حديث مثل الذي يتكلم والإمام يخطب
أخبرنا الحضرمي: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا أبي ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( مثل الذي يتكلم والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارا ) الأسفار : واحدها سفر ، وقال الله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ (80|15-16) . والسفرة : الكتبة من الملائكة ، ويقال: إنهم ملائكة السماء
الدنيا الذين يحصون أعمال العباد، وقال بعض الشعراء يعير قوما بالرواية دون الدراية ( من الطويل ):
زوامل للأسفار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما تدري المطي إذا غدا بأحماله أو راح ما في الغرائر وهذا مثل لمن شهد الجمعة بجسمه ، ولم يشهدها بقلبه ، فجهل ما يجوز من ثوابها بحضوره إذا أنصت واستمع ولم يلغ ، فهو كالحمار الذي لا يعقل . وقال الله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ (62|5) .
وضرب الله هذا مثلا للذين حملوا التوراة ولم يحملوا ما فيها من الأوامر والنواهي ، فصاروا بمنزلة من لا يحملها لعدم الانتفاع بها ، وخص الحمار بهذا المثل؛ لأنه المذموم عند العرب من الدواب ، والغاية فيما يستبهم ، وهم يقولون للإنسان المذموم : كأنه حمار ، أو كأنه عير .
أنشدنا ابن عرفة: أنشدنا أحمد بن يحيى ، عن ابن الأعرابي ( من الطويل ) :
دفعت إلى شيخ بجنب فنائه هو العير إلا أنه يتكلم
وقال الفرزدق ( من الطويل ) :
سواسية سود الوجوه كأنهم حمير بني ذكوان إذ ثار صيقها والصيق : الغبار، وضرب الله للمعرضين عن الذكر النائين عنه مثل الحمير المستنفرة ممن يقسرها ويقهرها ، فقال : ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ٥٠ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾(74|50-51) ، وكذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار ) . ويروى ( وجهه وجه حمار ).
واعترض بعض من يتحلى بالخلاف على الأثر ويطعن على أهله فقال : وكيف لحق هذا الذنب اليسير مثل هذا الوعيد العظيم، فقال فيه قولا قبيحا، وإنما المعنى : أما يخشى من جهل الاقتداء بإمامه ، وقد قام مقام المقتدي أن يشرك البهيمة في صورته، كما شركه في جهله؟ وهذا على المبالغة في ذم الجهل وأهله ، وخص الحمار بذلك لما قدمنا القول فيه ، ولأن العرب تجعله الغاية فيما تستبهم وتذم وتستجهل ، حتى ذكره بعضهم بفساد الدين ، كما قال الأخطل ( من المتقارب ) :
فدينك عندي كدين الحمار بل أنت أكفر من هرمز ولهذا قالت الإخوة من الأب والأم لعمر حين أسهم للإخوة من الأم دونهم : هب أن أبانا كان حمارا . ولذلك قال بعض المتأخرين حين بالغ في ذم الدهر ، وصرفه الأمور عن جهتها ، وإجرائها على غير حقائقها ( من الوافر ) :
فلو ذهبت ستار الدهر عنه وألقي عن مناكبه الدثار لعدل قسمة الأيام فينا ولكن دهرنا هذا حمار وقال حيان بن سليمان بن مالك ( من الطويل ) :
إذا حل أهلي بالشرية فاللوى فليس على قتلي لبيد بقادر فلا تقتلوني واقتلوا بأخيكم حمارا مهينا من حمير قراقر حدثنا سهل بن موسى: حدثنا بندار، حدثنا أبو أحمد، حدثني سفيان، عن إسماعيل، عن أبي صالح في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾(82|8) قال: إن شاء
حمارا وإن شاء خنزيرا .