الْوَجْهُ الْأَوَّلُ تَرْجِيحُ كَثْرَةِ الْعَدَدِ وَالرِّوَايَةِ
ج١ / ص١٣١[ وجوه الترجيحات ] وَوُجُوهُ التَّرْجِيحَاتِ كَثِيرَةٌ ، أَنَا أَذْكُرُ مُعْظَمَهَا ، فَمِمَّا يُرَجَّحُ بِهِ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ : [ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ ] : كَثْرَةُ الْعَدَدِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ ، وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّهَا تُقَرِّبُ مِمَّا يُوجِبُ الْعِلْمَ ، وَهُوَ التَّوَاتُرُ . نَحْوُ اسْتِدْلَالِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي الْبَابِ ، نَظَرًا إِلَى كَثْرَةِ الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْإِيجَابِ رَوَاهُ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوُ : عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَائِشَةَ ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ، وَبُسْرَةَ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - وَأَمَّا حَدِيثُ الرُّخْصَةِ فَلَا يُحْفَظُ مِنْ طَرِيقٍ يُوَازِي هَذِهِ الطُّرُقَ أَوْ يُقَارِبُهَا ، إِلَّا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ الْيَمَامِيِّ ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ فَرْدٌ فِي الْبَابِ ، وَلَوْ سَلَّمَ أَنَّ حَدِيثَ طَلْقٍ يُوَازِي تِلْكَ الْأَحَادِيثَ فِي الثُّبُوتِ كَانَ حَدِيثُ الْجَمَاعَةِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ : كَثْرَةُ الرِّوَاية لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي بَابِ ج١ / ص١٣٢التَّرْجِيحَاتِ ؛ لِأَنَّ طَرِيقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَلَبَةُ الظَّنِّ ، فَصَارَ كَشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ شَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ .
يُقَالُ عَلَى هَذَا : إِنَّ إِلْحَاقَ الرِّوَايَةِ بِالشَّهَادَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ وَإِنْ شَارَكَتِ الشَّهَادَةَ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ فَقَدْ فَارَقَتْهَا فِي أَكْثَرِ الْوُجُوهِ . أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَهِدَ خَمْسُونَ امْرَأَةً لِرَجُلٍ بِمَالٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ ، وَلَوْ شَهِدَ بِهِ رَجُلَانِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ شَهَادَةَ الْخَمْسِينِ أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إِنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ ، وَكَذَا سَوَّى الشَّارِعُ بَيْنَ شَهَادَةِ إِمَامَيْنِ عَالِمَيْنِ ، وَشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ لَمْ يَكُونَا فِي مَنْزِلَتِهِمَا ، وَأَمَّا فِي بَابِ الرِّوَايَةِ فتُرَجَّحُ رِوَايَةُ الْأَعْلَمِ الْأَدْيَنِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ ، فَلَاحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا .