حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
الطب النبوي

فصل إن كان لا سبيلَ للعاشق إلى وِصال معشوقه قدْرا أو شرعا

فصل وإن كان لا سبيلَ للعاشق إلى وِصال معشوقه قدْرا أو شرعا ، أو هو ممتنع عليهِ من الجهتين ، وهو الداء العُضال ، فمِن علاجه إشعارُ نفسه اليأسَ منه ، فإنَّ النفسَ متى يئستْ من الشيء ، استراحت منه ، ولم تلتفت إليه ، فإن لم يَزلْ مرضُ العشق مع اليأس ، فقد انحرف الطبعُ انحرافا شديدا ، فينتقل إلى عِلاج آخرَ ، وهو علاجُ عقله بأن يعلم بأنَّ تعلُّق القلب بما لا مطمع في حصوله نوعٌ من الجنون ، وصاحبه بمنزلة مَن يعشق الشمس ، وروحُه متعلقة بالصعود إليها والدَّوَرانِ معها في فلكها ، وهذا معدودٌ عند جميع العقلاء في زُمرة المجانين . وإن كان الوِصال متعذرا شرعا لا قدرا ، فعِلاجُه بأن يُنزله منزلة المتعذر قدرا ، إذ ما لم يأذن فيه الله ، فعِلاجُ العبد ونجاتُه موقوف على اجتنابه ، فليُشعرْ نفسَه أنه معدوم ممتنع لا سبيلَ له إليه ، وأنه بمنزلة سائر المحالات ، فإن لم تُجبْه النَّفْسُ الأمَّارة ، فليتركْه لأحد أمرين : إما خشية ، وإما فواتِ محبوب هو أحبُّ إليه ، وأنفع له ، وخير له منه ، وأدْوَمُ لَذَّةً وسرورا ، فإن العاقل متى وازَنَ بين نَيْل محبوب سريع الزوال بفوات محبوب أعظمَ منه ، وأدومَ ، وأنفعَ ، وألذَّ أو بالعكس ، ظهر له التفاوتُ ، فلا تبعْ لَذَّة الأبد التي لا خطرَ لها بلذَّة ساعة تنقلبُ آلاما ، وحقيقتُها أنها أحلامُ نائم ، أو خيالٌ لا ثبات له ، فتذهبُ اللَّذة ، وتبقى التبعةُ ، وتزولَ الشهوة ، وتبقَى الشِّقوة . الثاني : حصولُ مكروه أشقَّ عليه مِن فوات هذا المحبوب ، بل يجتمع له الأمران ، أعني : فوات ما هُو أحبُّ إليه من هذا المحبوب ، وحصولُ ما هو أكرهُ إليه من فوات هذا المحبوب ، فإذا تيقَّن أنَّ في إعطاء النفسِ حظَّها من هذا المحبوب هذين الأمرين ، هان عليه تركُه ، ورأى أنَّ صبره على فوته أسهلُ من صبره عليهما بكثير ، فعقلُه ودينه ، ومروءته وإنسانيته ، تأمُره باحتمال الضرر اليسير الذي ينقلِبُ سريعا لذَّةً وسرورا وفرحا لدفع هذين الضررين العظيمين .

وجَهلُه وهواه ، وظلمه وطيشه ، وخفته يأمره بإيثار هذا المحبوب العاجل بما فيه جالبا عليه ما جلب ، والمعصومُ مَن عصمه الله . فإن لم تقبل نفسُه هذا الدواء ، فليتذكر قبائحَ المحبوب ، وما يدعوه إلى النُّفرة عنه ، فإنه إن طلبها وتأملها ، وجدها أضعافَ محاسنه التي تدعو إلى حبه ، وليسأل جيرانَه عما خفي عليه منها ، فإنَّ المحاسن كما هي داعيةُ الحبِّ والإرادة ، فالمساوئ داعيةُ البغضِ والنُّفرة ، فليوازن بين الداعيَيْن ، وليُحبَّ أسبَقهما وأقرَبَهما منه بابا ، ولا يكن ممن غَرَّه لونُ جمال على جسم أبرصَ مجذوم وليُجاوِزْ بصره حُسنَ الصورة إلى قبح الفعل ، ولْيَعبُرْ مِن حُسن المنظر والجسم إلى قبح المخبر والقلب . فإن عجزت عنه هذه الأدوية كلها لم يبق له إلا صِدقُ اللجأ إلى مَن يُجيب المضطَر إذا دعاه ، وليطرح نفسه بين يديه على بابه ، ومستغيثا به ، متضرعا ، متذللا ، مستكينا ، فمتى وُفِّقَ لذلك ، فقد قرع باب التوفيق ، فليَعِفَّ وليكتُم ، ولا يُشَبِّبْ بذكر المحبوب ، ولا يفضحْه بين الناس ويُعرِّضه للأذى ، فإنه يكون ظالما متعديا .

ولا يغترَّ بالحديث الموضوع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه سُويد بن سعيد ، عن عليّ بن مُسْهرٍ ، عن أبي يحيى القَتَّات ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه عن أبي مسهر أيضا ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه الزُّبَيْر بن بَكَّار ، عن عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجِشُون ، عن عبد العزيز بن أبي حازم ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : مَنْ عَشِقَ ، فعَفَّ ، فماتَ فهو شهيدٌ وفي رواية : مَنْ عَشِقَ وكتم وعفَّ وصبرَ ، غفر اللهُ لَهُ ، وأدخَلَهُ الجنَّة . فإنَّ هذا الحديثَ لا يصِحُّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يجوز أن يكونَ من كلامه ، فإنَّ الشهادة درجةٌ عالية عند الله ، مقرونةٌ بدرجة الصِّدِّيقية ، ولها أعمال وأحوال ، هي شرط في حُصُولها ، وهي نوعان : عامةٌ وخاصةٌ . فالخاصة : الشهادةُ في سبيل الله .

والعامةُ : خمسٌ مذكورة في ( الصحيح ) ليس العشقُ واحدا منها . وكيف يكون العشقُ الذي هو شِرْكٌ في المحبة ، وفراغُ القلب عن الله ، وتمليكُ القلب والروح ، والحب لغيره تُنال به درجةُ الشهادة ، هذا من المحال ، فإنَّ إفساد عشق الصور للقلب فوقَ كل إفساد ، بل هو خمرُ الروح الذي يُسكرها ، ويصدُّها عن ذكر الله وحبِّه ، والتلذذِ بمناجاته ، والأنسِ به ، ويُوجب عبودية القلب لغيره ، فإنَّ قلبَ العاشق مُتَعبِّدٌ لمعشوقه ، بل العشقُ لُبُّ العبودية ، فإنها كمال الذل ، والحب والخضوع والتعظيم ، فكيف يكون تعبُّد القلب لغير الله مما تُنال به درجةُ أفاضل الموحِّدين وساداتهم ، وخواص الأولياء ، فلو كان إسنادُ هذا الحديث كالشمسِ ، كان غلطا ووهما ، ولا يُحفظ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظُ العشق في حديث صحيح البتة . ثم إنَّ العشق منه حلالٌ ، ومنه حرامٌ ، فكيف يُظَن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يحكم على كُلِّ عاشقٍ يكتُم ويَعِفُّ بأنه شهيد ، فترَى مَن يعشق امرأةَ غيره ، أو يعشق المُرْدانَ والبغَايا ، يَنال بعشقه درجةَ الشهداء ، وهل هذا إلا خلافُ المعلوم من دينه - صلى الله عليه وسلم - بالضرورة ؟ كيف والعشقُ مرض من الأمراض التي جعل اللهُ سبحانه لها الأدويةَ شرعا وقدرا ، والتداوي منه إما واجب إن كان عشقا حراما ، وإما مُسْتَحَب .

وأنت إذا تأملت الأمراضَ والآفاتِ التي حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابها بالشهادة ، وجدتها من الأمراض التي لا علاج لها ، كالمطعون ، والمَبْطُون ، والمجنون ، والحريقِ ، والغرِيقِ ، وموتِ المرأة يقتُلها ولدُها في بطنها ، فإنَّ هذه بلايَا من الله لا صُنع للعبد فيها ، ولا عِلاجَ لها ، وليست أسبابُها محرَّمة ، ولا يترتب عليها مِن فساد القلب وتعبُّده لغير الله ما يترتب على العشق ، فإن لم يكفِ هذا في إبطال نسبة هذا الحديثِ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلِّدْ أئمةَ الحديث العالمين به وبعلله ، فإنه لا يُحفظ عن إمام واحد منهم قَطُّ أنه شهد له بصحة ، بل ولا بحُسن ، كيف وقد أنكروا على سُويدٍ هذا الحديث ، ورموه لأجله بالعظائم ، واستحلَّ بعضُهم غزوَه لأجله . قال أبو أحمد بن عَدِي في ( كامله ) : هذا الحديث أحدُ ما أُنكر على سُويد ، وكذلك قال البَيْهقي : إنه مما أُنكر عليه ، وكذلك قال ابن طاهر في ( الذخيرة ) وذكره الحاكم في ( تاريخ نيسابور ) ، وقال : أنا أتعجب من هذا الحديث ، فإنه لم يحدَّث به عن غير سُويد ، وهو ثقة ، وذكره أبو الفرج بن الجوزي في كتاب ( الموضوعات ) ، وكان أبو بكر الأزرقُ يرفعه أوَّلا عن سُويد ، فعُوتب فيه ، فأسقط النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان لا يُجاوِزُ به ابنَ عباس - رضي الله عنهما - . ومن المصائب التي لا تُحتمل جعلُ هذا الحديث من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

ومَن له أدنى إلمام بالحديث وعلله ، لا يحتمِلُ هذا البتة ، ولا يحتمِلُ أن يكونَ من حديث الماجشون ، عن ابن أبي حازم ، عن ابن أبي نَجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا ، وفي صحته موقوفا على ابن عباس نظرٌ ، وقد رمى الناسُ سويدَ بن سعيد راوي هذا الحديث بالعظائم ، وأنكره عليه يحيى بن مَعِين وقال : هو ساقط كذَّاب ، لو كان لي فرس ورمح كنت أغزوه ، وقال الإمام أحمد : متروك الحديث . وقال النسائي : ليس بثقة ، وقال البخاري : كان قد عمي فيلقن ما ليس من حديثه ، وقال ابن حِبَّان : يأتي بالمعضلات عن الثقات يجبُ مجانبةُ ما روى ، انتهى . وأحسنُ ما قيل فيه قولُ أبي حاتم الرازي : إنه صدُوق كثير التَّدْليس ، ثم قولُ الدَّارَقُطني : هو ثقة غير أنه لما كَبِرَ كان ربما قُرئ عليه حديثٌ فيه بعضُ النكارة ، فيُجيزه ، انتهى .

وعِيبَ على مسلم إخراجُ حديثه ، وهذه حالُه ، ولكن مسلم روى من حديثه ما تابعه عليه غيرُه ، ولم ينفرِدْ به ، ولم يكن منكرا ولا شاذا بخلاف هذا الحديث . والله أعلم .

موقع حَـدِيث