النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَشَرْطِ أَدَائِهِ
الْحَادِيَ عَشَرَ : إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ عِنْدَ الرَّاوِي عَنِ اثْنَيْنِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، وَبَيْنَ رِوَايَتِهِمَا تَفَاوُتٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْنَادِ ، ثُمَّ يَسُوقُ الْحَدِيثَ عَلَى لَفْظِ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً ، وَيَقُولُ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ ، وَفُلَانٌ ، وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ ، أَوْ هَذَا لَفْظُ فُلَانٍ ، قَالَ : أَوْ قَالَا : أَنَا فُلَانٌ ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ . وَلِمُسْلِمٍ صَاحِبِ الصَّحِيحِ مَعَ هَذَا فِي ذَلِكَ عِبَارَةٌ أُخْرَى حَسَنَةٌ مِثْلُ قَوْلِهِ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ . فَإِعَادَتُهُ ثَانِيًا ذِكْرَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً إِشْعَارٌ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْمَذْكُورَ لَهُ .
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَخُصَّ لَفْظَ أَحَدِهِمَا بِالذِّكْرِ ، بَلْ أَخَذَ مِنْ لَفْظِ هَذَا ، وَمِنْ لَفْظِ ذَاكَ ، وَقَالَ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ ، قَالَا : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى . وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ - صَاحِبِ السُّنَنِ - : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، وَأَبُو تَوْبَةَ - الْمَعْنَى - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا فِي كِتَابِهِ ، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ لِمُسَدَّدٍ ، وَيُوَافِقُهُ أَبُو تَوْبَةَ فِي الْمَعْنَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي ، فَلَا يَكُونُ قَدْ أَوْرَدَ لَفْظَ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً ، بَلْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى عَنْ كِلَيْهِمَا ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يَقْرُبُ فِي قَوْلِهِ : حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ - الْمَعْنَى وَاحِدٌ - قَالَا : حَدَّثَنَا أَبَانٌ .
وَأَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ جَمَاعَةِ رُوَاةٍ قَدِ اتَّفَقُوا فِي الْمَعْنَى ، وَلَيْسَ مَا أَوْرَدَهُ لَفْظَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَيَانِ لِذَلِكَ ، فَهَذَا مِمَّا عِيبَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، أَوْ غَيْرُهُ ، وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِ تَجْوِيزِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى . وَإِذَا سَمِعَ كِتَابًا مُصَنَّفًا مِنْ جَمَاعَةٍ ، ثُمَّ قَابَلَ نُسْخَتَهُ بِأَصْلِ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ ، وَأَرَادَ أَنْ يَذْكُرَ جَمِيعَهُمْ فِي الْإِسْنَادِ ، وَيَقُولَ : وَاللَّفْظُ لِفُلَانٍ كَمَا سَبَقَ ، فَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ كَالْأَوَّلِ ; لِأَنَّ مَا أَوْرَدَهُ قَدْ سَمِعَهُ بِنَصِّهِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ بِلَفْظِهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ، لِأَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِكَيْفِيَّةِ رِوَايَةِ الْآخَرِينَ حَتَّى يُخْبِرَ عَنْهَا ، بِخِلَافِ مَا سَبَقَ ، فَإِنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِ مَنْ نَسَبَ اللَّفْظَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُوَافَقَتِهِمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .