حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
مقدمة ابن الصلاح

النَّوْعُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ مَعْرِفَةُ آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ

وَلِلْعُلَمَاءِ بِالْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفِهِ طَرِيقَتَانِ‏ : إِحْدَاهُمَا‏ : التَّصْنِيفُ عَلَى الْأَبْوَابِ ، وَهُوَ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَحْكَامِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا ، وَتَنْوِيعُهُ أَنْوَاعًا وَجَمْعُ مَا وَرَدَ فِي كُلِّ حُكْمٍ ، وَكُلِّ نَوْعٍ فِي بَابٍ فَبَابٍ‏ . ‏ وَالثَّانِيَةُ‏ : تَصْنِيفُهُ عَلَى الْمَسَانِيدِ ، وَجَمْعُ حَدِيثِ كُلِّ صَحَابِيٍّ وَحْدَهُ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ‏ ، وَلِمَنِ اخْتَارَ ذَلِكَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي أَسْمَائِهِمْ‏ ، وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ عَلَى الْقَبَائِلِ ، فَيَبْدَأُ بِبَنِي هَاشِمٍ ، ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ نَسَبًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ عَلَى سَوَابِقِ الصَّحَابَةِ ، فَيَبْدَأُ بِالْعَشَرَةِ ، ثُمَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ ، ثُمَّ بِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، ثُمَّ بِمَنْ أَسْلَمَ ، وَهَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَفَتْحِ مَكَّةَ ، وَيَخْتِمُ بِأَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ كَأَبِي الطُّفَيْلِ ، وَنُظَرَائِهِ ، ثُمَّ بِالنِّسَاءِ ، وَهَذَا أَحْسَنُ ، وَالْأَوَّلُ أَسْهَلُ‏ ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْتِيبِ غَيْرُ ذَلِكَ‏ . ‏ ثُمَّ إِنَّ مِنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي تَصْنِيفِهِ تَصْنِيفَهُ مُعَلَّلًا ، بِأَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ طرقهُ وَاخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ ، كَمَا فَعَلَ ‏يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ‏ فِي مُسْنَدِهِ‏ .

‏ وَمِمَّا يَعْتَنُونَ بِهِ فِي التَّأْلِيفِ جَمْعُ الشُّيُوخِ ، أَيْ : جَمْعُ حَدِيثِ شُيُوخٍ مَخْصُوصِينَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى انْفِرَادِهِ‏ . ‏ قَالَ ‏عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ‏‏‏ : يُقَالُ : مَنْ لَمْ يَجْمَعْ حَدِيثَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مُفْلِسٌ فِي الْحَدِيثِ‏ : ‏سُفْيَانُ‏‏ ، وَ‏‏شُعْبَةُ‏‏ ، و‏‏َمَالِكٌ‏‏ ، وَ‏حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ‏‏ ، وَ‏‏ابْنُ عُيَيْنَةَ ‏‏ ، وَهُمْ أُصُولُ الدِّينِ‏ . ‏ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَجْمَعُونَ حَدِيثَ خَلْقٍ كَثِيرٍ غَيْرِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ الدَّارِمِيُّ ، مِنْهُمْ‏ : ‏أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ‏‏ ، وَ‏الزُّهْرِيُّ ‏‏ ، وَ‏‏الْأَوْزَاعِيُّ ‏‏‏ .

‏ وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا التَّرَاجِمَ ، وَهِيَ أَسَانِيدُ يَخُصُّونَ مَا جَاءَ بِهَا بِالْجَمْعِ ، وَالتَّأْلِيفِ ، مِثْلُ تَرْجَمَةِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَتَرْجَمَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَتَرْجَمَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فِي أَشْبَاهٍ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ‏ . ‏ وَيَجْمَعُونَ أَيْضًا أَبْوَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الْجَامِعَةِ لِلْأَحْكَامِ ، فَيُفْرِدُونَهَا بِالتَّأْلِيفِ ، فَتَصِيرُ كُتُبًا مُفْرَدَةً نَحْوَ بَابِ رُؤْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ ، وَبَابِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ‏ . ‏ وَيُفْرِدُونَ أَحَادِيثَ ، فَيَجْمَعُونَ طُرُقَهَا فِي كُتُبٍ مُفْرَدَةٍ نَحْوَ‏ طُرُقِ حَدِيثِ قَبْضِ الْعِلْمِ ، وَحَدِيثِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ‏ .

‏ وَكَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ كِتَابِنَا هَذَا قَدْ أَفْرَدُوا أَحَادِيثَهُ بِالْجَمْعِ وَالتَّصْنِيفِ‏ . ‏ وَعَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ الْقَصْدِ ، وَالْحَذَرُ مِنْ قَصْدِ الْمُكَاثَرَةِ وَنَحْوِهِ‏ . ‏ بَلَغَنَا عَنْ ‏حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ‏‏‏ : أَنَّهُ خَرَّجَ حَدِيثًا وَاحِدًا مِنْ نَحْوِ مِائَتَيْ طَرِيقٍ ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ ، فَرَأَى ‏يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي مَنَامِهِ ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ‏ : أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ‏ : ( ‏‏ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ‏‏ ) ‏‏ .

‏ ثُمَّ لِيَحْذَرْ أَنْ يُخْرِجَ إِلَى النَّاسِ مَا يُصَنِّفُهُ إِلَّا بَعْدَ تَهْذِيبِهِ ، وَتَحْرِيرِهِ ، وَإِعَادَةِ النَّظَرِ فِيهِ ، وَتَكْرِيرِهِ‏ . ‏ وَلْيَتَّقِ أَنْ يَجْمَعَ مَا لَمْ يَتَأَهَّلْ بَعْدُ لِاجْتِنَاءِ ثَمَرَتِهِ ، وَاقْتِنَاصِ فَائِدَةِ جَمْعِهِ ، كَيْلَا يَكُونَ حُكْمُهُ مَا رُوِّينَاهُ عَنْ ‏عَلِيِّ ابْنِ الْمَدِينِيّ ، قَالَ‏ : إِذَا رَأَيْتَ الْحَدَثَ أَوَّلَ مَا يَكْتُبُ الْحَدِيثَ ، يَجْمَعُ حَدِيثَ الْغُسْلِ ، وَحَدِيثَ‏ : ‏مَنْ كَذَبَ‏ فَاكْتُبْ عَلَى قَفَاهُ ‏لَا يُفْلِحُ‏ ‏‏ . ‏ ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْكِتَابَ مَدْخَلٌ إِلَى هَذَا الشَّأْنِ ، مُفْصِحٌ عَنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ، شَارِحٌ لِمُصْطَلَحَاتِ أَهْلِهِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَمُهِمَّاتِهِمُ الَّتِي يَنْقُصُ الْمُحَدِّثُ بِالْجَهْلِ بِهَا نَقْصًا فَاحِشًا ، فَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ جَدِيرٌ بِأَنْ تُقَدَّمَ الْعِنَايَةُ بِهِ ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَضْلَهُ الْعَظِيمَ ، وَهُوَ أَعْلَمُ‏ .

موقع حَـدِيث