الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْإِجَازَةُ
النَّوْعُ السَّابِعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ : إِجَازَةُ الْمُجَازِ . مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الشَّيْخُ ( أَجَزْتُ لَكَ مُجَازَاتِي ، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَةَ مَا أُجِيزَ لِي رِوَايَتُهُ ) ، فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ . وَالصَّحِيحُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ مَا امْتَنَعَ مِنْ تَوْكِيلِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُوَكِّلِ ، وَوَجَدْتُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو السَّفَاقُسِيِّ الْحَافِظِ الْمَغْرِبِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ الْحَافِظَ يعني الْأَصْبَهَانِيَّ يَقُولُ : الْإِجَازَةُ عَلَى الْإِجَازَةِ قَوِيَّةٌ جَائِزَةٌ .
وَحَكَى الْخَطِيبُ الْحَافِظُ تَجْوِيزَ ذَلِكَ عَنِ الْحَافِظِ الْإِمَامِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ عُقْدَةَ الْكُوفِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا ، وَقَدْ كَانَ الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ نَصْرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيُّ يَرْوِي بِالْإِجَازَةِ عَنِ الْإِجَازَةِ ، حَتَّى رُبَّمَا وَالَى فِي رِوَايَتِهِ بَيْنَ إِجَازَاتٍ ثَلَاثٍ . وَيَنْبَغِي لِمَنْ يَرْوِي بِالْإِجَازَةِ عَنِ الْإِجَازَةِ أَنْ يَتَأَمَّلَ كَيْفِيَّةَ إِجَازَةِ شَيْخِ شَيْخِهِ ، وَمُقْتَضَاهَا ، حَتَّى لَا يَرْوِيَ بِهَا مَا لَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَهَا ، فَإِذَا كَانَ مَثَلًا صُورَةُ إِجَازَةِ شَيْخِ شَيْخِهِ ( أَجَزْتُ لَهُ مَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ سَمَاعَاتِي ) ، فَرَأَى شَيْئًا مِنْ مَسْمُوعَاتِ شَيْخِ شَيْخِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَ ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ عَنْهُ ، حَتَّى يَسْتَبِينَ أَنَّهُ مِمَّا كَانَ قَدْ صَحَّ عِنْدَ شَيْخِهِ كَوْنُهُ مِنْ سَمَاعَاتِ شَيْخِهِ الَّذِي تِلْكَ إِجَازَتُهُ ، وَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ صِحَّةِ ذَلِكَ عِنْدَهُ الْآنَ ، عَمَلًا بِلَفْظِهِ ، وَتَقْيِيدِهِ ، وَمَنْ لَا يَتَفَطَّنْ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ يَكْثُرْ عِثَارُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذِهِ أَنْوَاعُ الْإِجَازَةِ الَّتِي تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَى بَيَانِهَا ، وَيَتَرَكَّبُ مِنْهَا أَنْوَاعٌ أُخَرُ سَيَتَعَرَّفُ الْمُتَأَمِّلُ حُكْمَهَا مِمَّا أَمْلَيْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .