النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَشَرْطِ أَدَائِهِ
الثَّانِي : إِذَا سَمِعَ كِتَابًا ، ثُمَّ أَرَادَ رِوَايَتَهُ مِنْ نُسْخَةٍ لَيْسَ فِيهَا سَمَاعُهُ ، وَلَا هِيَ مُقَابَلَةٌ بِنُسْخَةِ سَمَاعِهِ غَيْرَ أَنَّهُ سُمِعَ مِنْهَا عَلَى شَيْخِهِ ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ . قَطَعَ بِهِ الْإِمَامُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ الْفَقِيهُ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ . وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهَا سَمَاعُ شَيْخِهِ ، أَوْ رَوَى مِنْهَا ثِقَةٌ عَنْ شَيْخِهِ ، فَلَا تَجُوزُ لَهُ الرِّوَايَةُ مِنْهَا اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ ذَلِكَ إِذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تَكُونَ فِيهَا زَوَائِدُ لَيْسَتْ فِي نُسْخَةِ سَمَاعِهِ .
ثُمَّ وَجَدْتُ الْخَطِيبَ قَدْ حَكَى مِصْدَاقَ ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، فَذَكَرَ فِيمَا إِذَا وَجَدَ أَصْلَ الْمُحَدِّثِ وَلَمْ يُكْتَبْ فِيهِ سَمَاعُهُ ، أَوْ وَجَدَ نُسْخَةً كُتِبَتْ عَنِ الشَّيْخِ تَسْكُنُ نَفْسُهُ إِلَى صِحَّتِهَا أَنَّ عَامَّةَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مَنَعُوا مِنْ رِوَايَتِهِ مِنْ ذَلِكَ . وَجَاءَ عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيِّ التَّرَخُّصُ فِيهِ . قُلْتُ : اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ مِنْ شَيْخِهِ عَامَّةٌ لِمَرْوِيَّاتِهِ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ، فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الرِّوَايَةُ مِنْهَا ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ رِوَايَةِ تِلْكَ الزِّيَادَاتِ بِالْإِجَازَةِ بِلَفْظِ ( أَخْبَرَنَا ) ، أَوْ ( حَدَّثَنَا ) مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلْإِجَازَةِ فِيهَا ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ يَقَعُ مِثْلُهُ فِي مَحَلِّ التَّسَامُحِ .
وَقَدْ حَكَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا غِنًى فِي كُلِّ سَمَاعٍ عَنِ الْإِجَازَةِ ، لِيَقَعَ مَا يَسْقُطُ فِي السَّمَاعِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَغَيْرِهِ مِنْ كَلِمَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ مَرْوِيًّا بِالْإِجَازَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهَا . فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي النُّسْخَةِ سَمَاعَ شَيْخِ شَيْخِهِ ، أَوْ هِيَ مَسْمُوعَةٌ عَلَى شَيْخِ شَيْخِهِ ، أَوْ مَرْوِيَّةٌ عَنْ شَيْخِ شَيْخِهِ ، فَيَنْبَغِي لَهُ حِينَئِذٍ فِي رِوَايَتِهِ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ لَهُ إِجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ ، وَلِشَيْخِهِ إِجَازَةٌ شَامِلَةٌ مِنْ شَيْخِهِ ، وَهَذَا تَيْسِيرٌ حَسَنٌ ، هَدَانَا اللَّهُ لَهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - وَالْحَاجَةُ إِلَيْهِ مَاسَّةٌ فِي زَمَانِنَا جِدًّا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .