حديث مثل الذي يسمع الحكمة ولا يحمل إلا شرها
حدثنا أبو خليفة: حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أوس بن خالد ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( مثل الذي يسمع الحكمة ولا يحمل إلا شرها كمثل رجل أتى راعيا فقال : أجزرني شاة من غنمك ، قال : انطلق فخذ بأذن شاة منها ، فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم ).
حدثنا عبدان: حدثنا عبد الأعلى بن حماد ، حدثنا حماد بن سلمة بإسناده عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : ( مثل الذي يسمع الخطبة ثم لا يعي ما يسمع.. ) . وذكر مثله.
قال أبو محمد : إن قال قائل : كلب الغنم خير من شاة ، والحكمة لا تسمى شرا ، فالجواب: إن الحكمة مسموعة ومعقولة ، والمسموع الكلام الذي بني على جهة الصواب وأحكم معناه ، وقال صاحب كتاب العين : الحكمة مرجعها إلى العدل والعلم والحكم ، ومنه قولهم : أحكم فلان فلانا عن كذا ، أي منعه .
أخبرنا مسيح بن حاتم: حدثنا الحسن بن علي الواسطي ، حدثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن مجاهد في قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (31|12) قال : الصواب، وقال جرير ( من الكامل ) :
أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا فمن الحكمة قول عروة بن الورد ( من الطويل ) :
إذا المرء لم يطلب معاشا بكفه شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأذنين كلا وأوشكت صلات ذوي القربى له أن تنكرا فسر في بلاد الله والتمس الغنى تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا فهذه حكمة ، وقد دل قائلها على طلب الرزق ، ورغب في الثروة ، وأخبر عن عيوب الفقر وفضل الغنى ، واعلم أن في الغنى صيانة للعرض ، وقضاء للحق ، وصلة للرحم ، وعونا على المروة ، وهو بذا الكلام الحسن والمعنى الجيد الذي ضمنه غير سالك به سبيل الحق والعدل ، يريد به الغارة ، ويبعث على القتل والتلصص على ما أخبروا .
وخير منها وأفضل قول سالم بن وابصة ( من الطويل ) :
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
فإنه أخبر عن فضل القناعة ، والرضا بالميسور ، ودل على مواقع الكفاف ، وغنى النفس ، وذم التكاثر بأوجز لفظ وأتمه بيانا وأحسنه من قلوب أهل البصائر موقعا ، وأجمعه لحظ الدنيا والدين ، فهي خير من الأولى وأفضل ، وهما حكمتان .
وقال قيس بن الخطيم ( من الطويل ) :
وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة أسب بها إلا كشفت غطاءها متى يأت هذا الموت لم تبق حاجة لنفسي إلا قد قضيت قضاءها فانظر جودة هذا الكلام وحسنه ، وقد دل ظاهره على مبادرة اللذة بالفوت ، والأخذ منها قبل مفارقتها ، وإنما أراد قائلها أنه شفى نفسه بدرك ثأره ، والاعتلاء على أعدائه ، وهو حكمة في معناه .
وخير منه وأفضل قول الصلتان العبدي ( من المتقارب ) :
نروح ونغدو لحاجاتنا وحاجة من عاش لا تنقضي تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجة ما بقي
فانظر أين موقع هذا الكلام إذا اعتبر ، ومقداره إذا وزن، والحاجة ما يشتمل عليه الصدر ، فأخبر أن الإنسان لا يتناهى به الحال إلى أن يبلغ أقصى بغيته من دنياه ، فيقضي من الحياة نهمته ، ويستوفي منها شهوته ، وأنه رهين بما يحاول ، وغير بالغ جميع ما يؤمل وإن طالت أيامه وامتد عمره ، والآخذ بقول قيس هو الحامل لشر الحكمتين .
وأما قوله: ( أجزرني شاة ) فإنه استعطى ما ينتفع بلحمه ، والكلب لا ينتفع بلحمه ، وإنما ينتفع بصيده وحراسته ، والجزر : كل شيء يباح للذبح ، والواحد جزرة . قال سابق البربري ( من البسيط ) :
أصبحتم جزرا للموت يأخذكم كما البهائم في الدنيا لكم جزر آخر الرابع ويتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى: حدثنا ابن صاعد: حدثنا الحسن المروزي، حدثنا ابن المبارك. وصلى الله على محمد وآله.