهَا ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ : إِنَّهُ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ ، وَإِنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْمُرْسَلِ .
وَهَذَا بَاطِلٌ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْإِجَازَةِ مَا يَقْدَحُ فِي اتِّصَالِ الْمَنْقُولِ بِهَا ، وَفِي الثِّقَةِ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .