فصل في هَدْيه صلى الله عليه وسلم في حفظ الصحة بالطيب
فصل في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ الصحة بالطيب لما كانت الرائحةُ الطيبة غذاءَ الروح ، والروحُ مطيةُ القُوَى ، والقُوَى تزداد بالطيب ، وهو ينفعُ الدماغَ والقلب ، وسائر الأعضاء الباطنية ، ويُفرِّحُ القلب ، ويَسُرُّ النفس ويَبسُطُ الروحَ ، وهو أصدقُ شيء للروح ، وأشدُّه ملاءمةً لها ، وبينه وبين الروح الطيبة نِسبةٌ قريبة ، كان أحدَ المحبوبَيْن من الدنيا إلى أطيب الطَيِّبين صلوات الله عليه وسلامه . وفي ( صحيح البخاري ) : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لا يَرُدُّ الطِّيبَ . وفي ( صحيح مسلم ) عنه - صلى الله عليه وسلم - : من عُرِضَ عليه رَيْحانٌ ، فلا يَرُدَّهُ فإنه طَيِّبُ الرِّيح ، خَفِيفُ المَحْمِلِ .
وفي سنن أبي داود والنسائي ، عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : مَن عُرِضَ عَلَيهِ طِيبٌ ، فَلا يَرُدَّهُ ، فَإنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ . وفي ( مسند البزَّار ) : عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنَّ اللهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ ، جَوادٌ يُحِبُّ الجُودَ ، فَنَظِّفُوا أفْنَاءَكُم وسَاحَاتِكُم ، ولا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ يَجْمَعُون الأكُبَّ في دُورِهِمْ . الأكُب : الزبالة .
وذكر ابن أبي شيبة ، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان لَهُ سُكَّةٌ يَتَطَيَّب منها . وصَحَّ عنه أنه قال : إنَّ للهِ حَقّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ ، وَإنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ . وفي الطيب من الخاصية ، أنَّ الملائكة تُحبه ، والشياطين تنفِرُ عنه ، وأحبُّ شيءٍ إلى الشياطين الرائحةُ المنتنة الكريهة ، فالأرواحُ الطيبة تُحِبُّ الرائحة الطيبة ، والأرواحُ الخبيثة تُحِبُّ الرائحة الخبيثة ، وكل روح تميل إلى ما يناسبها ، فالخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات ، والطيباتُ للطيبين ، والطيبون للطيبات ، وهذا وإن كان في النساء والرجال ، فإنه يتناولُ الأعمالَ والأقوالَ ، والمطاعم والمشارب ، والملابس والروائح ، إما بعموم لفظه ، أو بعموم معناه .
في هَدْيه - صلى الله عليه وسلم - في حفظ صحة العَيْن روى أبو داود في ( سننه ) : عن عبد الرحمن بن النُّعمان بن معبد بن هَوْذَةَ الأنصاري ، عن أبيه ، عن جده - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بالإِثْمِدِ المُروَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وقال : ليتَّقِهِ الصَّائِمُ . قال أبو عبيد : المروَّح : المطيَّب بالمسك . وفي ( سنن ابن ماجه ) وغيره عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنها ثلاثا في كُلِّ عَيْنٍ .
وفي ( الترمذي ) : عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اكتحَلَ يجعلُ في اليمنَى ثلاثا ، يبتدئ بها ، ويختم بها ، وفي اليُسْرى اثنتين . وقد روى أبو داود عنه - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ اكْتَحَلَ فلْيُوتِرْ . فهل الوترُ بالنسبة إلى العينين كلتيهما ، فيكون في هذه ثلاث ، وفي هذه ثنتان ، واليُمنى أولى بالابتداء والتفضيل ، أو هو بالنسبة إلى كُلِّ عَيْن ، فيكون في هذه ثلاث ، وفي هذه ثلاث ، وهما قولان في مذهب أحمد وغيره .
وفي الكُحْلِ حفظ لصحة العَيْن ، وتقويةٌ للنور الباصر ، وجِلاءٌ لها ، وتلطيفٌ للمادة الرديئة ، واستخراجٌ لها مع الزينة في بعض أنواعه ، وله عند النوم مزيدُ فضل لاشتمالها على الكُحْلِ ، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها ، وخدمةِ الطبيعة لها ، وللإثْمد مِن ذلك خاصيَّة . وفي ( سنن ابن ماجه ) عن سالم ، عن أبيه يرفعه : عَلَيْكُم بالإثْمِدِ ، فإنَّهُ يَجْلُو البَصَر ، ويُنْبِتُ الشَّعرَ . وفي كتاب أبي نُعيم : فإنه مَنْبَتَةٌ للشَّعر ، مذهبة للقذَى ، مصْفاة للبصر .
وفي ( سنن ابن ماجه ) أيضا : عن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعه : خيرُ أكْحالِكم الإثمد ، يجلُو البَصَرَ ، ويُنبت الشَّعرَ .