المقدمة
﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾الحمد لله الذي جعل الأرض مهادا ، والجبال أوتادا ، وبث من ذلك نشوزا ووهادا ، وصحارى وبلادا ، ثم فجر خلال ذلك أنهارا ، وأسال أودية ، وبحارا ، وهدى عباده إلى اتخاذ المساكن ، وإحكام الأبنية والمواطن ، فشيدوا البنيان ، وعمروا البلدان ، ونحتوا من الجبال بيوتا ، واستنبطوا آبارا وقلوتا ، وجعل حرصهم على تشييد ما شيدوا ، وإحكام ما بنوا وعمدوا ، عبرة للغافلين ، وتبصرة للغابرين . فقال وهو أصدق القائلين : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾. أحمده على ما أعطى وأنعم ، وهدى إلى الرشد وألهم ، وبين من السداد وأفهم ، وصلى الله على خيرته من أنبيائه والمرسلين ، وصفوته من أصفيائه والصالحين ، محمد المبعوث بالهدى والدين المبين ، المنعوت ب ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ وعلى آله الكرام البررة ، والصحابة المنتجبين الخيرة ، وسلم تسليما ، أما بعد : فهذا كتاب في أسماء البلدان ، والجبال ، والأودية ، والقيعان ، والقرى ، والمحال ، والأوطان ، والبحار ، والأنهار ، والغدران ، والأصنام ، والأبداد ، والأوثان .
لم أقصد بتأليفه ، وأصمد نفسي لتصنيفه ، لهوا ولا لعبا ، ولا رغبة حثتني إليه ولا رهبا ، ولا حنينا استفزني إلى وطن ، ولا طربا حفزني إلى ذي ود وسكن . ولكن رأيت التصدي له واجبا ، والانتداب له مع القدرة عليه فرضا لازبا ، وفقني عليه الكتاب العزيز الكريم ، وهداني إليه النبأ العظيم ، وهو قوله عز وجل ، حين أراد أن يعرف عباده آياته ومثلاته ، ويقيم الحجة عليهم في إنزاله بهم أليم نقماته : ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾. فهذا تقريع لمن سار في بلاده ولم يعتبر ، ونظر إلى القرون الخالية فلم ينزجر ، وقال وهو أصدق القائلين : ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾أي انظروا إلى ديارهم كيف درست ، وإلى آثارهم وأنوارهم كيف انطمست ، عقوبة لهم على اطراح أوامره ، وارتكاب زواجره ، إلى غير ذلك من الآيات المحكمة ، والأوامر والزواجر المبرمة .
فالأول : توبيخ لسبق النهي عن المعصية شاهرا . والثاني : أمر يقتضي الوجوب ظاهرا . فهذا من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا يطرق عليه نقص من إنشائه وخلقه ، وقد ورد في الأثر عن السادات ممن عبر ، قول عيسى ابن مريم ، عليه السلام : الدنيا محل مثلة ، ومنزل نقلة ، فكونوا فيها سياحين ، واعتبروا ببقية آثار الأولين .
قال قس بن ساعدة الذي حكم له النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، أنه يبعث أمة وحده : أبلغ العظات ، السير في الفلوات ، والنظر إلى محل الأموات . وقد مدح الشعراء الخلفاء والملوك والأمراء بالسير في البلاد ، وركوب الحزون والوهاد . فقال بعضهم يمدح المعتصم : تناولت أطراف البلاد بقدرة كأنك فيها تبتغي أثر الخضر وقد تتعذر أسباب النظر ، فيتعين التماس الخبر ، فوجب لذلك علينا إعلام المسلمين بما علمناه ، وإرفادهم بما أفادناه الله بفضله فأتقناه ، إذ كان الافتقار إلى هذا الشأن يشترك فيه كل من ضرب في العلم بسهم ، واختص منه بنصيب أو قسم ، أو اتسم منه باسم ، أو ارتسم بفن منه أو رسم .
وعلى ذلك لم أر من طب سقيم أسمائها ، أو قوي على تمتين ضعيف مقاصدها وأنحائها ، فإني رأيت جل نقلة الأخبار ، وأعيان رواة الأشعار والآثار ، ممن عني بها دهره ، وأنفد فيها عرضه وعمره حسن الاستمرار على الصواب ، والجا حدائق الرشد في كل باب ، ضاربا بقداح الفلج في أفانين العلوم والآداب ، عند قراءة السنن والآثار ، ورواية الأحاديث والأخبار ، لتحصيلهم إياها بالمعاني ، واستدلالهم على مغزى أوائل الكلم بالثواني ، لأخذ بعض الكلام بأهداب بعض ، ودلالة أواخره على أوائله ، وأوائله على أواخره ، حتى يمر بهم ذكر بقعة كانت بها وقعة واقعة ، فيختلط لاحتياجه إلى النقل لا العقل ، والرواية لا الدراية ، فتراه إما غالطا ، أو مغالطا ، فيخفض من صوته بعد رفعه ، ويتكهم ماضي لسانه بقدعه . ثم قلما رأيت الكتب المتقنة الخط ، المحتاط لها بالضبط والنقط ، إلا وأسماء البقاع فيها مهملة أو محرفة ، وعن محجة الصواب منعطفة أو منحرفة ، قد أهمله كاتبه جهلا ، وصوره على التوهم نقلا . وكم إمام جليل ، ووجه من الأعيان نبيل ، وأمير كبير ، ووزير خطير ، ينسب إلى مكان مجهول ، فتراه عند ترجيم الظنون على كل محتمل محمول ، فإن سئل عنه أهل المعارف أخذوا بالنصف الأرذل من العلم ، وهو لا أدري .
وبئست الخطة للرجل الفاضل ، فإن التمس لذلك مظنة ، أعضل ، أو أريغ له مطلب ، أعوز وأشكل ، لإغفالهم هذا الفن من العلم الخطير مع جلالته ، وإعراضهم عن هذا المقصد الكبير مع فخامته . ومن ذا الذي يستغني من أولي البصائر عن معرفة أسماء الأماكن وتصحيحها ، وضبط أصقاعها وتنقيحها ، والناس في الافتقار إلى علمها سواسية ، وسر دورانها على الألسن في المحافل علانية ، لأن من هذه الأماكن ما هي مواقيت للحجاج والزائرين ، ومعالم للصحابة والتابعين ، رضوان الله عليهم أجمعين ، ومشاهد للأولياء والصالحين ، ومواطن غزوات سرايا سيد المرسلين ، وفتوح الأئمة من الخلفاء الراشدين . وقد فتحت هذه الأماكن صلحا وعنوة ، وأمانا وقوة ، ولكل من ذلك حكم في الشريعة ، في قسمة الفيء وأخذ الجزية ، وتناول الخراج ، واجتناء المقاطعات والمصالحات ، وإنالة التسويفات والإقطاعات ، لا يسع الفقهاء جهلها ، ولا يعذر الأئمة والأمراء إذا فاتهم في طريق العلم حزنها وسهلها ، لأنها من لوازم فتيا الدين ، وضوابط قواعد الإسلام والمسلمين .
فأما أهل السير والأخبار ، والحديث والتواريخ والآثار ، فحاجتهم إلى معرفتها أمس من حاجة الرياض إلى القطار ، غب إخلاف الأنواء ، والمشفي إلى العافية بعد يأس من الشفاء ، لأنه معتمد علمهم الذي قل أن تخلو منه صفحة ، بل وجهة ، بل سطر من كتبهم . وأما أهل الحكمة والتفهيم ، والتطبب والتنجيم ، فلا تقصر حاجتهم إلى معرفته عمن قدمنا ، فالأطباء لمعرفة أمزجة البلدان وأهوائها ، والمنجم للاطلاع على مطالع النجوم وأنوائها ، إذ كانوا لا يحكمون على البلاد إلا بطوالعها ، ولا يقضون لها وعليها بدون معرفة أقاليمها ومواضعها ، ومن كمال المتطبب أن يتطلع إلى معرفة مزاجها وهوائها ، وصحة أو سقم منبتها ومائها ، وصارت حاجتهم إلى ضبطها ضرورية ، وكشفهم عن حقائقها فلسفية ، ولذلك صنف كثير من القدماء كتبا سموها جغرافيا ، ومعناها صورة الأرض ، وألف آخرون كتبا في أمزجة البلدان وأهوائها ، نحو جالينوس ، وقبله بقراط وغيرهما . وأما أهل الأدب فناهيك بحاجتهم إليها ، لأنها من ضوابط اللغوي ولوازمه ، وشواهد النحوي ودعائمه ، ومعتمد الشاعر في تحلية جيد شعره بذكرها ، وتزيين عقود لآلئ نظمه بشذرها ، فإن الشعر لا يروق ، ونفس السامع لا تشوق ، حتى يذكر حاجر وزرود ، والدهناء وهبود ، ويتحنن إلى رمال رضوى ، فيلزمه تصحيح لفظ الاسم وأين صقعه ، وما اشتقاقه ، ونزهته ، وقفره وحزنه وسهولته .
فإنه إن زعم أنه واد وكان جبلا ، أو جبل وكان صحراء ، أو صحراء وكان نهرا ، أو نهر وكان قرية ، أو قرية وكان شعبا ، أو شعب وكان حزما ، أو حزم وكان روضة ، أو روضة وكان صفصفا ، أو صفصف وكان مستنقعا ، أو مستنقع وكان جلدا ، أو جلد وكان سبخة ، أو سبخة وكان حرة ، أو حرة وكان سهلا ، أو سهل وكان وعرا ، أو يجعله شرقيا وكان غربيا ، أو جنوبيا وكان شماليا ، سفل قدره ، ونزر كثره ، وآض ضحكة ، ويرى أنه ضحكة ، وجعل هزأة ، ويرى أنه هزأة ، واستخف وزنه واسترذل ، واستقل فضله واستجهل ، فقد ذكر بعض العلماء أنهم استدلوا على أن هذا البيت : إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل ليس من شعر تأبط شرا ، بأن سلعا ليس دونه شعب . ولقد صنف في عصرنا هذا إمام ، من أهل الأدب ، جليل ، وشيخ يعتمد عليه ويرجع في حل المشكلات إليه نبيل ، كتابا في شرح المقامات ، التي أنشأها أبو محمد القاسم بن علي بن محمد الحريري ، فطبق مفصل الإصابة في شرح أفانين ضروبها ، وغبر في وجه كل من فرغ باله لإيضاح مشكلها وغريبها ، فإنه بهر العقول وأدهش الأذهان بما ذكره من أسرار بلاغتها ، وأظهره من مخزون براعتها ، وأوضحه من مكنون معانيها ، وأبانه من فتق الألفاظ التي فيها ، وأورده من الأشباه والنظائر ، والعيون والنواظر ، واصطلح الجمهور على تفضيله ، واتفقوا على إجادة المصنف في جمله وتفصيله ، ونقله وتعليله ، وسارت النسخ في الآفاق سيرورة ذكاء في الإشراق ، فلم يقدم مقدام متعنت ، ولا هجم مهجام متبكت ، على مواخذته بشيء مما فيه ، ولا حدث محدث نفسه بحل عقد من مغازيه ، حتى ذكر أسماء الأماكن التي أسس عليها أبو محمد المقامات ، فانبت سلك در عقد لآليه ، وتداعى ما شيده فضله من مبانيه ، وعاد روضه الأريض مصوحا وقريب إحسانه مطوحا ، وظل ركب فضائله طليحا ، وتمام خلق برهانه سطيحا ، وأخذ يخلط تارة ويخلط ، ويتعثر في عشواء الجهالة ويخبط . فإنه قال في المقامة الكرجية : وكرج بلدة بين همذان وأذربيجان ، وإنما هي بين همذان وأصفهان ، والقاصد من همذان إلى أصفهان يأخذ بين الجنوب والمشرق ، والقاصد من همذان إلى أذربيجان يأخذ بين الشمال والمغرب ، والقاصد إلى هذه يستدبر القاصد إلى هذه .
وقال في البر قعيدية : وبر قعيد قصبة الجزيرة ، وإنما هي قرية من قرى بقعاء الموصل ، لا تبلغ أن تكون مدينة ، فكيف قصبة ؟ . وقال في التبريزية : وتبريز بلدة من عواصم الشام ، بينها وبين منبج عشرون فرسخا ، وتبريز بلدة أشهر وأظهر من أن تخفى ، وهي اليوم قصبة نواحي أذربيجان ، وأجل مدنها . وإلى غير ذلك من أغاليط غيره ، فصار هذا الإمام ضحكة للبطالين ، وهزأة للساخرين ، ووجد الطاعن عليه سبيلا ، وإن كان مع كثرة إحسانه قليلا ، فلو كان له كتاب يرجع إليه ، وموئل يعتمد عليه ، خلص من هذه البلية نجيا ، وارتقى من الهبوط في هذه الأهوية مكانا عليا .
وكان من أول البواعث لجمع هذا الكتاب ، أنني سئلت بمرو الشاهجان ، في سنة خمس عشرة وستمائة ، في مجلس شيخنا الإمام السعيد الشهيد فخر الدين أبي المظفر عبد الرحيم ابن الإمام الحافظ تاج الإسلام أبي سعد عبد الكريم السمعاني ، تغمدهما الله برحمته ورضوانه ، وقد فعل الدعاء إن شاء الله ، عن حباشة اسم موضع جاء في الحديث النبوي ، وهو سوق من أسواق العرب في الجاهلية . فقلت : أرى أنه حباشة بضم الحاء ، قياسا على أصل هذه اللفظة في اللغة ، لأن الحباشة : الجماعة من الناس من قبائل شتى ، وحبشت له حباشة أي جمعت له شيئا . فانبرى لي رجل من المحدثين ، وقال : إنما هو حباشة بالفتح .
وصمم على ذلك وكابر ، وجاهر بالعناد من غير حجة وناظر ، فأردت قطع الاحتجاج بالنقل ، إذ لا معول في مثل هذا على اشتقاق ولا عقل ، فاستعصى كشفه في كتب غرائب الأحاديث ، ودواوين اللغات مع سعة الكتب التي كانت بمرو يومئذ ، وكثرة وجودها في الوقوف ، وسهولة تناولها ، فلم أظفر به إلا بعد انقضاء ذلك الشغب والمراء ، ويأس من وجوده ببحث واقتراء ، فكان موافقا والحمد لله لما قلته ، ومكيلا بالصاع الذي كلته ، فألقي حينئذ في روعي افتقار العالم إلى كتاب في هذا الشأن مضبوطا ، وبالإتقان وتصحيح الألفاظ بالتقييد مخطوطا ، ليكون في مثل هذه الظلمة هاديا ، وإلى ضوء الصواب داعيا ، ونبهت على هذه الفضيلة النبيلة ، وشرح صدري لنيل هذه المنقبة التي غفل عنها الأولون ، ولم يهتد لها الغابرون . يقول من تقرع أسماعه : كم ترك الأول للآخر . وما أحسن ما قال أبو عثمان : ليس على العلم أضر من قولهم : لم يترك الأول للآخر شيئا ، فإنه يفتر الهمة ويضعف المنة ، أو نحو هذا القول .
على أنه قد صنف المتقدمون في أسماء الأماكن كتبا وبهم اقتدينا وبهم اهتدينا ، وهي صنفان : منها ما قصد بتصنيفه ذكر المدن المعمورة والبلدان المسكونة المشهورة ، ومنها ما قصد به ذكر البوادي والقفار ، واقتصر على منازل العرب الواردة في أخبارهم والأشعار . فأما من قصد ذكر العمران فجماعة وافرة ، منهم من القدماء والفلاسفة والحكماء : أفلاطن ، وفيثاغورس ، وبطليموس ، وغيرهم كثير من هذه الطبقة ، وسموا كتبهم في ذلك جغرافيا ، سمعت من يقوله بالغين المعجمة والمهملة ، ومعناه : صورة الأرض . وقد وقفت لهم منها على تصانيف عدة جهلت أكثر الأماكن التي ذكرت فيها ، وأبهم علينا أمرها ، وعدمت لتطاول الزمان فلا تعرف .
وطبقة أخرى إسلاميون سلكوا قريبا من طريقة أولئك من ذكر البلاد والممالك ، وعينوا مسافة الطرق والمسالك ، وهم : ابن خرداذبه ، وأحمد بن واضح ، والجيهاني ، وابن الفقيه ، وأبو زيد البلخي وأبو إسحاق الإصطخري ، وابن حوقل ، وأبو عبد الله البشاري ، والحسن بن محمد المهلبي ، وابن أبي عون البغدادي ، وأبو عبيد البكري - له كتاب سماه المسالك والممالك . وأما الذين قصدوا ذكر الأماكن العربية والمنازل البدوية فطبقة أهل الأدب ، وهم أبو سعيد الأصمعي ، ظفرت به رواية لابن دريد عن عبد الرحمن عن عمه ، وأبو عبيد السكوني ، والحسن بن أحمد الهمداني - له كتاب جزيرة العرب ، وأبو الأشعث الكندي في جبال تهامة ، وأبو سعيد السيرافي - بلغني أن له كتابا في جزيرة العرب ، وأبو محمد الأسود الغندجاني له كتاب في مياه العرب ، وأبو زياد الكلابي ذكر في نوادره من ذلك صدرا صالحا وقفت على أكثره ، ومحمد بن إدريس بن أبي حفصة وقفت له على كتاب سماه مناهل العرب ، وهشام بن محمد الكلبي وقفت له على كتاب سماه اشتقاق البلدان ، وأبو القاسم الزمخشري له كتاب لطيف في ذلك ، وأبو الحسن العمراني تلميذ الزمخشري وقف على كتاب شيخه وزاد عليه رأيته ، وأبو عبيد البكري الأندلسي له كتاب سماه معجم ما استعجم من أسماء البقاع لم أره بعد البحث عنه والتطلب له ، وأبو بكر محمد بن موسى الحازمي له كتاب ما ائتلف واختلف من أسمائها ، ثم وقفني صديقنا الحافظ الإمام أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار - جزاه الله خيرا - على مختصر اختصره الحافظ أبو موسى محمد بن عمر الأصفهاني من كتاب ألفه أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري النحوي فيما ائتلف واختلف من أسماء البقاع ، فوجدته تأليف رجل ضابط قد أنفد في تحصيله عمرا وأحسن فيه عينا وأثرا ، ووجدت الحازمي رحمه الله قد اختلسه وادعاه واستجهل الرواة فرواه ، ولقد كنت عند وقوفي على كتابه أرفع قدره من علمه وأرى أن مرماه يقصر عن سهمه ، إلى أن كشف الله عن خبيته وتمحض المحض عن زبدته ، فأما أنا فكل ما نقلته من كتاب نصر فقد نسبته إليه وأحلته عليه ، ولم أضع نصبه ، ولا أخملت ذكره وتعبه ، والله يثيبه ويرحمه . وهذه الكتب المدونة في هذا الباب التي نقلت منها ، ثم نقلت من دواوين العرب والمحدثين وتواريخ أهل الأدب والمحدثين ، ومن أفواه الرواة ، وتفاريق الكتب ، وما شاهدته في أسفاري ، وحصلته في تطوافي ، أضعاف ذلك ، والله الموفق إن شاء الله .
فأما الطبقة الأولى ، فأسماء الأماكن في كتبهم مصحفة مغيرة ، وفي حيز العدم مصيرة ، قد مسخها من نسخها . وأما الطبقة الثانية ، فإنها وإن وجدت لها أصول مضبوطة ، وبخطوط العلماء منوطة مربوطة ، فإنها غير مرتبة ، ولشفاء العليل غير مسببة ، لشدة الاختصار ، وعدم الضبط والانتشار ، لأن قصدهم منها تصحيح الألفاظ ، لا الإبانة عما عدا ذلك من الأغراض ، والبحث عما يعترض فيها من الأعراض ، فاستخرت الله تعالى ، وجمعت ما شتتوه ، وأضفت إليه ما أهملوه ، ورتبته على حروف المعجم ، ووضعته وضع أهل اللغة المحكم ، وأبنت عن كل حرف من الاسم : هل هو ساكن أو مفتوح أو مضموم أو مكسور ، وأزلت عنه عوارض الشبه ، وجعلته تبرا بعد أن كان من الشبه ، ثم أذكر اشتقاقه إن كان عربيا ، ومعناه إن أحطت به علما إن كان عجميا ، وفي أي إقليم هو وأي شيء طالعه ، وما المستولي عليه من الكواكب ، ومن بناه ، وأي بلد من المشهورات يجاوره ، وكم المسافة بينه وبين ما يقاربه ، وبماذا اختص من الخصائص ، وما ذكر فيه من العجائب ، وبعض من دفن فيه من الأعيان والصالحين والصحابة والتابعين ، ونبذا مما قيل فيه من الأشعار في الحنين إلى الأوطان ، الشاهدة على صحة ضبطه والإتقان ، وفي أي زمان فتحه المسلمون وكيفية ذلك ، ومن كان أميره ، وهل فتح صلحا أو عنوة لتعرف حكمه في الفيء والجزية ، ومن ملكه في أيامنا هذه . على أنه ليس هذا الاشتراط بمطاوع لنا في جميع ما نورده ، ولا ممكن في قدرة أحد غيرنا ، وإنما يجيء على هذا البلدان المشهورة ، والأمهات المعمورة ، وربما ذكر بعض هذه الشروط دون بعض على حسب ما أدانا إليه الاجتهاد ، وملكناه الطلب والارتياد .
واستقصيت لك الفوائد جلها أو كلها ، وملكتك عفوا صفوا عقدها وحلها ، حتى لقد ذكرت أشياء كثيرة تأباها العقول ، وتنفر عنها طباع من له محصول ، لبعدها عن العادات المألوفة ، وتنافرها عن المشاهدات المعروفة ، وإن كان لا يستعظم شيء مع قدرة الخالق وحيل المخلوق ، وأنا مرتاب بها نافر عنها متبرئ إلى قارئها من صحتها ، لأنني كتبتها حرصا على إحراز الفوائد ، وطلبا لتحصيل القلائد منها والفرائد ، فإن كانت حقا فقد أخذنا منها بنصيب المصيب ، وإن كانت باطلا فلها في الحق شرك ونصيب ، لأنني نقلتها كما وجدتها ، فأنا صادق في إيرادها كما أوردتها ، لتعرف ما قيل في ذلك حقا كان أو باطلا ، فإن قائلا لو قال : سمعت زيدا يكذب ، لأحببت أن تعرف كيفية كذبه . وها أئمة الحفاظ الذين هم القدوة في كل زمن ، وعليهم الاعتماد في فرائض الشرع والسنن ، لم يشترط أكثرهم في مسنده ، وهي أحاديث الرسول التي تبتني عليها الأحكام ، ويفرق بها بين الحلال والحرام ، إيراد الصحيح دون السقيم ، ونفي المعوج وإثبات المستقيم ، ولم يخرجهم ذلك عن أن يعدوا في أهل الصدق ، أو يتزحزحوا عن مراتب الأئمة ، والحق أنهم أوردوا ما سمعوه كما وعوه ، وإنما يسمى كذابا ، إذا وضع حديثا ، أو حدث عمن لم يسمع منه ، أو روى عمن لم يرو عنه ، فأما من يروي ما سمع كما سمع ، فهو من الصادقين ، والعهدة على من رواه عنه ، إلا أن يكون من أهل الاجتهاد فله أن يرويه ثم يزيغه ، ولولا ذلك لبطل كثير من الأحاديث ، وعلينا الاقتداء بهم ، والتمسك بحبلهم . والذي لا يرده ذو مسكة ، ولا يرد خلافه ذو حنكة .
إن المتعنت تعبان متعب ، والمنصف مستريح مريح ، ومن ذا الذي أعطي العصمة ، وأحاط علما بكل كلمة ؟ ومن طلب علما وجد ، فإنني أهل لأن أزل ، وعن درك الصواب بعد الاجتهاد أضل ، فمن أراد منا العصمة ، فليطلبها لنفسه أولا ، فإن أخطأته فقد أقام عذره وأصاب ، وإن زعم أنه أدركها فليس من أهل الخطاب ، ولما تطاولت في جمع هذا الكتاب الأعوام ، وترادفت في تحصيل فوائده الشهور والأيام ، ولم أنته منه إلى غاية أرضاها ، وأقف على غلوة مع تواتر الرشق فأقول : هي إياها ، ورأيت تعثر قمر ليل الشباب بأذيال كسوف شمس المشيب وانهزامه ، وولوج ربيع العمر على قيظ انقضائه بأمارات الهرم وانهدامه ، وقفت هاهنا راجيا فيه نيل الأمنية ، بإهداء عروسه إلى الخطاب قبل المنية ، وخشيت بغتة الموت ، فبادرت بإبرازه الفوت ، على أنني من اقتحام ليل المنية علي قبل تبلج فجره على الآفاق لجد حذر ، ومن فلول حد الحرص لعدم المحرض عليه والراغب فيه منتظر ، فكيف ثقتي بجيش عمر قد بيتته من كتائب الأمراض المبهمة حواطم المقانب ، أو أركن إلى إصباح ليل اعترضتني فيه العوارض من كل جانب . وعلى ذلك فإنني أقول ولا أحتشم ، وأدعو إلى النزال كل علم في العلم ولا أنهزم ، إن كتابي هذا أوحد في بابه ، مؤمر على أضرابه ، لا يقوم بإبراز مثله إلا من أيد بالتوفيق ، وركب في طلب فوائده كل طريق ، فغار تارة وأنجد ، وطوح لأجله بنفسه فأبعد ، وتفرغ له في عصر الشبيبة وحرارته ، وساعده العمر بامتداده وكفايته ، وظهرت منه أمارات الحرص وحركته . نعم ، وإن كنت أستصغر هذه الغاية فهي كبيرة ، أو استقلها فهي لعمر الله كثيرة ، وأما الاستيعاب فشيء لا يفي به طول الأعمار ، ويحول دونه مانعا العجز والبوار ، فقطعته والعين طامحة ، والهمة إلى طلب الازدياد جامحة ، ولو وثقت بمساعدة العمر وامتداده ، وركنت إلى توفيقي لرجائي فيه واستعداده ، لضاعفت حجمه أضعافا ، وزدت في فوائده مئين بل آلافا ، ولو التمست نفاق هذا الكتاب وسيرورته ، واعتمدت إشاعة ذكره وشهرته ، لصغرته بقدر الهمم العصرية ، ورغبات أهل الطلب الدنية ، ولكني انقدت فيه لنهمتي ، وجرني رسن الحرص إلى بعض بواعث همتي ، وسألت الله - عز وجل - أن لا يحرمنا ثواب التعب فيه ، ولا يكلنا إلى نفسنا فيما نحاوله وننويه ، وجائزتي على ما أوضعت إليه ركاب خاطري ، وأسهرت في تحصيله بدني وناظري ، دعاء المستفيدين ، وذكر زكي من المؤمنين ، بأن أحشر في زمرة الصالحين .
ولقد التمس مني الطلاب اختصار هذا الكتاب مرارا ، فأبيت ولم أجد لي على قصر هممهم أولياء ولا أنصارا ، فما انقدت لهم ولا ارعويت ، ولي على ناقل هذا الكتاب والمستفيد منه أن لا يضيع نصبي ، ونصب نفسي له وتعبي ، بتبديد ما جمعت ، وتشتيت ما لفقت ، وتفريق ملتئم محاسنه ، ونفي كل علق نفيس عن معادنه ومكامنه ، باقتضابه واختصاره ، وتعطيل جيده من حليه وأنواره ، وغصبه إعلان فضله وأسراره ، فرب راغب عن كلمة غيره متهالك عليها ، زاهد عن نكتة غيره مشعوف بها ، ينضي الركاب إليها . فإن أجبتني فقد بررتني ، جعلك الله من الأبرار ، وإن خالفتني فقد عققتني والله حسيبك في عقبى الدار . ثم اعلم أن المختصر لكتاب كمن أقدم على خلق سوي ، فقطع أطرافه فتركه أشل اليدين ، أبتر الرجلين ، أعمى العينين ، أصلم الأذنين ، أو كمن سلب امرأة حليها فتركها عاطلا ، أو كالذي سلب الكمي سلاحه فتركه أعزل راجلا .
وقد حكي عن الجاحظ أنه صنف كتابا وبوبه أبوابا ، فأخذه بعض أهل عصره فحذف منه أشياء وجعله أشلاء ، فأحضره وقال له : يا هذا ، إن المصنف كالمصور ، وإني قد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما ، أعمى الله عينيك ، وكان لها أذنان فصلمتهما ، صلم الله أذنيك ، وكان لها يدان فقطعتهما ، قطع الله يديك ، حتى عد أعضاء الصورة ، فاعتذر إليه الرجل بجهله هذا المقدار ، وتاب إليه عن المعاودة إلى مثله . ثم أهديت هذه النسخة بخطي إلى خزانة مولانا الصاحب الكبير ، العالم الجليل الخطير ، ذي الفضل البارع ، والإفضال الشائع ، والمحتد الأصيل ، والمجد الأثيل ، والعزة القعساء ، والرتبة الشماء ، الفائز من المكارم بالقدح المعلى ، المتقلد من المكارم بالصارم المحلى ، إمام الفضلاء ، وسيد الوزراء ، السيد الأجل الأعظم ، القاضي جمال الدين الأكرم ، أبي الحسن علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد الشيباني ثم التيمي ، حرس الله مجده ، وأسبغ ظله وأهلك نده ، ونصر جنده ، وهزم ضده ، إذ كنت منذ وجدت في حل وترحال ، ومبارزة للزمان ونزال ، أسأل منه سلما ولا يزيدني إلا هضما : فلما قضت نفسي من السير ما قضت على ما بلت من شدة وليان بعد طول مكابدة حرفة ، الحرفة وانتظار تبلج ظلام الحظ يوما من سدفة : علقت بحبل من حبال ابن يوسف أمنت به من طارق الحدثان فرد عني صرف الدهر والمحن ، ورفه خاطري عن معاندة الزمن لمت : لما تغطيت عن دهري بظل جناحه فعيني ترى دهري وليس يراني فأصبحت من كنفه في حرز حريز ، ومن إحسانه وتكرمه في موطن عزيز : فلو تسأل الأيام عني لما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني إذ كان ، أدام الله علوه ، علم العلم في زماننا ، وعين أعيان أهل عصرنا وأواننا ، وأعدت إليه ما استفدته منه ، وروى عني ما رويته عنه ، فأحسن الله عنا جزاءه ، وأدام عزه وعلاءه ، بمحمد وآله الكرام . وقد قدمت ، أمام الغرض من هذا الكتاب ، خمسة أبواب بها يتم فضله ، ويغزر وبله : الباب الأول : في ذكر صورة الأرض وحكاية ما قاله المتقدمون في هيئتها ، وروينا عن المتأخرين في صورتها .
الباب الثاني : في وصف اختلافهم في الاصطلاح على معنى الإقليم وكيفيته واشتقاقه ودلائل القبلة في كل ناحية . الباب الثالث : في ذكر ألفاظ يكثر تكرار ذكرها فيه يحتاج إلى معرفتها كالبريد والفرسخ والميل والكورة ، وغير ذلك . الباب الرابع : في بيان حكم الأرضين والبلاد المفتتحة في الإسلام وحكم قسمة الفيء والخراج فيما فتح صلحا أو عنوة .
الباب الخامس : في جمل من أخبار البلدان التي لا يختص ذكرها بموضع دون موضع ، لتكمل فوائد هذا الكتاب ، ويستغنى به عن غيره في هذا الباب . ثم أعود إلى الغرض فأقسمه ثمانية وعشرين كتابا على عدد حروف المعجم ، ثم أقسم كل كتاب إلى ثمانية وعشرين بابا للحرف الثاني للأول ، وألتزم ترتيب كل كلمة منه على أول الحرف وثانيه وثالثه ورابعه ، وإلى أي غاية بلغ ، فأقدم ما يجب تقديمه بحكم ترتيب : ( ا - ب - ت - ث ) . على صورته الموضوعة له ، من غير نظر إلى أصول الكلمة وزوائدها ، لأن جميع ما يرد إنما هي أعلام لمسميات مفردة ، وأكثرها عجمية ومرتجلة لا مساغ للاشتقاق فيها .
والغرض من هذا الترتيب ، تسهيل طريق الفائدة من غير مشقة ، والله المعين على ما اعتمدناه ، والمرشد إلى سلوك ما قصدناه ، من غير حول منا ولا قوة إلا بالله وحده ، وسميته : معجم البلدان ، اسم مطابق لمعناه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وكان الشروع في هذا التبييض في ليلة إحدى وعشرين من محرم سنة خمس وعشرين وستمائة ، والله نسأل المعونة على إتمامه بمنه وكرمه .