حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
لسان العرب

أبن

[ أبن ] أبن : أَبَنَ الرَّجُلَ يَأْبُنُهُ وَيَأْبِنُهُ أَبْنًا : اتَّهَمَهُ وَعَابَهُ ، وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ : أَبَنْتُهُ بِخَيْرٍ وَبِشَرٍّ آبُنُهُ وَآبِنُهُ أَبْنًا ، وَهُوَ مَأْبُونٌ بِخَيْرٍ أَوْ بِشَرٍّ ، فَإِذَا أَضْرَبْتَ عَنِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ قُلْتَ : هُوَ مَأْبُونٌ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الشَّرُّ ، وَكَذَلِكَ ظَنَّهُ ج١ / ص٤٠يَظُنُّهُ . اللَّيْثُ : يُقَالُ فُلَانٌ يُؤْبَنُ بِخَيْرٍ وَبِشَرٍّ ؛ أَيْ : يُزَنُّ بِهِ ، فَهُوَ مَأْبُونٌ . أَبُو عَمْرٍو : يُقَالُ فُلَانٌ يُؤْبَنُ بِخَيْرٍ وَيُؤْبَنُ بِشَرٍّ ، فَإِذَا قُلْتَ : يُؤْبَنُ مُجَرَّدًا فَهُوَ فِي الشَّرِّ لَا غَيْرُ .

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي هَالَةَ فِي صِفَةِ مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأَصْوَاتُ وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ أَيْ : لَا تُذْكَرُ فِيهِ النِّسَاءُ بِقَبِيحٍ وَيُصَانُ مَجْلِسُهُ عَنِ الرَّفَثِ وَمَا يَقْبُحُ ذِكْرُهُ . يُقَالُ : أَبَنْتُ الرَّجُلَ آبُنُهُ إِذَا رَمَيْتَهُ بِخَلَّةِ سَوْءٍ ، فَهُوَ مَأْبُونٌ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأُبَنِ ، وَهِيَ الْعُقَدُ تَكُونُ فِي الْقِسِيِّ تُفْسِدُهَا وَتُعَابُ بِهَا . الْجَوْهَرِيُّ : أَبَنَهُ بِشَرٍّ يَأْبُنُهُ وَيَأْبِنُهُ اتَّهَمَهُ بِهِ .

وَفُلَانٌ يُؤْبَنُ بِكَذَا أَيْ : يُذْكَرُ بِقَبِيحٍ . وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ نَهَى عَنِ الشِّعْرِ إِذَا أُبِنَتْ فِيهِ النِّسَاءُ ، قَالَ شَمِرٌ : أَبَنْتُ الرَّجُلَ بِكَذَا وَكَذَا إِذَا أَزْنَنْتَهُ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : أَبَنْتُ الرَّجُلَ آبِنُهُ وَآبُنُهُ إِذَا رَمَيْتَهُ بِقَبِيحٍ وَقَذَفْتَهُ بِسُوءٍ ، فَهُوَ مَأْبُونٌ ، وَقَوْلُهُ : لَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ ؛ أَيْ : لَا تُرْمَى بِسُوءٍ وَلَا تُعَابُ وَلَا يُذْكَرُ مِنْهَا الْقَبِيحُ وَمَا لَا يَنْبَغِي مِمَّا يُسْتَحَى مِنْهُ .

وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ : " أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي ؛ أَيِ : اتَّهَمُوهَا . وَالْأَبْنُ : التُّهْمَةُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ : " إِنْ نُؤْبَنْ بِمَا لَيْسَ فِينَا فَرُبَّمَا زُكِّينَا بِمَا لَيْسَ فِينَا .

وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ : مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ ؛ أَيْ : مَا كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ يَرْقِي فَنَعِيبَهُ بِذَلِكَ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَمَا سَبَّهُ وَلَا أَبَنَهُ ؛ أَيْ : مَا عَابَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ أَنَّبَهُ - بِتَقْدِيمِ النُّونِ عَلَى الْبَاءِ - مِنَ التَّأْنِيبِ اللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ . وَأَبَّنَ الرَّجُلَ : كَأَبَنَهُ .

وَآبَنَ الرَّجُلَ وَأَبَّنَهُ ، كِلَاهُمَا : عَابَهُ فِي وَجْهِهِ وَعَيَّرَهُ . وَالْأُبْنَةُ بِالضَّمِّ : الْعُقْدَةُ فِي الْعُودِ أَوْ فِي الْعَصَا ، وَجَمْعُهَا أُبَنٌ ، قَالَ الْأَعْشَى :

قَضِيبَ سَرَاءٍ كَثِيرَ الْأُبَنْ
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَهُوَ أَيْضًا مَخْرَجُ الْغُصْنِ فِي الْقَوْسِ . وَالْأُبْنَةُ : الْعَيْبُ فِي الْخَشَبِ وَالْعُودِ ، وَأَصْلُهُ مِنْ ذَلِكَ .

وَيُقَالُ : لَيْسَ فِي حَسَبِ فُلَانٍ أُبْنَةٌ ، كَقَوْلِكَ : لَيْسَ فِيهِ وَصْمَةٌ . وَالْأُبْنَةُ : الْعَيْبُ فِي الْكَلَامِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ فِي الْأُبْنَةِ وَالْوَصْمَةِ ، وَقَوْلُ رُؤْبَةَ :

وَامْدَحْ بِلَالًا غَيْرَ مَا مُؤَبَّنِ تَرَاهُ كَالْبَازِي انْتَمَى لِلْمَوْكِنِ
انْتَمَى : تَعَلَّى . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : مُؤَبَّنٌ مَعِيبٌ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ ، وَقِيلَ : غَيْرُ هَالِكٍ ؛ أَيْ : غَيْرُ مَبْكِيٍّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ :
قُومَا تَجُوبَانِ مَعَ الْأَنْوَاحِ وَأَبِّنَا مُلَاعِبَ الرِّمَاحِ
وَمِدْرَهَ الْكَتِيبَةِ الرَّدَاحِ
وَقِيلَ لِلْمَجْبُوسِ : مَأْبُونٌ ؛ لِأَنَّهُ يُزَنُّ بِالْعَيْبِ الْقَبِيحِ ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ أُبْنَةِ الْعَصَا ؛ لِأَنَّهَا عَيْبٌ فِيهَا .

وَأُبْنَةُ الْبَعِيرِ : غَلْصَمَتُهُ ، قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ عَيْرًا وَسَحِيلَهُ :

تُغَنِّيهِ مِنْ بَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ أُبْنَةٌ نَهُومٌ إِذَا مَا ارْتَدَّ فِيهَا سَحِيلُهَا
تُغَنِّيهِ يَعْنِي الْعَيْرَ مِنْ بَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ ، وَهُمَا طَرَفَا اللَّحْيِ . وَالْأُبْنَةُ : الْعُقْدَةُ ، وَعَنَى بِهَا هَاهُنَا الْغَلْصَمَةَ ، وَالنَّهُومُ : الَّذِي يَنْحِطُ ؛ أَيْ : يَزْفِرُ ، يُقَالُ : نَهَمَ وَنَأَمَ فِيهَا فِي الْأُبْنَةِ ، وَالسَّحِيلُ : الصَّوْتُ . وَيُقَالُ : بَيْنَهُمْ أُبَنٌ ؛ أَيْ : عَدَاوَاتٌ .

وَإِبَّانُ كُلِّ شَيْءٍ بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ : وَقْتُهُ وَحِينُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ . يُقَالُ : جِئْتُهُ عَلَى إِبَّانِ ذَلِكَ أَيْ عَلَى زَمَنِهِ . وَأَخَذَ الشَّيْءَ بِإِبَّانِهِ أَيْ بِزَمَانِهِ ، وَقِيلَ : بِأَوَّلِهِ .

يُقَالُ : أَتَانَا فُلَانٌ إِبَّانَ الرُّطَبِ ، وَإِبَّانَ اخْتِرَافِ الثِّمَارِ ، وَإِبَّانَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ أَيْ : أَتَانَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَيُقَالُ : كُلُّ الْفَوَاكِهِ فِي إِبَّانِهَا أَيْ : فِي وَقْتِهَا ، قَالَ الرَّاجِزُ :

أَيَّانَ تَقْضِي حَاجَتِي أَيَّانَا أَمَا تَرَى لِنُجْحِهَا إِبَّانَا
وَفِي حَدِيثِ الْمَبْعَثِ : هَذَا إِبَّانُ نُجُومِهِ أَيْ وَقْتُ ظُهُورِهِ ، وَالنُّونُ أَصْلِيَّةٌ فَيَكُونُ فِعَّالًا ، وَقِيلَ : هِيَ زَائِدَةٌ ، وَهُوَ فِعْلَانُ مِنْ أَبَّ الشَّيْءُ إِذَا تَهَيَّأَ لِلذَّهَابِ ، وَمِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ يَا لَلْعَجَبِ أَيْ : يَا عَجَبُ تَعَالَ فَإِنَّهُ مِنْ إِبَّانِكَ وَأَحْيَانِكَ . وَأَبَّنَ الرَّجُلَ تَأْبِينًا وَأَبَّلَهُ : مَدَحَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَبَكَاهُ ، قَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ :
لَعَمْرِي وَمَا دَهْرِي بِتَأْبِينِ هَالِكٍ وَلَا جَزِعًا مِمَّا أَصَابَ فَأَوْجَعَا
وَقَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِخَيْرٍ ، وَقَالَ مَرَّةً : هُوَ إِذَا ذَكَرْتَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَقَالَ شَمِرٌ : التَّأْبِينُ الثَّنَاءُ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ مَدْحًا لِلْحَيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الرَّاعِي :
فَرَفَّعَ أَصْحَابِي الْمَطِيَّ وَأَبَّنُوا هُنَيْدَةً فَاشْتَاقَ الْعُيُونُ اللَّوَامِحُ
قَالَ : مَدَحَهَا فَاشْتَاقُوا أَنْ يَنْظُرُوا إِلَيْهَا فَأَسْرَعُوا السَّيْرَ إِلَيْهَا شَوْقًا مِنْهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا مِنْهَا .

وَأَبَنْتُ الشَّيْءَ : رَقَبْتُهُ ، وَقَالَ أَوْسٌ يَصِفُ الْحِمَارَ :

يَقُولُ لَهُ الرَّاؤُونَ هَذَاكَ رَاكِبٌ يُؤَبِّنُ شَخْصًا فَوْقَ عَلْيَاءَ وَاقِفُ
وَحَكَى ابْنُ بَرِّيٍّ قَالَ : رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُوَبِّرُ ، قَالَ : وَمَعْنَى يُوَبِّرُ شَخْصًا ؛ أَيْ : يَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيَسْتَبْيِنَهُ . وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَيُوَبِّرُ أَثَرًا إِذَا اقْتَصَّهُ ، وَقِيلَ لِمَادِحِ الْمَيِّتِ : مُؤَبِّنٌ لِاتِّبَاعِهِ آثَارَ فِعَالِهِ وَصَنَائِعِهِ . وَالتَّأْبِينُ : اقْتِفَارُ الْأَثَرِ .

الْجَوْهَرِيُّ : التَّأْبِينُ أَنْ تَقْفُوَ أَثَرَ الشَّيْءِ . وَأَبَّنَ الْأَثَرَ : وَهُوَ أَنْ يَقْتَفِرَهُ فَلَا يَضِحُ لَهُ وَلَا يَنْفَلِتُ مِنْهُ . وَالتَّأْبِينُ : أَنْ يُفْصَدَ الْعِرْقُ وَيُؤْخَذَ دَمُهُ فَيُشْوَى وَيُؤْكَلُ ، عَنْ كُرَاعٍ .

ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : الْأَبِنُ ، غَيْرُ مَمْدُودِ الْأَلِفِ عَلَى فَعِلٍ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، الْغَلِيظُ الثَّخِينُ . وَأَبَنُ الْأَرْضِ : نَبْتٌ يَخْرُجُ فِي رُؤُوسِ الْإِكَامِ ، لَهُ أَصْلٌ وَلَا يَطُولُ ، وَكَأَنَّهُ شَعْرٌ يُؤْكَلُ وَهُوَ سَرِيعُ الْخُرُوجِ سَرِيعُ الْهَيْجِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَأَبَانَانِ : جَبَلَانِ فِي الْبَادِيَةِ ، وَقِيلَ : هُمَا جَبَلَانِ أَحَدُهُمَا أَسْوَدُ وَالْآخَرُ أَبْيَضُ ، فَالْأَبْيَضُ لِبَنِي أَسَدٍ ، وَالْأَسْوَدُ لَبَنِي فَزَارَةَ ، بَيْنَهُمَا نَهَرٌ يُقَالُ لَهُ الرُّمَةُ ، بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ ، وَبَيْنَهُمَا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ لَهُمَا ، قَالَ بِشْرٌ يَصِفُ الظَّعَائِنَ :

