طبرستان
، وولى عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس البصرة ، فكتب إليهما مرزبان طوس يدعوهما إلى خراسان على أن يملكه عليها من غلب، وخرجا جميعا يريدانها فسبق ابن عامر فغزا سعيد بن العاصي طبرستان ومعه في غزاته فيما يقال الحسن والحسين - رضي الله عنهما، وقيل : إن سعيدا غزاها من غير أن يأتيه كتاب أحد بل سار إليها من الكوفة ففتح طميس أو طميسة، وهي قرية، وصالح ملك جرجان على مائتي ألف درهم بغلية وافية فكان يؤديها إلى المسلمين، وافتتح أيضا من طبرستان الرويان ودنباوند وأعطاه أهل الجبال مالا، فلما ولي معاوية ولى مصقلة بن هبيرة أحد بني ثعلبة بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة فسار إليها ومعه عشرون ألف رجل فأوغل في البلد يسبي ويقتل فلما تجاوز المضايق والعقاب أخذها عليه وعلى جيشه العدو عند انصرافه للخروج ودهدهوا عليه الحجارة والصخور من الجبال فهلك أكثر ذلك الجيش وهلك مصقلة فضرب الناس به مثلا فقالوا : لا يكون هذا حتى يرجع مصقلة من طبرستان، فكان المسلمون بعد ذلك إذا غزوا هذه البلاد تحفظوا وتحذروا من التوغل فيها، حتى ولي يزيد بن المهلب خراسان في أيام سليمان بن عبد الملك وسار حتى أناخ على طبرستان فاستجاش الأصبهبذ الديلم فأنجدوه وقاتله يزيد أياما ، ثم صالحه على أربعة آلاف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم مثاقيل في كل عام وأربعمائة وقر زعفران وأن يوجهوا في كل عام أربعمائة رجل على رأس كل رجل ترس وجام فضة ونمرقة حرير، وفتح يزيد الرويان ودنباوند ولم يزل أهل طبرستان ، يؤدون هذا الصلح مرة ويمتنعون أخرى إلى أيام مروان بن محمد ، فإنهم نقضوا ومنعوا ما كانوا يحملونه، فلما ولي السفاح وجه إليهم عاملا فصالحوه على مال ثم غدروا وقتلوا المسلمين، وذلك في خلافة المنصور، فوجه المنصور إليهم خازم بن خزيمة التميمي ، وروح بن حاتم المهلبي ومعهما مرزوق أبو الخصيب ، فنزلوا على طبرستان وجرت مدافعات صعب معها بلوغ غرض وضاق عليهم الأمر فواطأ أبو الخصيب خازما وروحا على أن ضرباه وحلقا رأسه ولحيته ليوقع الحيلة على الأصبهبذ فركن إلى ما رأى من سوء حاله واستخصه حتى أعمل الحيلة وملك البلد، وكان عمرو بن العلاء الذي يقول فيه بشار بن برد : إذا أيقظتك حروب العدى فنبه لها عمرا ثم نم جزارا من أهل الري فجمع جمعا وقاتل الديلم ، فأبلى بلاء حسنا فأوفده جهور بن مرار العجلي إلى المنصور ، فقوده وجعل له منزلة ، وتراقت به الأمور حتى ولي طبرستان واستشهد في خلافة المهدي، ثم افتتح موسى بن حفص بن عمرو بن العلاء ومازيار بن قارن جبال شروين من طبرستان، وهي من أمنع الجبال وأصعبها، وذلك في أيام المأمون، فولى المأمون عند ذلك بلاد طبرستان المازيار وسماه محمدا وجعل له مرتبة الأصبهبذ فلم يزل واليا عليها حتى توفي المأمون واستخلف المعتصم فأقره عليها ولم يعزله ، فأقام على الطاعة مدة ، ثم غدر وخالف وذلك بعد ست سنين من خلافة المعتصم فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر ، وهو عامله على المشرق خراسان والري وقومس وجرجان يأمره بمحاربته، فوجه إليه عبد الله الحسن بن الحسين في جماعة من رجال خراسان ، ووجه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب في جماعة من الجند، فلما قصدته العساكر خرج إلى الحسن بن الحسين بغير عهد ولا عقد فأخذه وحمله إلى سر من رأى في سنة 225 ، فضرب بالسياط بين يدي المعتصم ، حتى مات وصلب بسر من رأى مع بابك الخرمي على العقبة التي بحضرة مجلس الشرطة ، وتقلد عبد الله بن طاهر طبرستان، وكان ممن ذكرنا جماعة من الولاة من قبل بني العباس لم يكن منهم حادثة ، ولم يتحقق أيضا عندنا وقت ولاية كل واحد منهم، ثم وليها بعد عبد الله بن طاهر ابنه طاهر بن عبد الله وخلفه عليها أخوه سليمان بن عبد الله بن طاهر فخرج عليه الحسن بن زيد العلوي الحسني في سنة 249 ، فأخرجه عنها ، وغلب عليها إلى أن مات وقام مقامه أخوه محمد بن زيد، وقد ذكرت قصة هؤلاء الزيدية في كتاب المبدإ والمآل مشبعا على نسق، وقال علي بن زين الطبري كاتب المازيار وكان حكيما فاضلا له تصانيف في الأدب والطب والحكمة، قال : كان في طبرستان طائر يسمونه ككم يظهر في أيام الربيع ، فإذا ظهر تبعه جنس من العصافير موشاة الريش فيخدمه كل يوم واحد منها نهاره أجمع يجيئه بالغذاء ويزقه به ، فإذا كان في آخر النهار وثب على ذلك العصفور فأكله حتى إذا أصبح وصاح جاءه آخر من تلك العصافير ، فكان معه على ما ذكرنا ، فإذا أمسى أكله فلا يزال على هذا مدة أيام الربيع ، فإذا زال الربيع فقد هو وسائر أشكاله ، وكذلك أيضا ذلك الجنس من العصافير ، فلا يرى شيء من الجميع إلى قابل في ذلك الوقت، وهو طائر في قدر الفاختة وذنبه مثل ذنب الببغاء وفي منسره تعقيف، هكذا وجدته وحققته .