حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر

المرفوع وصور الرفع الحكمي

ثمَّ الإِسْنادُ : وهُو الطَّريقُ المُوصِلَةُ إِلى المتنِ . والمَتْنُ : هُو غايَةُ ما يَنْتَهي إِليه الإِسنادُ مِن الكلامِ . وهُو إِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ويقتَضي لفظُهُ – إِمَّا تَصْريحًا أَوْ حُكْمًا – أَنَّ المنَقْولَ بذلك الإِسنادِ مِن قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أَوْ مِن فِعْلِهِ ، أو مِن تَقريرِهِ .

مثالُ المَرفوعِ مِن القولِ تَصريحًا : أَن يقولَ الصَّحابيُّ : سمعتُ رسول الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ كذا ، أَو : حدَّثَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بكَذا ، أَو يقولُ هو أَو غيرُه : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كذا ، أَو : عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَنَّه قالَ كذا ، ونحوَ ذلك . ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ تَصريحًا : أَن يقولَ الصَّحابيُّ : رأَيْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فعَلَ كذا ، أَو يقولَ هُو أَو غيرُه : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يفعَلُّ كذا . ومِثالُ المَرفوعِ مِن التَّقريرِ تَصريحًا : أَنْ يقولَ الصَّحابيُّ : فعَلْتُ بحضرَةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كذا ، أَو يقولَ هو أَو غيرُه : فعَلَ فُلانٌ بحَضْرَةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كذا ، ولا يذكُرُ إِنكارَهُ لذلك .

ومثالُ المرفوعِ مِن القولِ حُكْمًا لا تَصْريحًا : ما يقولَ الصَّحابيُّ – الَّذي لم يأْخُذْ عَنِ الإِسرائيليَّاتِ – ما لا مجالَ للاجْتِهادِ فيهِ ، ولا لهُ تعلُّقٌ ببيانِ لُغةٍ أَو شرحِ غريبٍ كالإِخْبارِ عنِ الأمورِ الماضيةِ مِن بدْءِ الخَلْقِ وأَخْبارِ الأنبياءِ ، أَو الآتيةِ كالملاحمِ والفِتَنِ وأَحوالِ يومِ القيامةِ . وكذا الإِخْبارُ عمَّا يحْصُلُ بفِعْلِهِ ثوابٌ مَخْصوصٌ أَو عِقابٌ مَخْصوصٌ . وإِنَّما كانَ لهُ حُكْمُ المَرفوعِ ؛ لأنَّ إِخبارَهُ بذلك يقتَضي مُخْبِرًا لهُ ، وما لا مَجالَ للاجتِهادِ فيهِ يَقتَضي مُوقِفًا للقائلِ بهِ ، ولا مُوقِفَ للصَّحابَةِ إِلَّا النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أَو بعضُ مَن يُخْبِرُ عَن الكُتبِ القديمةِ ، فلهذا وقعَ الاحْتِرازُ عنِ القسمِ الثَّاني .

فإِذا كانَ كذلك فلهُ حُكْمُ ما لو قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فهُو مَرْفوعٌ سواءٌ كانَ ممَّا سمِعَهُ منهُ أَو عنهُ بواسِطةٍ . ومِثالُ المَرفوعِ مِن الفِعْلِ حُكمًا : أَنْ يفعَلَ ما لا مَجالَ للاجْتِهادِ فيهِ فيُنَزَّلُ على أَنَّ ذلك عندَه عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كما قالَ الشافعيُّ في صلاةِ عليٍّ في الكُسوفِ في كُلِّ ركعةٍ أَكثرَ مِن رُكوعَيْنِ . ومثالُ المَرفوعِ مِن التَّقريرِ حُكْمًا : أَنْ يُخبِرَ الصَّحابيُّ أَنَّهُم كانُوا يفْعَلونَ في زمانِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كذا ؛ فإِنَّهُ يكونُ لهُ حُكمُ الرَّفعِ مِن جهةِ أَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلاعُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على ذلك لتوفُّرِ دَواعِيهِم على سُؤالِهِ عن أُمورِ دِينِهم ، ولأنَّ ذلك الزَّمانَ زمانُ نُزولِ الوَحْيِ فلا يقعُ مِن الصَّحابةِ فِعْلُ شيءٍ ويستمرُّونَ عليهِ إِلَّا وهُو غيرُ ممنوعِ الفعلِ .