يَؤُمُّ بِهَا الْحُدَاةُ مِيَاهَ نَخْلٍ وَفِيهَا عَنْ أَبَانَيْنِ ازْوِرَارُ
وَإِنَّمَا قِيلَ : أَبَانَانِ وَأَبَانٌ أَحَدُهُمَا ، وَالْآخَرُ مُتَالِعٌ ، كَمَا يُقَالُ الْقَمَرَانِ ، قَالَ لَبِيدٌ :
دَرَسَ الْمَنَا بِمُتَالِعٍ وَأَبَانِ فَتَقَادَمَتْ بِالْحِبْسِ فَالسُّوبَانِ
قَالَ ابْنُ جِنِّي : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلْجَبَلَيْنِ الْمُتَقَابِلَيْنِ أَبَانَانِ ، فَإِنَّ أَبَانَانِ اسْمُ عَلَمٍ لَهُمَا بِمَنْزِلَةِ زَيْدٍ وَخَالِدٍ ، قَالَ : فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ جَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ التَّثْنِيَةِ عَلَمًا وَإِنَّمَا عَامَّتُهَا نَكِرَاتٌ ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلَيْنِ وَغُلَامَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَكِرَةٌ غَيْرُ عَلَمٍ فَمَا بَالُ أَبَانَيْنِ صَارَا عَلَمًا ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّ زَيْدَيْنِ لَيْسَا فِي كُلِّ وَقْتٍ مُصْطَحِبَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُجَامِعُ صَاحِبَهُ وَيُفَارِقُهُ ، فَلَمَّا اصْطَحَبَا مَرَّةً وَافْتَرَقَا أُخْرَى لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُخَصَّا بَاسِمِ عَلَمٍ يُفِيدُهُمَا مِنْ غَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَائِنٌ مِنْ صَاحِبِهِ ، وَأَمَا أَبَانَانِ فَجَبَلَانِ مُتَقَابِلَانِ لَا يُفَارِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ ، فَجَرَيَا لِاتِّصَالِ بَعْضِهِمَا بِبَعْضِ مَجْرَى الْمُسَمَّى الْوَاحِدِ نَحْوَ بَكْرٍ وَقَاسِمٍ ، فَكَمَا خُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَعْلَامِ بِاسْمٍ يُفِيدُهُ مِنْ أُمَّتِهِ ، كَذَلِكَ خُصَّ هَذَانِ الْجَبَلَانِ بِاسْمٍ يُفِيدُهُمَا مِنْ سَائِرِ الْجِبِالِ ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ جَرَيَا مَجْرَى الْجَبَلِ الْوَاحِدِ ، فَكَمَا أَنَّ ثَبِيرًا وَيَذْبُلَ لَمَّا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَبَلًا وَاحِدًا مُتَّصِلَةً أَجْزَاؤُهُ خُصَّ بِاسْمٍ لَا يُشَارَكُ فِيهِ ، فَكَذَلِكَ أَبَانَانِ لَمَّا لَمْ يَفْتَرِقْ بَعْضُهُمَا مِنْ بَعْضٍ كَانَا لِذَلِكَ كَالْجَبَلِ الْوَاحِدِ ، خُصَّا بَاسِمِ عَلَمٍ كَمَا خُصَّ يَذْبُلُ وَيَرَمْرَمُ وَشَمَامِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بَاسِمِ عَلَمٍ ؛ قَالَ مُهَلْهِلٌ :
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي جَنْبٍ وَكَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا رُمِّلَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
الْجَوْهَرِيُّ : وَتَقُولُ هَذَانِ أَبَانَانِ حَسَنَيْنِ ، تَنْصِبُ النَّعْتَ ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِهِ مَعْرِفَةٌ ؛ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ لَا تَزُولُ فَصَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَخَالَفَ الْحَيَوَانَ ، إِذَا قُلْتَ هَذَانِ زَيْدَانِ حَسَنَانِ ، تَرْفَعُ النَّعْتَ هَاهُنَا ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِهَا نَكِرَةٌ ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ : قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ تَنْصِبُ النَّعْتَ ؛ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِهِ مَعْرِفَةٌ ، قَالَ : يَعْنِي بِالْوَصْفِ هُنَا الْحَالَ .

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ : وَإِنَّمَا فَرَّقُوا بَيْنَ أَبَانَيْنِ وَعَرَفَاتٍ وَبَيْنَ زَيْدَيْنِ وَزَيْدِينَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا التَّثْنِيَةَ وَالْجَمْعَ عَلَمًا لِرَجُلَيْنِ وَلَا لِرِجَالٍ بِأَعْيَانِهِمْ ، وَجَعَلُوا الِاسْمَ الْوَاحِدَ عَلَمًا لِشَيْءٍ بِعَيْنِهِ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا قُلْنَا : ائْتِ بِزَيْدٍ إِنَّمَا نُرِيدُ هَاتِ هَذَا الشَّخْصَ الَّذِي يَسِيرُ إِلَيْهِ ، وَلَمْ يَقُولُوا إِذَا قُلْنَا : جَاءَ زَيْدَانِ فَإِنَّمَا نَعْنِي شَخْصَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا قَدْ عُرِفَا قَبْلَ ذَلِكَ وَأُثْبِتَا ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا قُلْنَا : جَاءَ زَيْدُ بْنُ فُلَانٍ وَزَيْدُ بْنُ فُلَانٍ فَإِنَّمَا نَعْنِي شَيْئَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا ، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا : إِذَا قُلْنَا ائْتِ أَبَانَيْنِ فَإِنَّمَا نَعْنِي هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا اللَّذَيْنِ يَسِيرُ إِلَيْهِمَا ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا امْرُرْ بِأَبَانِ كَذَا وَأَبَانِ كَذَا ؟ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَبَانَيْنِ اسْمًا لَهُمَا يُعْرَفَانِ بِهِ بِأَعْيَانِهِمَا ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْأَنَاسِيِّ وَلَا فِي الدَّوَابِّ ، إِنَّمَا يَكُونُ هَذَا فِي الْأَمَاكِنِ وَالْجِبِالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْأَمَاكِنَ لَا تَزُولُ فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَبَلَيْنِ دَاخِلًا عِنْدَهُمْ فِي مِثْلِ مَا دَخَلَ فِيهِ صَاحِبُهُ مِنَ الْحَالِ وَالثَّبَاتِ وَالْخِصْبِ وَالْقَحْطِ ، وَلَا يُشَارُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَعْرِيفٍ دُونَ الْآخَرِ فَصَارَا كَالْوَاحِدِ الَّذِي لَا يُزَايِلُهُ مِنْهُ شَيْءٌ حَيْثُ كَانَ فِي الْأَنَاسِيِّ وَالدَّوَابِّ وَالْإِنْسَانَانِ وَالدَّابَّتَانِ لَا يَثْبُتَانِ أَبَدًا ، يَزُولَانِ وَيَتَصَرَّفَانِ وَيُشَارُ إِلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ عَنْهُ غَائِبٌ ، وَقَدْ يُفْرَدُ فَيُقَالُ : أَبَانُ ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ :

كَأَنَّ أَبَانًا فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ فِي بِجَادٍ مُزَمَّلِ
وَأَبَانُ : اسْمُ رَجُلٍ . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : " مِنْ كَذَا وَكَذَا إِلَى عَدَنَ أَبْيَنَ " ، أَبْيَنُ بِوَزْنِ أَحْمَرَ ، قَرْيَةٌ عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ نَاحِيَةَ الْيَمَنِ ، وَقِيلَ : هُوَ اسْمُ مَدِينَةِ عَدَنَ . وَفِي حَدِيثِ أُسَامَةَ : " قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الرُّومِ : أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا ؛ هِيَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْقَصْرِ ، اسْمُ مَوْضِعٍ مِنْ فِلَسْطِينَ بَيْنَ عَسْقَلَانَ وَالرَّمْلَةِ ، وَيُقَالُ لَهَا يُبْنَى بِالْيَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

موقع حَـدِيث