العلو المطلق والعلو النسبي وصور النسبي
فالأوَّلُ : وهُو ما ينتَهي إِلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العُلُوُّ المُطْلَقُ ، فإِن اتَّفَقَ أَنْ يكونَ سندُهُ صحيحًا كانَ الغايةَ القُصوى ، وإِلاَّ فَصُورةُ العلوِّ فيهِ موجودةٌ ما لم يكُنْ موضوعًا فهُو كالعدَمِ . والثَّانِي : العُلُوُّ النِّسْبِيُّ : وهُو ما يقلُّ العددُ فيهِ إِلى ذلك الإِمامِ ، ولو كانَ العددُ من ذلك الإِمامِ إِلى مُنتهاهُ كَثيرًا . وقد عَظُمَتْ رغبةُ المُتأَخِّرينَ فيهِ ، حتَّى غَلَبَ ذلك على كثيرٍ منهُم ، بحيثُ أَهْمَلوا الاشتِغالَ بما هُو أَهمُّ منهُ .
وإِنَّما كانَ العلوُّ مَرغوبًا فيهِ ؛ لكونِه أَقربَ إِلى الصحَّةِ ، وقلَّةِ الخطأِ لأنَّهُ ما مِن راوٍ مِن رجالِ الإِسنادِ إِلَّا والخطأُ جائزٌ عليهِ ، فكلَّما كَثُرتِ الوسائطُ وطالَ السَّندُ ؛ كَثُرَتْ مظانُّ التَّجويزِ ، وكلَّما قلَّتْ ، قلََّتْ . فإِنْ كانَ في النُّزولِ مَزِيَّةٌ ليستْ في العلوِّ ؛ كأَنْ تكونَ رجالُه أَوثقَ منهُ ، أَو أَحفَظَ ، أَو أَفقهَ ، أَو الاتِّصالُ فيهِ أَظهرَ ؛ فلا تردُّدَ أَنَّ النُّزولَ حينئذٍ أَولى . وأَمَّا مَن رجَّحَ النُّزولَ مُطلقًا ، واحْتَجَّ بأَنَّ كَثرةَ البحثِ تقتَضي المشقَّةَ فيعظُمُ الأجْرُ ، فذلك ترجيحٌ بأَمرٍ أَجنبيٍّ عمَّا يتعلَّقُ بالتَّصحيحِ والتَّضعيفِ .
وفيهِ أي : العلوِّ النسبيِّ المُوافَقَةُ ، وهي الوُصولُ إلى شيخِ أحدِ المُصَنِّفينَ مِن غيرِ طريقهِ أَي : الطَّريقِ التي تصلُ إِلى ذلك المصنِّفِ المُعيَّنِ . مثالُه : روى البُخاريُّ عن قُتيبةَ عن مالكٍ حديثًا ، فلو رَوَيْناهُ مِن طريقِهِ كانَ بينَنا وبينَ قُتَيْبَةَ ثمانيةٌ ، ولو رَوْينا ذلك الحَديثَ بعينِه مِن طريقِ أَبي العبَّاس السَّرَّاجِ عن قُتيبةَ مثلًا ؛ لكانَ بينَنا وبينَ قُتيبةَ فيه سبعةٌ . فقدْ حَصَلَتْ لنا المُوافقةُ معَ البُخاريِّ في شيخِهِ بعينِهِ معَ عُلوِّ الإِسنادِ إِليهِ .
وفيهِ أَي : العلوِّ النسبيِّ البَدَلُ ، وهو الوُصولُ إِلى شيخِ شيخِهِ كذلكَ . كأَنْ يقعَ لنا ذلك الإِسنادُ بعينِهِ مِن طريقٍ أُخرى إِلى القعنَبِيِّ عن مالكٍ ، فيكونُ القَعْنَبيُّ بَدلًا فيهِ مِن قُتَيْبَةَ . وأَكثرُ ما يعتَبِرونَ المُوافَقَةَ والبَدَلَ إِذا قارَنَا العُلُّوَّ ، وإِلاَّ فاسمُ المُوافقةِ والبَدلِ واقِعٌ بدُونِه .
وفيهِ أَي : العُلوِّ النسبيِّ المُساواةُ ، وهي : استواءُ عدَدِِ الإِِسنادِِ مِن الرَّاوي إِلى آخِرِهِ أَي : الإِسنادِ مَعَ إِسنادِ أَحدِ المُصَنِّفينَ . كأَنْ يروِيَ النَّسائيُّ مَثلًا حَديثًا يقعُ بينَهُ وبينَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيهِ أَحدَ عشرَ نفسًا ، فيقعُ لنا ذلك الحديثُ بعينِه بإِسنادٍ آخَرَ إِلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقعُ بينَنا وبينَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أَحدَ عشرَ نفسًا ، فنُساوي النَّسائيَّ مِن حيثُ العددُ معَ قطعِ النَّظرِ عن مُلاحظةِ ذلك الإِسنادِ الخاصِّ . وفيه أَي : في العلوِّ النسبيِّ أَيضًا المُصافَحَةُ ، وهي : الاستواءُ مَعَ تِلْميذِ ذلكَ المُصَنِّفِ على الوجْهِ المَشروحِ أَوَّلًا .
وسُمِّيتْ مُصافحةً لأنَّ العادةَ جرتْ في الغالبِ بالمُصافحةِ بينَ مَن تلاقَيا ، ونحنُ في هذهِ الصُّورةِ كأَنَّا لَقينا النَّسائيَّ ، فكأَنَّا صافَحْناهُ . ويُقابِلُ العُلُوُّ بأَقْسَامِهِ المَذكورةِ النُّزولُ فيكونُ كلُّ قسمٍ مِن أَقسامِ العُلوِّ يُقابِلُهُ قسمٌ مِن أَقسامِ النُّزولِ ؛ خِلافًا لمَن زعمَ أَنَّ العُلوَّ قد يقعُ غيرَ تابعٍ للنُّزولِ .