وقدِ استدلَّ جابِرٌ وأَبو سعيدٍ رضي الله عنهما على جوازِ العَزْلِ بأَنَّهُم كانوا يفعَلونَه والقرآنُ ينزِلُ ، ولو كانَ ممَّا يُنْهَى عنهُ لنَهى عنهُ القُرآنُ . ويلتَحِقُ بقَوله حُكْمًا : ما وردَ بصيغةِ الكنايةِ في موضعِ الصِّيَغِ الصَّريحةِ بالنِّسبةِ إِليه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ كقولِ التَّابعيِّ عنِ الصَّحابيِّ : يرفعُ الحَديثَ ، أو : يرويهِ ، أو : يَنْميهِ ، أَو : روايةً ، أَو : يبلُغُ بهِ ، أَو : رواهُ . وقد يَقْتَصِرونَ على القولِ معَ حَذْفِ القائلِ ، ويُريدونَ بهِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كقولِ ابنِ سيرينَ عنْ أَبي هُريرةَ قالَ : قالَ : تُقاتِلونَ قَوْمًا .. .

الحديث . وفي كلامِ الخَطيبِ أَنَّه اصْطِلاحٌ خاصٌّ بأَهلِ البَصرَةِ . ومِن الصِّيَغِ المُحْتَمِلةِ قولُ الصَّحابيِّ : مِِن السُّنَّةِ كذا ، فالأكثرُ أَنَّ ذلك مرفوعٌ .

ونقلَ ابنُ عبدِ البرِّ فيهِ الاتِّفاقَ قالَ : وإِذا قالَها غيرُ الصَّحابيِّ فكذلك ، ما لم يُضِفْها إِلى صاحِبِها كسُنَّةِ العُمَرينِ . وفي نَقْلِ الاتِّفاقِ نَظَرٌ ، فعَنِ الشَّافعيِّ في أَصلِ المسأَلةِ قولانِ . وذَهَبَ إِلى أَنَّهُ غيرُ مرفوعٍ أَبو بكرٍ الصَّيرفيُّ مِن الشَّافعيَّةِ ، وأَبو بكرٍ الرَّازيُّ مِن الحنفيَّةِ ، وابنُ حزمٍ مِن أَهلِ الظَّاهِرِ ، واحتَجُّوا بأَنَّ السُّنَّةَ تتردَّدُ بينَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وبينَ غيرِه .

وأُجِيبوا بأَنَّ احْتِمالَ إِرادةِ غيرِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعيدٌ . وقد روى البُخاريُّ في صحيحِه في حديثِ ابنِ شِهابٍ ، عن سالِمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ عن أَبيهِ في قصَّتِه معَ الحجَّاج حينَ قالَ لهُ : إِنْ كُنْتَ تُريدُ السُّنَّةَ فهَجِّرْ بالصَّلاةِ . قالَ ابنُ شِهابٍ : فقلتُ لسالِمٍ : أَفَعَلَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟ فقالَ : وهل يَعْنونَ بذلك إِلَّا سُنَّتَهُ ؟ فنَقَلَ سالمٌ – وهو أَحدُ الفُقهاءِ السَّبعَةِ مِن أَهلِ المدينةِ وأَحدُ الحفَّاظِ مِن التَّابعينَ عنِ الصَّحابةِ – أَنَّهم إِذا أَطلَقوا السُّنَّةَ لا يُريدونَ بذلك إِلَّا سُّنَّةَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .

وأَمَّا قولُ بعضِهِم : إِن كانَ مرفوعًا فلمَ لا يقولونَ فيهِ : قالَ رسولُ اللهِ ؟ فجوابُهُ : أَنَّهُم تَرَكوا الجَزْمَ بذلك تورُّعًا واحتِياطًا . ومِن هذا قولُ أَبي قِلابةَ عن أَنسٍ : مِن السُّنَّةِ إِذا تزوَّجَ البِكْرَ على الثَّيِّبِ أَقامَ عندَها سَبعًا ، أَخرَجاهُ في الصَّحيح . قالَ أَبو قِلابةَ : لو شِئْتُ لقلتُ : إِنَّ أَنسًا رفَعَهُ إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .

أَي : لو قُلتُ : لمْ أَكْذِبْ ؛ لأَنَّ قولَه : مِن السُّنَّةِ هذا معناهُ ، لكنَّ إِيرادَهُ بالصِّيغَةِ التي ذَكَرها الصَّحابة أَوْلى . ومِن ذلك : قولُ الصَّحابيِّ : أُمِرْنا بكَذا ، أَو : نُهينا عنْ كذا ، فالخِلافُ فيهِ كالخِلافِ في الَّذي قَبْلَهُ ؛ لأنَّ مُطْلَقَ ذلك ينصَرِفُ بظاهِرِه إِلى مَنْ لهُ الأمرُ والنَّهْيُ ، وهُو الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . وخالفَ في ذلك طائفةٌ تمَسَّكوا باحْتِمالِ أَنْ يَكونَ المُرادُ غيرَه ، كأَمرِ القُرآنِ ، أَو الإِجماعِ ، أَو بعضِ الخُلفاءِ ، أَو الاستِنْباطِ ؟ وأُجيبوا : بأَنَّ الأصلَ هو الأوَّلُ ، وما عداهُ مُحْتَمَلٌ ، لكنَّهُ بالنسبةِ إليهِ مرجوحٌ .

وأَيضًا فمَن كان في طاعةِ رئيسٍ إِذا قالَ : أُمِرْتُ لا يُفْهَمُ عنهُ أَنَّ آمِرَهُ إِلَّا رئيسُهُ . وأَمَّا قولُ مَن قالَ : يُحْتَمَلُ أَنْ يُظنَّ ما ليسَ بأمرٍ أمرًا فلا اخْتِصاصَ لهُ بهذهِ المسأَلَةِ ، بل هُو مذكورٌ فيما لو صرَّحَ ، فقالَ : أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بكذا . وهو احْتِمالٌ ضعيفٌ ؛ لأنَّ الصَّحابيَّ عدلٌ عارفٌ باللِّسانِ ، فلا يُطلقُ ذلك إِلَّا بعدَ التحقُّيقِ .

ومن ذلك قولُه : كنَّا نفعَلُ كذا ، فلهُ حُكْمُ الرَّفعِ أَيضًا كما تقدَّمَ . ومِن ذلك أَنْ يَحْكُمَ الصَّحابيُّ على فِعلٍ مِن الأفعالِ بأَنَّه طاعةٌ للهِ أَو لرسولِهِ ، أَو معصيةٌ ؛ كقولِ عَمَّارٍ : مَن صامَ اليومَ الَّذي يُشَكُّ فيهِ فقدْ عَصى أَبا القاسِمِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ . فهذا حُكْمُه الرَّفعِ أَيضًا لأنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذلك ممَّا تلقَّاهُ عنِه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .

مصطلحاتٌ يتناولُها هذا النصُّ2 مصطلح

هذا النصُّ من كتب علوم الحديث، يَشرحُ الاصطلاحاتِ التاليةَ. الأقوالُ المنسوبةُ هي كلامُ أهل الفنِّ في تعريفِ المصطلح، لا في الحُكمِ على هذا الحديثِ.

المسند
المرفوع· 6 أقوال للعلماء
  • مالك بن أنس

    أنه كان يرى ( عن فلان ) و ( أن فلانا ) سواء

  • البرديجي

    أن حرف " أن " محمول على الانقطاع ، حتى يتبين السماع في ذلك الخبر بعينه من جهة أخرى . وقال : عندي لا معنى لهذا ، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء فيه قال : "- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، أو " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ، أو " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " ، أو " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "

  • الخطيب البغدادي

    إن الخطيب مثل هذه المسألة بحديث نافع ، عن ابن عمر ، عن عمر : " أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أينام أحدنا وهو جنب ؟ " . . . الحديث . وفي رواية أخرى : عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال : " يا رسول الله . . . " الحديث . ثم قال : " ظاهر الرواية الأولى يوجب أن يكون من مسند عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والثانية ظاهرها يوجب أن يكون من مسند ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم

  • الصيرفي

    كل من علم له سماع من إنسان ، فحدث عنه فهو على السماع حتى يعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه ، وكل من علم له لقاء إنسان ، فحدث عنه فحكمه هذا الحكم

  • أبو المظفر السمعاني

    في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم

  • مسلم

    وأنكر مسلم بن الحجاج في خطبة صحيحه على بعض أهل عصره ، حيث اشترط في العنعنة ثبوت اللقاء والاجتماع ، وادعى أنه قول مخترع لم يسبق قائله إليه ، وأن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا أنه يكفي في ذلك أن يثبت كونهما في عصر واحد ، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا أو تشافها

موقع حَـدِيث