المفاضلة بين الصحيحين
ويلْتَحِقُ بهذا التَّفاضُلِ ما اتَّفَقَ الشَّيخانِ على تَخريجِه بالنِّسبةِ إِلى ما انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُما ، وما انْفَرَدَ بهِ البُخاريُّ بالنِّسبةِ إلى ما انْفَرَدَ بهِ مُسلمٌ ؛ لاتِّفاقِ العُلماءِ بعدِهِما على تلقِّي كِتابَيْهِما بالقَبولِ ، واختِلافِ بعضِهِم في أَيِّهِما أَرْجَحُ ، فما اتَّفقا عليهِ أَرجَحُ مِن هذهِ الحيثيَّةِ ممَّا لم يتَّفقا عليهِ . وقد صرَّحَ الجمهورُ بتقديمِ صحيحِ البُخاريِّ في الصِّحَّةِ ، ولم يوجَدْ عنْ أحدٍ التَّصريحُ بنقيضِهِ . وأَمّا ما نُقِلَ عَن أبي عليٍّ النَّيْسابوريِّ أَنَّهُ قالَ : ما تحتَ أَديمِ السَّماءِ أَصحُّ مِن كتابِ مُسلمٍ ؛ فلمْ يُصرِّحْ بكونِه أَصحَّ مِن صحيحِ البُخاريِّ ؛ لأَنَّهُ إِنَّما نَفَى وُجودَ كتابٍ أَصحَّ مِن كتابِ مسلم ؛ إِذ المَنْفِيُّ إِنَّما هُو ما تَقْتَضيهِ صيغَةُ أَفْعَلَ من زيادَةِ صحَّةٍ في كتابٍ شارَكَ كتابَ مُسلمٍ في الصِّحَّةِ ، يمتازُ بتلكَ الزِّيادَةِ عليه ، ولم يَنْفِ المُساواةَ .
وكذلكَ ما نُقِلَ عنْ بعضِ المَغارِبَةِ أَنَّهُ فَضَّلَ صحيحَ مُسلمٍ على صحيحِ البُخاريِّ ؛ فذلكَ فيما يرجِعُ إِلى حُسْنِ السِّياقِ وجَوْدَةِ الوَضْعِ والتَّرتِيبِ . ولم يُفْصِحْ أَحدٌ منهُم بأَنَّ ذلكَ راجِعٌ إِلى الأصحِّيَّةِ ، ولو أَفْصَحوا به لردَّهُ عليهِمْ شاهِدُ الوُجودِ . فالصِّفاتُ الَّتي تدورُ عليها الصِّحَّةُ في كتابِ البُخاريِّ أَتمُّ منها في كتابِ مسلمٍ وأَشَدُّ ، وشرطُهُ فيها أَقوى وأَسَدُّ .
أَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ الاتصالُ ؛ فلاشْتِراطِهِ أَنْ يكونَ الرَّاوِي قَدْ ثَبَتَ لهُ لِقاءُ مَنْ روى عنهُ ولو مَرَّةً ، واكْتَفى مُسْلِمٌ بمُطْلَقِ المُعاصَرَةِ ، وأَلْزَمَ البُخاريَّ بأَنَّهُ يحتاجُ إِلى أَلا يقْبَلَ العَنْعَنَةَ أَصلًا وما أَلْزَمَهُ بهِ ليسَ بلازِمٍ ؛ لأنَّ الرَّاويَ إِذا ثبتَ لهُ اللِّقاءُ مرَّةً ؛ لا يجْري في رواياتِهِ احْتِمالُ أَلا يكونَ سمِعَ منهُ ؛ لأنَّهُ يلزمُ مِن جَريانِهِ أَنْ يكونَ مُدَلِّسًا ، والمسأَلةُ مَفروضَةٌ في غير المُدَلِّسِ . وأَمَّا رُجْحَانُهُ مِنْ حيثُ العَدالَةُ والضَّبْطُ ؛ فلأنَّ الرِّجالَ الَّذينَ تُكُلَِّمَ فيهِم مِن رجالِ مُسلِمٍ أَكثرُ عَددًا مِن الرِّجالِ الَّذينَ تُكُلِّمَ فيهِم مِن رجالِ البُخاريِّ ، معَ أَنَّ البُخارِيَّ لم يُكْثِرْ مِن إِخراجِ حَديثِهِمْ ، بل غالِبُهُمْ مِن شيوخِهِ الذينَ أَخَذَ عنهُم ومَارَسَ حَديثَهُم ، بخِلافِ مُسلمٍ في الأمْرَينِ . وأَمَّا رُجْحانُهُ مِن حيثُ عدمُ الشُّذوذِ والإِعلالِ ؛ فلأنَّ ما انْتُقِدَ على البُخاريِّ مِن الأحاديثِ أَقلُّ عددًا مِمَّا انْتُقِدَ على مُسْلِمٍ .
هذا مع اتِّفاقِ العُلماءِ على أنَّ البُخاريَّ كانَ أَجلَّ مِن مُسْلِمٍ في العُلومِ وأَعْرَفَ بصِناعةِ الحَديثِ مِنهُ ، وأَنَّ مُسلمًا تِلْميذهُ وخِرِّيجُهُ ، ولم يزَلْ يَسْتَفيدُ منهُ ويتَبَّعُ آثارَهُ حتَّى لقد قالَ الدَّارَقُطنِيُّ : لولا البُخاريُّ لَما راحَ مُسْلِمٌ ولا جَاءَ .