الباب الأول في صفة الأرض وما فيها من الجبال والبحار وغير ذلك
الباب الأول : في صفة الأرض وما فيها من الجبال والبحار وغير ذلك ، قال الله عز وجل : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا . وقال جل وعز : و الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً . وقال سبحانه : ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴾.
قال المفسرون : البساط والمهاد : القرار والتمكن منها ، والتصرف فيها . واختلف القدماء في هيئة الأرض وشكلها ، فذكر بعضهم أنها مبسوطة التسطيح في أربع جهات : في المشرق ، والمغرب ، والجنوب ، والشمال ، ومنهم من زعم أنها كهيئة الترس ، ومنهم من زعم أنها كهيئة المائدة ، ومنهم من زعم أنها كهيئة الطبل ، وزعم بعضهم أنها شبيهة بنصف الكرة كهيئة القبة ، وأن السماء مركبة على أطرافها ، وقال بعضهم : هي مستطيلة كالأ سطوانة الحجرية أو العمود ، وقال قوم : الأرض تهوي إلى ما لا نهاية له ، والسماء ترتفع إلى ما لا نهاية له ، وقال قوم : إن الذي يرى من دوران الكواكب ، إنما هو دور الأرض لا دور الفلك ، وقال آخرون : إن بعض الأرض يمسك بعضا ، وقال قوم : إنها في خلاء لا نهاية لذلك الخلاء . وزعم أرسطاطاليس أن خارج العالم من الخلاء مقدار ما تنفس السماء فيه ، وكثير منهم يزعم أن دوران الفلك عليها يمسكها في المركز من جميع نواحيها .
وأما المتكملون فمختلفون أيضا : زعم هشام بن الحكم أن تحت الأرض جسما من شأنه الارتفاع والعلو ، كالنار والريح ، وأنه المانع للأرض من الانحدار ، وهو نفسه غير محتاج إلى ما يعمد ، لأنه ليس مما ينحدر بل يطلب الارتفاع . وزعم أبو الهذيل : أن الله وقفها بلا عمد ولا علاقة ، وقال بعضهم : إن الأرض ممزوجة من جسمين : ثقيل وخفيف ، فالخفيف شأنه الصعود ، والثقيل شأنه الهبوط ، فيمنع كل واحد منهما صاحبه من الذهاب في جهته لتكافؤ تدافعهما . والذي يعتمد عليه جماهيرهم ، أن الأرض مدورة كتدوير الكرة ، موضوعة في جوف الفلك كالمحة في جوف البيضة ، والنسيم حول الأرض جاذب لها من جميع جوانبها إلى الفلك ، وبينه الخلق على الأرض ، وأن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة ، والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل ، لأن الأرض بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد وما فيها من الحيوان ، وغيره بمنزلة الحديد .
وقال آخرون من أعيانهم : الأرض في وسط الفلك يحيط بها الفرجار في الوسط على مقدار واحد ، من فوق وأسفل ومن كل جانب ، وأجزاء الفلك تجذبها من كل وجه ، فلذلك لا تميل إلى ناحية من الفلك دون ناحية ، لأن قوة الأجزاء متكافئة ، ومثال ذلك : حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد ؛ لأن في طبع الفلك أن يجتذب الأرض . صورة وأصلح ما رأيت في ذلك وأسده في رأيي ، ما حكاه محمد بن أحمد الخوارزمي ، قال : الأرض في وسط السماء ، والوسط هو السفل بالحقيقة ، والأرض مدورة بالكلية ، مضرسة بالجزئية من جهة الجبال البارزة والوهدات الغائرة ، ولا يخرجها ذلك من الكرية ، إذا وقع الحس منها على الجملة ، لأن مقادير الجبال ، وإن شمخت ، صغيرة بالقياس إلى كل الأرض ، ألا ترى أن الكرة التي قطرها ذراع أو ذراعان إذا نتأ منها كالجاورسات ، وغار فيها أمثالها ، لم يمنع ذلك من إجراء أحكام المدور عليها بالتقريب ؟ ولولا هذا التضريس ، لأحاط بها الماء من جميع الجوانب وغمرها حتى لم يكن يظهر منها شيء ، فإن الماء وإن شارك الأرض في الثقل وفي الهوي نحو السفل ، فإن بينهما في ذلك تفاضلا يخف به الماء ، بالإضافة إلى الأرض ، ولهذا ترسب الأرض في الماء وتنزل الكدورة إلى القرار ، فأما الماء فإنه لا يغوص في نفس الأرض ، بل يسوخ فيما تخلخل منها واختلط بالهواء ، والماء إذا اعتمد على الهواء المائي للتخلخل نزل فيها وخرج الهواء منها ، كما ينزل القطر من السحاب فيه ، ولما برز من سطح الأرض ما برز ، جاز الماء إلى الأعماق ، فصار بحارا ، وصار مجموع الماء والأرض كرة واحدة يحيط بها الهواء من جميع جهاتها ، ثم احتدم من الهواء ما مس فلك القمر بسبب الحركة وانسحاج المتماسين ، فهو إذا النار المحيطة بالهواء متصاغرة القدر في الفلك إلى القطبين لتباطؤ الحركة فيما قرب منهما ، وصورة ذلك ، الصورة الأولى التي في الصفحة السابقة . وقال أبو الريحان : وسط معدل النهار ، يقطع الأرض بنصفين على دائرة تسمى خط الاستواء ، فيكون أحد نصفيها شماليا والآخر جنوبيا ، فإذا توهمت دائرة عظيمة على الأرض مارة على قطب خط الاستواء ، قسمت كل واحد من نصفي الأرض بنصفين ، فانقسم جملتها أرباعا : جنوبيان وشماليان على ما وجدها المعينون ، لم يتجاوز حد أحد الربعين الشماليين ، فيسمى ربعا معمورا أو مسكونا كجزيرة بارزة تحيط بها البحار ، وهذا الربع في نفسه مشتمل على ما يعرف ويسلك من البحار والجزائر والجبال والأنهار والمفاوز المعروفة ، ثم إن البلدان والقرى بينها ، على أنه بقي منها ، نحو قطب الشمال ، قطعة غير معمورة من أفراط البرد وتراكم الثلوج .
وقال مهندسوهم : لو حفر في الوهم وجه الأرض ، لأدي إلى الوجه الآخر ، ولو ثقب مثلا بفوشنج لنفذ بأرض الصين . قالوا : والناس على الأرض كالنمل على البيضة ، واحتجوا لقولهم بحجاج كثيرة ، منها إثباتي ومنها إقناعي ، وليس ذلك ببعيد من الأرض ، لأن البسيط يحتمل نشز الشيء ، فالأرض على هذا لمن هي تحته بساط ، ولمن هي فوقه غطاء . واختلفوا في مساحة الأرض : فذكر محمد بن موسى الخوارزمي صاحب الزيج أن الأرض على القصد تسعة آلاف فرسخ ، العمران من الأرض نصف سدسها ، والباقي ليس فيه عمارة ولا نبات ولا حيوان ، والبحار محسوبة من الغمران ، والمفاوز التي بين العمران من العمران .
قال أبو الريحان : طول قطر الأرض بالفراسخ ألفان ومائة وثلاثة وستون فرسخا وثلثا فرسخ ، ودورها بالفراسخ ستة آلاف وثمانمائة فرسخ . وعلى هذا تكون مساحة سطحها الخارج متكسرا أربعة عشر ألف ألف وسبعمائة وأربعة وأربعين ألفا ومائتين واثنين وأربعين فرسخا وخمس فرسخ . وكان عمر بن جيلان يزعم أن الدنيا كلها سبعة وعشرون ألف فرسخ ، فبلد السودان اثنا عشر ألف فرسخ ، وبلد الروم ثمانية آلاف فرسخ ، وبلد فارس ثلاثة آلاف فرسخ ، وأرض العرب أربعة آلاف فرسخ .
وحكي عن أزدشير أنه قال : الأرض أربعة أجزاء ، فجزء منها أرض الترك وهي ما بين مغارب الهند إلى مشارق الروم ، وجزء منها المغرب وهو ما بين مغارب الروم إلى القبط والبربر ، وجزء منها أرض السودان ، وهي ما بين البربر إلى الهند ، وجزء منها هذه الأرض التي تنسب إلى فارس ما بين نهر بلخ إلى منقطع أذربيجان وأرمينية الفارسية ، ثم إلى الفرات ، ثم برية العرب إلى عمان ومكران ، ثم إلى كابل وطخارستان . وقال دورينوس : إن الأرض خمسة وعشرون ألف فرسخ ، من ذلك : الترك والصين اثنا عشر ألف فرسخ ، والروم خمسة آلاف فرسخ ، وبابل ألف فرسخ . وحكي أن بطليموس صاحب المجسطِيّ قاس حران ، وزعم أنها أرفع الأرض ، فوجد ارتفاعها ما عدد ، ثم قاس جبلا من جبال آمد ، ورجع فمسح من موضع قياسه الأول إلى موضع قياسه الثاني على مستو من الأرض فوجده ستة وستين ميلا ، فضربه في دور الفلك وهو ست وستون درجة ، فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف ميل ، يكون ذلك ثمانية آلاف فرسخ ، فزعم أن دور الأرض يحيط بثمانية آلاف فرسخ .
وقال غير بطليموس ممن يرجع إلى رأيه : إن الأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء ، وهو من المشرق إلى المغرب ، وهو أطول خط في كرة الأرض ، كما أن منطقة البروج أطول خط في الفلك ، وعرض الأرض من القطب الجنوبي الذي يدور حوله سهيل إلى الشمال الذي تدور حوله بنات نعش ، فاستدارة الأرض بموضع خط الاستواء ثلاثمائة وستون درجة ، الدرجة خمسة وعشرون فرسخا ، فيكون ذلك تسعة آلاف فرسخ ، وبين خط الاستواء وكل واحد من القطبين تسعون درجة ، واستدارتها عرضا مثل ذلك ، لأن العمارة في الأرض بين خط الاستواء وكل واحد أربع وعشرون درجة ، ثم الباقي قد غمره ماء البحر ، فالخلق في الربع الشمالي من الأرض والربع الجنوبي خراب ، والنصف الذي تحتها لا ساكن فيه ، والربعان الظاهران هما أربعة عشر إقليما ، منها سبعة عامرة ، وسبعة غامرة لشدة الحر بها . وقال بعضهم : العمران في الجانب الشمالي من الأرض أكثر منه في الجانب الجنوبي ، ويقال : إن في الشمالي أربعة آلاف مدينة ، وإن كل نصف من الأرض ربعان ، فالربعان الشماليان هما النصف المعمور ، وهو من العراق إلى الجزيرة والشام ومصر والروم والفرنجة ورومية والسوس وجزيرة السعادات ، فهذا الربع غربي شمالي ، ومن العراق إلى الأهواز والجبال وخراسان وتبت إلى الصين إلى واق واق ، فهذا الربع شرقي شمالي ، وكذلك النصف الجنوبي ، فهو ربعان : شرقي جنوبي ، فيه بلاد الحبشة والزنج والنوبة ، وربع غربي لم يطأه أحد ممن على وجه الأرض ، وهو متاخم للسودان الذين يتاخمون البربر مثل كوكو وأشباههم . وحكى آخرون أن بطليموس الملك اليوناني - وأحسبه غير صاحب المجسطِيّ - لم يكن ملكا ولا في أيام الملوك البطالسة ، إنما كان بعدهم ، بعث إلى هذا الربع قوما حكماء منجمين ، فبحثوا عن البلاد وألطفوا النظر والاستخبار من علماء تلك الأمم التي تقاربها ومن هو على تخومها ، فانصرفوا إليه فأخبروه أنه خراب يباب ليس فيه ملك ولا مدينة ولا عمارة ، وهذا الربع يسمى المحترق ، ويسمى أيضا الربع الخراب ، ثم إن بطليموس أراد أن يعرف عظم الأرض وعمرانها وخرابها ، فبدأ فأخذ ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها من العدد ، وذلك يوم وليلة ، ثم قسم ذلك على أربعة وعشرين جزءا ، الساعات المستوية خمسة عشر جزءا ، وضرب أربعة وعشرين في خمسة عشر ، فصار ثلاثمائة وستين جزءا ، فأراد أن يعرف كم ميلا يكون الجزء ، فأخذ ذلك من خسوف القمر وكسوف الشمس ، فنظر كم ما بين مدينة إلى مدينة من ساعة ، وكم بين المدينة إلى الأخرى ، فقسم الأميال على أجزاء الساعة ، فوجد الجزء الواحد منها خمسة وسبعين ميلا ، فضرب خمسة وسبعين في ثلاثمائة وستين جزءا من أجزاء البروج ، فبلغ ذلك سبعة وعشرين ألف ميل ، فقال : إن الأرض مدورة متعلقة بالهواء ، فيكون ما يدور بها من الأميال سبعة وعشرين ألف ميل .
ثم نظر في العمران فوجد من الجزيرة العامرة التي في المغرب إلى البحر الأخضر إلى أقصى عمران الصين ، إذا طلعت الشمس في الجزائر التي سميناها ، غابت بالصين ، وإذا غابت في هذه الجزائر طلعت بالصين ، فذلك نصف دوارة الأرض ، وذلك ثلاثة عشر ألف ميل وخمسمائة ميل طول العمران . ثم نظر أيضا في العمران فوجد عمران الأرض من ناحية الجنوب إلى ناحية الشمال : أعني من دوارة الأرض ، حيث استوى الليل والنهار في الصيف إلى عشرين ساعة ، والليل أربع ساعات ، وفي الشتاء خلاف ذلك ، الليل عشرون ساعة والنهار أربع ساعات ، فقال : إن استواء الليل والنهار في جزيرة بين الهند والحبشة من ناحية الجنوب التي من التيمن وهو ستون جزءا ، ما يكون له أربعة آلاف وخمسمائة ميل ، فإذا ضربت السدس في النصف الذي هو نصف دوارة الأرض من حيث استوى الليل والنهار ، تجد العمران الذي يعرف ، نصف سدس جميع الأرض . واختلف آخرون في مبلغ الأرض وكميتها ، فروي عن مكحول أنه قال : مسيرة ما بين أدنى الأرض إلى أقصاها خمسمائة سنة ، مائتان من ذلك قد غمرهما البحر ، ومائتان ليس يسكنهما أحد ، وثمانون يأجوج ومأجوج ، وعشرون فيها سائر الخلق .
وعن قتادة ، قال : الدنية أربعة وعشرون ألف فرسخ ، فملك السودان منها اثنا عشر ألف فرسخ ، وملك العجم ثلاثة آلاف فرسخ ، وملك الروم ثمانية آلاف فرسخ ، وملك العرب ألف فرسخ . ورواية أخرى عن بطليموس أنه خرج مقدار الدنيا واستدارتها من المجسطِيّ بالتقريب ، فقال : استدارة الأرض مائة ألف وثمانون ألف إسطاديون ، والإسطاديون مساحة أربعمائة ذراع ، وهي أربعة وعشرون ألف ميل ، فيكون ثمانية آلاف فرسخ بما فيها من الجبال والبحار والفيافي والغياض . قال : وغلظ الأرض ، وهو قطرها ، سبعة آلاف وستمائة وثلاثون ميلا ، تكون ألفين وخمسمائة فرسخ وأربعين فرسخا وثلثي فرسخ .
قال : فتكسير جميع بسيط الأرض مائة واثنان وثلاثون ألف ألف وستمائة ألف ميل ، يكون مائتي ألف وثمانية وثمانين ألف فرسخ . واختلفوا أيضا في كيفية عدد الأرضين ، قال الله عز وجل : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ . فاحتمل هذا أن يكون في العدد والأطباق ، فروي في بعض الأخبار أن بعضها فوق بعض ، وغلظ كل أرض مسيرة خمسمائة عام ، وقد عدد بعضهم لكل أرض أهلا على صفة وهيئة عجيبة ، وسمى كل أرض باسم خاص ، كما سمى كل سماء باسم خاص .
وعن عطاء بن يسار في قول الله عز وجل : الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ قال : في كل أرض آدم كآدمكم ، ونوح كنوحكم ، وإبراهيم كإبراهيمكم ، والله أعلم . وقالت القدماء : إن الأرض سبع على المجاورة والملاصقة ، فافتراق الأقاليم على المطابقة والمكابسة ، والمعتزلة من المسلمين يميلون إلى هذا القول ، ومنهم من يرى أن الأرض سبع على الارتفاع والانخفاض ، كدرج المراقي . واختلفوا في البحار والمياه والأنهار ، فروى المسلمون أن الله خلق البحر مرا زعاقا ، وأنزل من السماء الماء العذب ، كما قال الله تعالى : وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ .
وكل ماء عذب من بئر أو نهر ، من ذلك ، فإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكا معه طشت ، فجمع تلك المياه فردها إلى الجنة . ويزعم أهل الكتاب أن أربعة أنهار تخرج من الجنة : الفرات وسيحون وجيحون ودجلة ، وذلك أنهم يزعمون أن الجنة في مشارق الأرض . وأما كيفية وضع البحار في المعمورة ، فأحسن ما بلغني فيه ما حكاه أبو الريحان البيروني ، فقال : أما البحر الذي في مغرب المعمورة وعلى ساحل بلاد طنجة والأندلس ، فإنه سمي البحر المحيط ، وسماه اليونانيون أوقيانوس ، ولا يلجج فيه ، إنما يسلك بالقرب من ساحله ، وهو يمتد من عنده هذه البلاد نحو الشمال على محاذاة أرض الصقالبة ، ويخرج منه خليج عظيم في شمال الصقالبة ، ويمتد إلى قرب أرض بلغار بلاد المسلمين ، ويعرفونه ببحر ورنك ، وهم أمة على ساحله ، ثم ينحرف وراءهم نحو المشرق ، وبين ساحله وبين أقصى أرض الترك أرضون وجبال مجهولة خربة غير مسلوكة .
وأما امتداد البحر المحيط الغربي من أرض طنجة نحو الجنوب ، فإنه ينحرف على جنوب أرض سودان المغرب وراء الجبال المعروفة بجبال القمر التي تنبع منها عيون نيل مصر ، وفي سلوكه غزر لا تنجو منه سفينة . وأما البحر المحيط من جهة الشرق وراء أقاصي أرض الصين ، فإنه أيضا غير مسلوك ، ويتشعب منه خليج يكون منه البحر الذي يسمى في كل موضع من الأرض التي تحاذيه ، فيكون ذلك أولا بحر الصين ، ثم الهند ، وخرج منه خلجان عظام يسمى كل واحد منها بحرا على حدة ، كبحر فارس والبصرة ، الذي على شرقيه تيز ومكران ، وعلى غربيه في حياله فرضة عمان ، فإذا جاوزها بلغ بلاد الشحر التي يجلب منها الكندر ، ومر إلى عدن ، وانشعب منه هناك خليجان عظيمان ، أحدهما المعروف بالقلزم ، وهو ينعطف فيحيط بأرض العرب حتى تصير به كجزيرة ، ولأن الحبشة عليه بحذاء اليمن فإنه يسمى بهما ، فيقال لجنوبيه بحر الحبشة ، وللشمالي بحر اليمن ، ولمجموعهما بحر القلزم ، وإنما اشتهر بالقلزم ؛ لأن القلزم مدينة على منقطعه في أرض الشام حيث يستدق ويستدير عليه السائر على الساحل نحو أرض البجة . والخليج الآخر المقدم ذكره ، هو المعروف ببحر البربر ، يمتد من عدن إلى سفالة الزنج ، ولا يتجاوزها مركب لعظم المخاطرة فيه ويتصل بعدها ببحر أوقيانوس المغربي ، وفي هذا البحر من نواحي المشرق جزائر الرانج ، ثم جزائر الديبجات ، وقمير ، ثم جزائر الزابج ، ومن أعظم هذه الجزائر ، الجزيرة المعروفة بسرنديب ، ويقال لها بالهندية سنكاديب ، ومنها تجلب أنواع اليواقيت جميعها ، ومنها يجلب الرصاص القلعي ، وسربزه ومنها يجلب الكافور .
ثم في وسط المعمورة في أرض الصقالبة والروس ، بحر يعرف ببنطس عند اليونانيين ، وعندنا يعرف ببحر طرابزندة ، لأنها فرضة عليه ، ويخرج منه خليج يمر على سور مدينة القسطنطينية ، ولا يزال يتضايق حتى يقع في بحر الشام الذي على جنوبيه بلاد المغرب إلى الإسكندرية ومصر ، وبحذائها في الشمال أرض الأندلس والروم ، وينصب إلى البحر المحيط عند الأندلس في مضيق يذكر في الكتب بمعبرة هيرقلس ، ويعرف الآن بالزقاق ، يجري فيه ماؤه إلى البحر المحيط ، وفيه من الجزائر المعروفة قبرس ، وسامس ، ورودس ، وصقلية ، وأمثالها . وبالقرب من طبرستان بحر فرضة جرجان ، عليه مدينة آبسكون وبها يعرف ، ثم يمتد إلى طبرستان ، وأرض الديلم ، وشروان ، وباب الأبواب ، وناحية اللان ، ثم الخزر ، ثم نهر أتل الآتي إليه ، ثم ديار الغزية ، ثم يعود إلى آبسكون ، وقد سمي باسم كل بقعة حاذاها ، ولكن اشتهاره عندنا بالخزر ، وعند الأوائل بجرجان ، وسماه بطليموس بحر أرقانيا ، وليس يتصل ببحر آخر . فأما سائر المياه المجتمعة في مواضع من الأرض ، فهي مستنقعات وبطائح ، وربما سميت بحيرات ، كبحيرة أفامية ، وطبرية ، وزغر بأرض الشام ، وكبحيرة خوارزم وآبسكون بالقرب من برسخان .
وسترى من هذه الدائرة في الصورة التالية ما يدل على صورة ما ذكرناه بالتقريب . صورة واختلفوا في سبب ملوحة ماء البحر ، فزعم قوم أنه لما طال مكثه وألحت الشمس عليه بالإحراق ، صار مرا ملحا ، واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقية ما صفته الأرض من الرطوبة فغلظ . وزعم آخرون أن في البحر عروقا تغير ماء البحر ، فلذلك صار مرا زعاقا ، وزعم بعضهم أن الماء من الاستحالات ، فطعم كل ماء على طعم تربته .
واختلفوا في الجبال ، قال الله تعالى : وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ، وقال : ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا . وحكي عن بعض اليونان أن الأرض كانت في الابتداء تكفأ لصغرها ، وعلى طول الزمان تكاثفت وثبتت ، وهذا القول يصدقه القرآن لو أنه زاد فيه أنها تثبت بالجبال ، ومنهم من زعم أن الجبال عظام الأرض وعروقها . واختلفوا فيما تحت الأرض ، فزعم بعض القدماء أن الأرض يحيط بها الماء ، والماء يحيط به الهواء ، والهواء يحيط به النار ، والنار يحيط بها السماء الدنيا ، ثم الثانية ، ثم الثالثة ، إلى السابعة ، ثم يحيط بها فلك الكواكب الثابتة ، ثم فوق ذلك الفلك الأعظم المستقيم ، ثم فوقه عالم النفس ، وفوق عالم النفس عالم العقل ، وفوق عالم العقل الباري ، جلت عظمته ، ليس وراءه شيء .
فعلى هذا الترتيب ، إن السماء تحت الأرض كما هي فوقها . وفي أخبار قصاص المسلمين أشياء عجيبة تضيق بها صدور العقلاء ، أنا أحكي بعضها غير معتقد لصحتها : رووا أن الله تعالى خلق الأرض تكفأ كما تكفأ السفينة ، فبعث الله ملكا حتى دخل تحت الأرض ، فوضع الصخرة على عاتقه ، ثم أخرج يديه : إحداهما بالمشرق ، والأخرى بالمغرب ، ثم قبض على الأرضين السبع فضبطها ، فاستقرت ، ولم يكن لقدمه قرار ، فأهبط الله ثورا من الجنة له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة ، فجعل قرار قدمي الملك على سنامه ، فلم تصل قدماه إليه ، فبعث الله ياقوتة خضراء من الجنة ، مسيرها كذا ألف عام ، فوضعها على سنام الثور ، فاستقرت عليها قدماه ، وقرون الثور خارجة من أقطار الأرض ، مشبكة تحت العرش ، ومنخرر الثور في ثقبين من تلك الصخرة تحت البحر ، فهو يتنفس كل يوم نفسين ، فإذا تنفس مد البحر وإذا رده جزر ، ولم يكن لقوائم الثور قرار ، فخلق الله تعالى كمكما كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين ، فاستقرت عليها قوائم الثور ، ثم لم يكن للكمكم مستقر فخلق الله تعالى حوتا يقال له : بلهوت ، فوضع الكمكم على وبر ذلك الحوت ، والوبر الجناح الذي يكون في وسط ظهر السمكة ، وذلك الحوت على ظهر الريح العقيم ، وهو مزموم بسلسلة ، كغلظ السماوات والأرضين ، معقودة بالعرش . قالوا : ثم إن إبليس انتهى إلى ذلك الحوت ، فقال له : إن الله لم يخلق خلقا أعظم منك ، فلم لا تزلزل الدنيا ؟ فهم بشيء من ذلك ، فسلط الله عليه بقة في عينيه فشغلته ، وزعم بعضهم أن الله سلط عليه سمكة كالشطبة ، فهو مشغول بالنظر إليها ويهابها .
قالوا : وأنبت الله تعالى من تلك الياقوتة التي على سنام الثور ، جبل قاف ، فأحاط بالدنيا ، فهو من ياقوتة خضراء ، فيقال ، والله أعلم ، إن خضرة السماء منه ، ويقال : إن بينه وبين السماء قامة رجل ، وله رأس ووجه ولسان ، وأنبت الله تعالى من قاف الجبال ، وجعلها أوتادا للأرض كالعروق للشجر ، فإذا أراد الله - عز وجل - أن يزلزل بلدا ، أوحى الله إلى ذلك الملك : أن زلزل ببلد كذا ، فيحرك عرقا مما تحت ذلك البلد ، فيتزلزل ، وإذا أراد أن يخسف ببلد أوحى الله إليه : أن اقلب العرق الذي تحته ، فيقلبه فيخسف البلد . وزعم وهب بن منبه ، أن الثور والحوت يبتلعان ما ينصب من مياه الأرض ، فإذا امتلأت أجوافهما قامت القيامة . وقال آخرون : إن الأرض على الماء ، والماء على الصخرة ، والصخرة على سنام الثور ، والثور على كمكم من الرمل متلبد ، والكمكم على ظهر الحوت ، والحوت على الريح العقيم ، والريح على حجاب من الظلمة ، والظلمة على الثرى ، وإلى الثرى ينتهي علم الخلائق ، ولا يعلم ما وراء ذلك إلا الله .
قال الله تعالى : لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى . قال عبيد الله الفقير إليه مؤلف الكتاب : قد كتبنا قليلا من كثير مما حكي من هذا الباب ، وهاهنا اختلاف وتخليط لا يقف عند حد غير ما ذكرنا لا يكاد ذو تحصيل يسكن إليه ، ولا ذو رأي يعول عليه ، وإنما هي أشياء تكلم بها القصاص للتهويل على العامة ، على حسب عقولهم ، لا مستند لها من عقل ولا نقل ، وليس في هذا ما يعتمد عليه إلا خبر رواه أبو هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهو ما أخبرنا به حنبل بن عبد الله بن الفرج بن سعادة أبو علي المكبر البغدادي ، إذنا ، قال : أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحصين ، قال : حدثنا أبو علي الحسن بن علي بن محمد بن المذهب ، قال : حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي ، قراءة عليه ، فأقرأ به في سنة ست وستين وثلاثمائة ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل ، رحمه الله ، قال : حدثنا أبي ، حدثنا شريح ، حدثنا الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، قال : بينما نحن عند رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذ مرت سحابة ، فقال : أتدرون ما هذه فوقكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : هذه العنان ، وروايا الأرض ، يسوقه إلى من لا يشكره من عباده ، ولا يدعونه ربا .
أتدرون ما هذه فوقكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : الرقيع موج مكفوف ، وسقف محفوظ ، أتدرون كم بينكم وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : مسيرة خمسمائة عام .
ثم قال : أتدرون ما الذي فوقها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : سماء أخرى ، أتدرون كم بينكم وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : مسيرة خمسمائة عام ، حتى عد سبع سماوات ، ثم قال : أتدرون ما فوق ذلك ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم .
قال : العرش . ثم قال : أتدرون كم بينكم وبين السماء السابعة ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : مسيرة خمسمائة عام .
ثم قال : أتدرون ما هذه تحتكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : الأرض ، أتدرون ما تحتها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم . قال : أرض أخرى ، أتدرون كم بينكم وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم .
قال : مسيرة سبعمائة عام ، حتى عد سبع أرضين ، ثم قال : وايم الله لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى ، لهبط بكم على الله . ثم قرأ : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. قلت : وهذا حديث صحيح ، أخرجه أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ، عن عبد بن حميد ، عن يونس ، عن شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة ، عن الحسن البصري ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وفي لفظ الخبر اختلاف والمعنى واحد ، انتهى .