النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ
النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ وَقَدِ انْدَرَجَ طَرَفٌ مِنْهُ فِي ضِمْنِ مَا تَقَدَّمَ . فَأَوَّلُ مَا عَلَيْهِ تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ ، وَالْحَذَرُ مِنْ أَنْ يَتَّخِذَهُ وُصْلَةً إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ الدُّنْيَوِيَّةِ . رُوِّينَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ مُكِرَ بِهِ .
وَرُوِّينَا عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا أَعْلَمُ عَمَلًا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِ . وَرُوِّينَا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَمِنْ أَقْرَبِ الْوُجُوهِ فِي إِصْلَاحِ النِّيَّةِ فِيهِ مَا رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَمْرٍو إِسْمَاعِيلَ بْنِ نُجَيْدٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنَ حَمْدَانَ ، وَكَانَا عَبْدَيْنِ صَالِحَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ : بِأَيِّ نِيَّةٍ أَكْتُبُ الْحَدِيثَ ؟ فَقَالَ : أَلَسْتُمْ تَرْوُونَ أَنَّ عِنْدَ ذِكْرِ الصَّالِحِينَ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأْسُ الصَّالِحِينَ .
وَلْيَسْأَلِ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى التَّيْسِيرَ ، وَالتَّأْيِيدَ ، وَالتَّوْفِيقَ ، وَالتَّسْدِيدَ ، وَلْيَأْخُذْ نَفْسَهُ بِالْأَخْلَاقِ الزَّكِيَّةِ ، وَالْآدَابِ الْرضِيَّةِ ، فَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ ، قَالَ : مَنْ طَلَبَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَدْ طَلَبَ أَعْلَى أُمُورِ الدِّينِ ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ النَّاسِ . وَفِي السِّنِّ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ الِابْتِدَاءُ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ ، وَبِكِتْبَتِهِ اخْتِلَافٌ ، سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ النَّوْعِ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ . وَإِذَا أَخَذَ فِيهِ فَلْيُشَمِّرْ عَنْ سَاقِ جُهْدِهِ ، وَاجْتِهَادِهِ ، وَيَبْدَأْ بِالسَّمَاعِ مِنْ أَسْنَدِ شُيُوخِ مِصْرِهِ ، وَمِنَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ ، أَوِ الشُّهْرَةُ ، أَوِ الشَّرَفُ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ .
وَإِذَا فَرَغَ مِنْ سَمَاعِ الْعَوَالِي وَالْمُهِمَّاتِ الَّتِي بِبَلَدِهِ فَلْيَرْحَلْ إِلَى غَيْرِهِ . رُوِّينَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : أَرْبَعَةٌ لَا تُؤْنِسُ مِنْهُمْ رُشْدًا : حَارِسُ الدَّرْبِ ، وَمُنَادِي الْقَاضِي ، وَابْنُ الْمُحَدِّثِ ، وَرَجُلٌ يَكْتُبُ فِي بَلَدِهِ وَلَا يَرْحَلُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ . وَرُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَيَرْحَلُ الرَّجُلُ فِي طَلَبِ الْعُلُوِّ ؟ فَقَالَ : بَلَى ، وَاللَّهِ شَدِيدًا ، لَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ ، وَالْأَسْوَدُ يَبْلُغُهُمَا الْحَدِيثُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَا يُقْنِعُهُمَا حَتَّى يَخْرُجَا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَسْمَعَانِهِ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُ الْبَلَاءَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِرِحْلَةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَلَا يَحْمِلَنَّهُ الْحِرْصُ ، وَالشَّرَهُ عَلَى التَّسَاهُلِ فِي السَّمَاعِ ، وَالتَّحَمُّلِ ، وَالْإِخْلَالِ بِمَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ . وَلْيَسْتَعْمِلْ مَا يَسْمَعُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ، فَذَلِكَ زَكَاةُ الْحَدِيثِ ، عَلَى مَا رُوِّينَا عَنِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ الْحَافِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرُوِّينَا عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : يَا أَصْحَابَ الْحَدِيثِ ، أَدُّوا زَكَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ ، اعْمَلُوا مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ .
وَرُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِذَا بَلَغَكَ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ فَاعْمَلْ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ . وَرُوِّينَا عَنْ وَكِيعٍ ، قَالَ : إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَحْفَظَ الْحَدِيثَ فَاعْمَلْ بِهِ . وَلْيُعَظِّمْ شَيْخَهُ ، وَمَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ ، فَذَلِكَ مِنْ إِجْلَالِ الْحَدِيثِ ، وَالْعِلْمِ ، وَلَا يُثْقِلْ عَلَيْهِ ، وَلَا يُطَوِّلْ بِحَيْثُ يُضْجِرُهُ ، فَإِنَّهُ يُخْشَى عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ أَنْ يُحْرَمَ الِانْتِفَاعَ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ ، ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ ) .
وَمَنْ ظَفِرَ مِنَ الطَّلَبَةِ بِسَمَاعِ شَيْخٍ فَكَتَمَهُ غَيْرَهُ ، لِيَنْفَرِدَ بِهِ عَنْهُمْ ، كَانَ جَدِيرًا بِأَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهِ ، وَذَلِكَ مِنَ اللُّؤْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ جَهَلَةُ الطَّلَبَةِ الْوُضَعَاءِ ، وَمِنْ أَوَّلِ فَائِدَةِ طَلَبِ الْحَدِيثِ الْإِفَادَةُ ، رُوِّينَا عَنْ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : مِنْ بَرَكَةِ الْحَدِيثِ إِفَادَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . وَرُوِّينَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي جَمَاعَةٍ : انْسَخْ مِنْ كِتَابِهِمْ مَا قَدْ قَرَأْتُ ، فَقَالُ : إِنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُونَنِي ، قَالَ : إِذًا وَاللَّهِ لَا يُفْلِحُونَ ، قَدْ رَأَيْنَا أَقْوَامًا مَنَعُوا هَذَا السَّمَاعَ ، فَوَاللَّهِ مَا أَفْلَحُوا ، وَلَا أَنْجَحُوا . قُلْتُ : وَقَدْ رَأَيْنَا نَحْنُ أَقْوَامًا مَنَعُوا السَّمَاعَ فَمَا أَفْلَحُوا ، وَلَا أَنْجَحُوا ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَا يَكُنْ مِمَّنْ يَمْنَعُهُ الْحَيَاءُ ، أَوِ الْكِبْرُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الطَّلَبِ . وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَتَعَلَّمُ مُسْتَحٍ وَلَا مُسْتَكْبِرٌ ، وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَابْنِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَا : مَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ . وَلَا يَأْنَفْ مِنْ أَنْ يَكْتُبَ عَمَّنْ دُونَهُ مَا يَسْتَفِيدُهُ مِنْهُ .
رُوِّينَا عَنْ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَنْبُلُ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَكْتُبَ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَعَمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ ، وَعَمَّنْ هُوَ دُونَهُ ، وَلَيْسَ بِمُوَفَّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ ، لِمُجَرَّدِ اسْمِ الْكَثْرَةِ وَصِيتِهَا . وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ : إِذَا كَتَبْتَ فَقَمِّشْ ، وَإِذَا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ . وَلْيَكْتُبْ ، وَلْيَسْمَعْ مَا يَقَعُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ جُزْءٍ عَلَى التَّمَامِ ، وَلَا يَنْتَخِبُ .
فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالَمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ . وَرُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يُنْتَخَبُ عَلَى عَالَمٍ إِلَّا بِذَنْبٍ ، وَرُوِّينَا - أَوْ بَلَغَنَا - عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ : سَيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ فِي الْحَدِيثِ حِينَ لَا تَنْفَعُهُ النَّدَامَةُ . فَإِنْ ضَاقَتْ بِهِ الْحَالُ عَنِ الِاسْتِيعَابِ ، وَأُحْوِجَ إِلَى الِانْتِقَاءِ ، وَالِانْتِخَابِ ، تَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ أَهْلًا مُمَيِّزًا ، عَارِفًا بِمَا يَصْلُحُ لِلِانْتِقَاءِ ، وَالِاخْتِيَارِ ، وَإِنْ كَانَ قَاصِرًا عَنْ ذَلِكَ اسْتَعَانَ بِبَعْضِ الْحُفَّاظِ لِيَنْتَخِبَ لَهُ .
وَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مُتَصَدِّينَ لِلِانْتِقَاءِ عَلَى الشُّيُوخِ ، وَالطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ بِانْتِخَابِهِمْ ، مِنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أُرْمَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِعُبَيْدٍ الْعِجْلِ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَأَبُو بَكْرٍ الْجِعَابِيُّ ، فِي آخَرِينَ . وَكَانَتِ الْعَادَةُ جَارِيَةً بِرَسْمِ الْحَافِظِ عَلَامَةً فِي أَصْلِ الشَّيْخِ عَلَى مَا يَنْتَخِبُهُ ، فَكَانَ النُّعَيْمِيُّ أَبُو الْحَسَنِ يُعَلِّمُ بِصَادٍ مَمْدُودَةٍ ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِطَاءٍ مَمْدُودَةٍ ، وَأَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ بِصُورَةِ هَمْزَتَيْنِ ، وَكُلُّهُمْ يُعَلِّمُ بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى مِنَ الْوَرَقَةِ ، وَعَلَّمَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُسْرَى بِخَطٍّ عَرِيضٍ بِالْحُمْرَةِ ، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ الْحَافِظُ يُعَلِّمُ بِخَطٍّ صَغِيرٍ بِالْحُمْرَةِ عَلَى أَوَّلِ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ ، وَلَا حَجْرَ فِي ذَلِكَ وَلِكُلٍّ الْخِيَارُ . ثُمَّ لَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْحَدِيثِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ دُونَ مَعْرِفَتِهِ وَفَهْمِهِ ، فَيَكُونُ قَدْ أَتْعَبَ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْفَرَ بِطَائِلٍ ، وَبِغَيْرِ أَنْ يَحْصُلَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، بَلْ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ صَارَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ الْمَنْقُوصِينَ ، الْمُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ .
قُلْتُ : أَنْشَدَنِي أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ - لَفْظًا - بِمَدِينَةِ مَرْوَ ، قَالَ : أَنْشَدَنَا وَالِدِي - لَفْظًا ، أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ - قَالَ : أَنْشَدَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ السَّلَامِيُّ مِنْ لَفْظِهِ ، قَالَ : أَنْشَدَنَا الْأَدِيبُ الْفَاضِلُ فَارِسُ بْنُ الْحُسَيْنِ لِنَفْسِهِ : يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَهْ كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا الْعِنَا يَةِ بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَهْ وَارْوِ الْقَلِيلَ وَرَاعِهِ فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَهْ وَلْيُقَدِّمِ الْعِنَايَةَ بِالصَّحِيحَيْنِ ، ثُمَّ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ ، وَسُنَنِ النَّسَائِيِّ ، وَكِتَابِ التِّرْمِذِيِّ ، ضَبْطًا لِمُشْكِلِهَا ، وَفَهْمًا لِخَفِيِّ مَعَانِيهَا ، وَلَا يُخْدَعَنَّ عَنْ كِتَابِ السُّنَنِ الْكَبِيرِ لِلْبَيْهَقِيِّ ، فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ مِثْلَهُ فِي بَابِهِ . ثُمَّ بِسَائِرِ مَا تَمَسُّ حَاجَةُ صَاحِبِ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْمَسَانِدِ كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَمِنْ كُتُبِ الْجَوَامِعَ الْمُصَنَّفَةِ فِي الْأَحْكَامِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا ، وَمُوَطَّأُ مَالِكٍ هُوَ الْمُقَدَّمُ مِنْهَا . وَمِنْ كُتُبِ عِلَلِ الْحَدِيثِ ، وَمِنْ أَجْوَدِهَا كِتَابُ الْعِلَلِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَكِتَابُ الْعِلَلِ عَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ .
وَمِنْ كُتُبِ مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَتَوَارِيخِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَمِنْ أَفْضَلِهَا ( تَارِيخُ الْبُخَارِيِّ الْكَبِيرُ ) وَ ( كِتَابُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ) لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ . وَمِنْ كُتُبِ الضَّبْطِ لِمُشِكِلِ الْأَسْمَاءِ ، وَمِنْ أَكْمَلِهَا كِتَابُ الْإِكَمالِ لِأَبِي نَاصِرِ بْنِ مَاكُولَا . وَلْيَكُنْ كُلَّمَا مَرَّ بِهِ اسْمٌ مُشْكِلٌ ، أَوْ كَلِمَةٌ مِنْ حَدِيثٍ مُشْكِلَةٌ ، بَحَثَ عَنْهَا وَأَوْدَعَهَا قَلْبَهُ ، فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ لَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ فِي يُسْرٍ .
وَلْيَكُنْ تَحَفُّظُهُ لِلْحَدِيثِ عَلَى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا مَعَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي ، فَذَلِكَ أَحْرَى بِأَنْ يُمَتَّعَ بِمَحْفُوظِهِ . وَمِمَّنْ وَرَدَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِينَ : شُعْبَةُ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَمَعْمَرٌ . وَرُوِّينَا عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ : مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ جُمْلَةً فَاتَهُ جُمْلَةً ، وَإِنَّمَا يُدْرَكُ الْعِلْمُ حَدِيثًا ، وَحَدِيثَيْنِ والله أعلم .
وَلْيَكُنِ الْإِتْقَانُ مِنْ شَأْنِهِ ، فَقَدَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : الْحِفْظُ الْإِتْقَانُ . ثُمَّ إِنَّ الْمُذَاكَرَةَ بِمَا يَتَحَفَّظُهُ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الْإِمْتَاعِ بِهِ ، رُوِّينَا عَنْ عَلْقَمَةَ النَّخَعِيِّ قَالَ : تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ ، فَإِنَّ حَيَاتَهُ ذِكْرُهُ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ قَالَ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ ، فَلْيُحَدِّثْ بِهِ ، وَلَوْ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ مَنْ لَا يَشْتَهِيهِ .
وَلْيَشْتَغِلْ بِالتَّخْرِيجِ ، وَالتَّأْلِيفِ ، وَالتَّصْنِيفِ إِذَا اسْتَعَدَّ لِذَلِكَ ، وَتَأَهَّلَ لَهُ ، فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ - يُثَبِّتُ الْحِفْظَ ، وَيُذَكِّي الْقَلْبَ ، وَيَشْحَذُ الطَّبْعَ ، وَيُجِيدُ الْبَيَانَ ، وَيَكْشِفُ الْمُلْتَبِسَ ، وَيُكْسِبُ جَمِيلَ الذِّكْرِ ، وَيُخَلِّدُهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ، وَقَلَّ مَا يَمْهَرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ ، وَيَقِفُ عَلَى غَوَامِضهِ ، وَيَسْتَبِينُ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهِ إِلَّا مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ . وَحَدَّثَ الصُّورِيُّ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنَ سَعِيدٍ الْحَافِظَ فِي الْمَنَامِ ، فَقَالَ لِي : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، خَرِّجْ ، وَصَنِّفْ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ ، هَذَا أَنَا تَرَانِي قَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ .