حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
مقدمة ابن الصلاح

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ وَقَدِ انْدَرَجَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي ضِمْنِ مَا تَقَدَّمَ . فَأَوَّلُ مَا عَلَيْهِ تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ ، وَالْحَذَرُ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَهُ وُصْلَةً إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ‏ . ‏ رُوِّينَا عَنْ ‏حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ‏ : مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ مُكِرَ بِهِ‏ .

وَرُوِّينَا عَنْ ‏سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ‏ : مَا أَعْلَمُ عَمَلًا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِ‏ . ‏ وَرُوِّينَا نَحْوَهُ عَنِ ‏ابْنِ الْمُبَارَكِ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ‏ وَمِنْ أَقْرَبِ الْوُجُوهِ فِي إِصْلَاحِ النِّيَّةِ فِيهِ‏ مَا رُوِّينَا عَنْ ‏أَبِي عَمْرٍو إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُجَيْدٍ‏‏‏ أَنَّهُ سَأَلَ ‏أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدَانَ‏ ، وَكَانَا عَبْدَيْنِ صَالِحَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ‏ : بِأَيِّ‏ نِيَّةٍ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ ؟ فَقَالَ‏ : أَلَسْتُمْ تَرْوُونَ أَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ ؟ قَالَ‏ : نَعَمْ ، قَالَ‏ : فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسُ الصَّالِحِينَ‏ .

‏ وَلْيَسْأَلِ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى التَّيْسِيرَ ، وَالتَّأْيِيدَ ، وَالتَّوْفِيقَ ، وَالتَّسْدِيدَ ، وَلْيَأْخُذْ نَفْسَهُ بِالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ ، وَالْآدَابِ الْرضِيَّةِ‏ ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ‏أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ‏ ، قَالَ‏ : مَنْ طَلَبَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ طَلَبَ أَعْلَى أُمُورِ الدِّينِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ النَّاسِ‏ . ‏ وَفِي السِّنِّ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الِابْتِدَاءُ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ ، وَبِكِتْبَتِهِ اخْتِلَافٌ ، سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ . ‏ وَإِذَا أَخَذَ فِيهِ فَلْيُشَمِّرْ عَنْ سَاقِ جُهْدِهِ ، وَاجْتِهَادِهِ ، وَيَبْدَأْ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَسْنَدِ شُيُوخِ مِصْرِهِ ، وَمِنَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ ، أَوِ الشُّهْرَةُ ، أَوِ الشَّرَفُ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ‏ .

‏ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَمَاعِ الْعَوَالِي وَالْمُهِمَّاتِ الَّتِي بِبَلَدِهِ فَلْيَرْحَلْ إِلَى غَيْرِهِ‏ . ‏ رُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ‏ : أَرْبَعَةٌ لَا تُؤْنِسُ مِنْهُمْ رُشْدً‏ا : حَارِسُ الدَّرْبِ ، وَمُنَادِي الْقَاضِي ، وَابْنُ الْمُحَدِّثِ ، وَرَجُلٌ يَكْتُبُ فِي بَلَدِهِ وَلَا يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ‏ . ‏ وَرُوِّينَا عَنْ ‏أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ‏ : أَيَرْحَلُ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الْعُلُوِّ ؟ فَقَالَ‏ : بَلَى ، وَاللَّهِ شَدِيدًا ، لَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ يَبْلُغُهُمَا الْحَدِيثُ عَنْ ‏عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَا يُقْنِعُهُمَا حَتَّى يَخْرُجَا إِلَى ‏عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَسْمَعَانِهِ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏‏‏‏ .

‏ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ‏ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ‏ . ‏ وَلَا يَحْمِلَنَّهُ الْحِرْصُ ، وَالشَّرَهُ عَلَى التَّسَاهُلِ فِي السَّمَاعِ ، وَالتَّحَمُّلِ ، وَالْإِخْلَالِ بِمَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ‏ . ‏ وَلْيَسْتَعْمِلْ مَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، فَذَلِكَ زَكَاةُ الْحَدِيثِ ، عَلَى مَا رُوِّينَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ ‏بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِي‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ‏ : يَا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ ، أَدُّوا زَكَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ ، اعْمَلُوا مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ‏ .

‏ وَرُوِّينَا عَنْ ‏عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِي‏ِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ‏ : إِذَا بَلَغَكَ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ فَاعْمَلْ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ‏ . ‏ وَرُوِّينَا عَنْ ‏وَكِيعٍ‏ ، قَالَ‏ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْفَظَ الْحَدِيثَ فَاعْمَلْ بِهِ‏ . ‏ وَلْيُعَظِّمْ شَيْخَهُ ، وَمَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ ، فَذَلِكَ مِنْ إِجْلَالِ الْحَدِيثِ ، وَالْعِلْمِ ، وَلَا يُثْقِلْ عَلَيْهِ ، وَلَا يُطَوِّلْ بِحَيْثُ يُضْجِرُهُ ، فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْرَمَ الِانْتِفَاعَ‏ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ‏الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ‏ : إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ‏ ، ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏‏‏ ) .

‏ وَمَنْ ظَفِرَ مِنَ الطَّلَبَةِ بِسَمَاعِ شَيْخٍ فَكَتَمَهُ غَيْرَهُ ، لِيَنْفَرِدَ بِهِ عَنْهُمْ ، كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ ، وَذَلِكَ مِنَ اللُّؤْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبَةِ الْوُضَعَاءِ‏ ، وَمِنْ أَوَّلِ فَائِدَةِ طَلَبِ الْحَدِيثِ الْإِفَادَةُ ، رُوِّينَا عَنْ ‏مَالِكٍ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ‏ : مِنْ بَرَكَةِ الْحَدِيثِ إِفَادَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا‏ . ‏ وَرُوِّينَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رَاهْوَيْهِ‏ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي جَمَاعَةٍ‏ : انْسَخْ مِنْ كِتَابِهِمْ مَا قَدْ قَرَأْتُ ، فَقَالُ‏ : إِنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُونَنِي‏ ، قَالَ‏ : إِذًا وَاللَّهِ لَا يُفْلِحُونَ ، قَدْ رَأَيْنَا أَقْوَامًا مَنَعُوا هَذَا السَّمَاعَ ، فَوَاللَّهِ مَا أَفْلَحُوا ، وَلَا أَنْجَحُوا‏ . ‏ قُلْتُ‏ : وَقَدْ رَأَيْنَا نَحْنُ أَقْوَامًا مَنَعُوا السَّمَاعَ فَمَا أَفْلَحُوا ، وَلَا أَنْجَحُوا ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ‏‏‏‏ .

‏ وَلَا يَكُنْ مِمَّنْ يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ ، أَوِ الْكِبْرُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّلَبِ‏ . ‏ وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ ‏مُجَاهِدٍ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ‏ : لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ‏ ، وَرُوِّينَا عَنْ ‏عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا‏ : مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ‏ . ‏ وَلَا يَأْنَفْ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ عَمَّنْ دُونَهُ مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْهُ‏ .

‏ رُوِّينَا عَنْ ‏وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ‏ : لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَكْتُبَ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَعَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ ، وَعَمَّنْ هُوَ دُونَهُ ، وَلَيْسَ بِمُوَفَّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ ، لِمُجَرَّدِ اسْمِ الْكَثْرَةِ وَصِيتِهَا‏ . ‏ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ‏أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ‏‏‏ : إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ‏ . ‏ وَلْيَكْتُبْ ، وَلْيَسْمَعْ مَا يَقَعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عَلَى التَّمَامِ ، وَلَا يَنْتَخِبُ‏ .

‏ فَقَدْ قَالَ ‏ابْنُ الْمُبَارَكِ‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالَمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ‏ . ‏ وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ‏ : لَا يُنْتَخَبُ عَلَى عَالَمٍ إِلَّا بِذَنْبٍ‏ ، وَرُوِّينَا - أَوْ بَلَغَنَا - عَنْ ‏يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ‏ : سَيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ فِي الْحَدِيثِ حِينَ لَا تَنْفَعُهُ النَّدَامَةُ‏ . ‏ فَإِنْ ضَاقَتْ بِهِ الْحَالُ عَنِ الِاسْتِيعَابِ ، وَأُحْوِجَ إِلَى الِانْتِقَاءِ ، وَالِانْتِخَابِ ، تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ أَهْلًا مُمَيِّزًا ، عَارِفًا بِمَا يَصْلُحُ لِلِانْتِقَاءِ ، وَالِاخْتِيَارِ‏ ، وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا عَنْ ذَلِكَ اسْتَعَانَ بِبَعْضِ الْحُفَّاظِ لِيَنْتَخِبَ لَهُ‏ .

‏ وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مُتَصَدِّينَ لِلِانْتِقَاءِ عَلَى الشُّيُوخِ ، وَالطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ بِانْتِخَابِهِمْ ، مِنْهُمْ‏ ‏إِبْرَاهِيمُ بْنُ أُرْمَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ‏‏ ، و‏‏َأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِعُبَيْدٍ الْعِجْلِ ، وَ‏أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَ‏أَبُو بَكْرٍ الْجِعَابِيُّ‏ ، فِي آخَرِينَ‏ . ‏ وَكَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِرَسْمِ الْحَافِظِ عَلَامَةً فِي أَصْلِ الشَّيْخِ عَلَى مَا يَنْتَخِبُهُ ، فَكَانَ ‏النُّعَيْمِيُّ أَبُو الْحَسَنِ‏ يُعَلِّمُ بِصَادٍ مَمْدُودَةٍ ، و‏‏َأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ‏ بِطَاءٍ مَمْدُودَةٍ ، وَ‏أَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ‏ بِصُورَةِ هَمْزَتَيْنِ ، وَكُلُّهُمْ يُعَلِّمُ بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى مِنَ الْوَرَقَةِ ، وَعَلَّمَ ‏الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُسْرَى بِخَطٍّ عَرِيضٍ بِالْحُمْرَةِ‏ ، وَكَانَ ‏أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ الْحَافِظُ‏ يُعَلِّمُ بِخَطٍّ صَغِيرٍ بِالْحُمْرَةِ عَلَى أَوَّلِ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ ، وَلَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ وَلِكُلٍّ الْخِيَارُ‏ . ‏ ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ‏ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ، فَيَكُونُ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ ، وَبِغَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، بَلْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ صَارَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ الْمَنْقُوصِينَ ، الْمُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ‏ .

‏ قُلْتُ : أَنْشَدَنِي ‏أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ‏ - لَفْظًا - بِمَدِينَةِ مَرْوَ ، قَالَ‏ : أَنْشَدَنَا وَالِدِي - لَفْظًا ، أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ - قَالَ‏ : أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ مِنْ لَفْظِهِ ، قَالَ‏ : أَنْشَدَنَا الْأَدِيبُ الْفَاضِلُ فَارِسُ بْنُ الْحُسَيْنِ لِنَفْسِهِ‏ : يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَهْ كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا الْعِنَا يَةِ بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَهْ وَارْوِ الْقَلِيلَ وَرَاعِهِ فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَهْ وَلْيُقَدِّمِ الْعِنَايَةَ بِالصَّحِيحَيْنِ ، ثُمَّ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ ، وَكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ ، ضَبْطًا لِمُشْكِلِهَا ، وَفَهْمًا لِخَفِيِّ مَعَانِيهَا ، وَلَا يُخْدَعَنَّ عَنْ كِتَابِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ لِلْبَيْهَقِيِّ ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ مِثْلَهُ فِي بَابِهِ‏ . ‏ ثُمَّ بِسَائِرِ مَا تَمَسُّ حَاجَةُ صَاحِبِ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَسَانِدِ كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ‏ ، وَمِنْ كُتُبِ الْجَوَامِعَ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا ، وَمُوَطَّأُ مَالِكٍ هُوَ الْمُقَدَّمُ مِنْهَا‏ . ‏ وَمِنْ كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْ أَجْوَدِهَا كِتَابُ ‏الْعِلَلِ‏ عَنْ ‏أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ‏‏ ، وَكِتَابُ ‏الْعِلَلِ‏ عَنِ ‏الدَّارَقُطْنِيِّ ‏‏‏ .

‏ وَمِنْ كُتُبِ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَتَوَارِيخِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَمِنْ أَفْضَلِهَا ( ‏تَارِيخُ الْبُخَارِيِّ الْكَبِيرُ‏ ) و‏َ ( ‏كِتَابُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ‏ ) ‏لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ‏‏‏ . ‏ وَمِنْ كُتُبِ الضَّبْطِ لِمُشِكِلِ الْأَسْمَاءِ ، وَمِنْ أَكْمَلِهَا كِتَابُ ‏الْإِكَمالِ‏ ‏لِأَبِي نَاصِرِ بْنِ مَاكُولَا‏ . ‏ وَلْيَكُنْ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ اسْمٌ مُشْكِلٌ ، أَوْ كَلِمَةٌ مِنْ حَدِيثٍ مُشْكِلَةٌ ، بَحَثَ عَنْهَا وَأَوْدَعَهَا قَلْبَهُ ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ فِي يُسْرٍ‏ .

‏ وَلْيَكُنْ تَحَفُّظُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا مَعَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي ، فَذَلِكَ أَحْرَى بِأَنْ يُمَتَّعَ بِمَحْفُوظِهِ‏ . ‏ وَمِمَّنْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ‏ : ‏شُعْبَةُ‏‏ ، وَ‏‏ابْنُ عُلَيَّةَ ‏‏ ، و‏‏َمَعْمَرٌ ‏‏‏ . ‏ وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ‏ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ جُمْلَةً فَاتَهُ جُمْلَةً ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ حَدِيثًا ، وَحَدِيثَيْنِ‏ والله أعلم .

وَلْيَكُنِ الْإِتْقَانُ مِنْ شَأْنِهِ ، فَقَدَ قَالَ‏ ‏عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ‏‏‏ : الْحِفْظُ الْإِتْقَانُ‏ . ‏ ثُمَّ إِنَّ الْمُذَاكَرَةَ بِمَا يَتَحَفَّظُهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِمْتَاعِ بِهِ‏ ، رُوِّينَا عَنْ ‏عَلْقَمَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ‏ : تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ ذِكْرُهُ‏ . ‏ وَعَنْ ‏إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ‏ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ ، فَلْيُحَدِّثْ بِهِ ، وَلَوْ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ مَنْ لَا يَشْتَهِيهِ‏ .

‏ وَلْيَشْتَغِلْ بِالتَّخْرِيجِ ، وَالتَّأْلِيفِ ، وَالتَّصْنِيفِ إِذَا اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ ، وَتَأَهَّلَ لَهُ ، فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ ‏الْخَطِيبُ الْحَافِظُ‏ - يُثَبِّتُ الْحِفْظَ ، وَيُذَكِّي الْقَلْبَ ، وَيَشْحَذُ الطَّبْعَ ، وَيُجِيدُ الْبَيَانَ ، وَيَكْشِفُ الْمُلْتَبِسَ ، وَيُكْسِبُ جَمِيلَ الذِّكْرِ ، وَيُخَلِّدُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ، وَقَلَّ مَا يَمْهَرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ ، وَيَقِفُ عَلَى غَوَامِضهِ ، وَيَسْتَبِينُ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهِ إِلَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ‏ . ‏ وَحَدَّثَ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ‏ ‏مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ‏ قَالَ‏ : رَأَيْتُ ‏أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ الْحَافِظَ‏ فِي الْمَنَامِ ، فَقَالَ لِي‏ : يَا ‏أَبَا عَبْدِ اللَّهِ‏ ، خَرِّجْ ، وَصَنِّفْ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، هَذَا أَنَا تَرَانِي قَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ‏ . ‏

موقع حَـدِيث