النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَشَرْطِ أَدَائِهِ
السَّادِسَ عَشَرَ : إِذَا رَوَى الْمُحَدِّثُ الْحَدِيثَ بِإِسْنَادٍ ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ ، وَقَالَ عِنْدَ انْتِهَائِهِ مِثْلَهُ فَأَرَادَ الرَّاوِي عَنْهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِسْنَادِ الثَّانِي ، وَيَسُوقَ لَفْظَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَقِيبَ الْإِسْنَادِ الْأَوَّلِ ، فَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ . وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ الْحَافِظِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ : كَانَ شُعْبَةُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : يَجُوزُ ذَلِكَ ، إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْمُحَدِّثَ ضَابِطٌ مُتَحَفِّظٌ يَذْهَبُ إِلَى تَمْيِيزِ الْأَلْفَاظِ وَعَدِّ الْحُرُوفِ ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ ، وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا رَوَى مِثْلَ هَذَا يُورِدُ الْإِسْنَادَ ، وَيَقُولُ : ( مِثْلَ حَدِيثٍ قَبْلَهُ مَتْنُهُ كَذَا وَكَذَا ) ، ثُمَّ يَسُوقُهُ .
وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ قَدْ قَالَ : ( نَحْوَهُ ) . قَالَ : ( وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخْتَارُهُ ) . أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَاذِيُّ شَيْخُ الشُّيُوخِ بِهَا ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِهَا ، قَالَ : أَنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ، قَالَ : أَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّرِيفِينِيُّ ، قَالَ : أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حُبَابَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيُّ ، قَالَ : ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، قَالَ : ثَنَا وَكِيعٌ ، قَالَ : قَالَ شُعْبَةُ : فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ مِثْلَهُ لَا يُجْزِئُ .
قَالَ وَكِيعٌ : وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ : يُجْزِئُ . وَأَمَّا إِذَا قَالَ : ( نَحْوَهُ ) ، فَهُوَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَمَا إِذَا قَالَ : ( مِثْلَهُ ) . وَنُبِّئْنَا بِإِسْنَادٍ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ : إِذَا قَالَ نَحْوَهُ ، فَهُوَ حَدِيثٌ .
وَقَالَ شُعْبَةُ ( نَحْوَهُ ) شَكٌّ . وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ أَجَازَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي قَوْلِهِ مِثْلَهُ وَلَمْ يُجِزْهُ فِي قَوْلِهِ : نَحْوَهُ . قَالَ الْخَطِيبُ : وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَمْ يُجِزِ الرِّوَايَةَ عَلَى الْمَعْنَى .
فَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَجَازَهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مِثْلَهُ ، وَ نَحْوَهُ . قُلْتُ : هَذَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَا رُوِّينَاهُ عَنْ مَسْعُودِ بْنِ عَلِيٍّ السِّجْزِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظَ يَقُولُ : إِنَّ مِمَّا يَلْزَمُ الْحَدِيثِيَّ مِنَ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ : مِثْلَهُ ، أَوْ يَقُولَ : نَحْوَهُ ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ : مِثْلَهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُمَا عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ ، وَيَحِلُّ أَنْ يَقُولَ : نَحْوَهُ إِذَا كَانَ عَلَى مِثْلِ مَعَانِيهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .