حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ بغداد

فصل

فصل قد ذكرنا فيما تقدم القول بأن السواد في الجملة فتح عنوة وصار غنيمة للمسلمين ، فقال بعض أهل العلم : لما لم يقسم ووقف صار بيعه لا يصح ، ويؤيد هذا قول عمر بن الخطاب لطلحة بن عبيد الله وعتبة بن فرقد . أما قوله لطلحة ؛ فأخبرنا الحسين بن شجاع الصوفي ، قال : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الصواف ، قال : حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة ؛ قالا : أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن حسن ، عن مطرف ، عن بعض أصحابه ، قال : اشترى طلحة بن عبيد الله أرضا من النشاستك ، نشاستك بني طلحة ، هذا الذي عند السيلحين . فأتى عمر بن الخطاب فذكر ذلك له ، فقال : إني اشتريت أرضا معجبة .

فقال له عمر : ممن اشتريتها ؟ اشتريتها من أهل الكوفة ؟ اشتريتها من أهل القادسية ؟ قال طلحة : وكيف أشتريها من أهل القادسية كلهم ؟ قال : إنك لم تصنع شيئا إنما هي فيء . وأما قوله لعتبة ؛ فأخبرنا محمد بن أحمد بن رزق وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ؛ قالا : حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار ، قال : حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، عن عبد السلام بن حرب ، عن بكير بن عامر ، عن عامر ، قال : اشترى عتبة بن فرقد أرضا من أرض الخراج ، ثم أتى عمر فأخبره ، فقال : ممن اشتريتها ؟ قال : من أهلها . قال : فهؤلاء أهلها المسلمون أبعتموه شيئا ؟ قالوا : لا .

قال : فاذهب فاطلب مالك . وأخبرنا ابن رزق وابن بشران ؛ قالا : حدثنا إسماعيل بن محمد ، قال : حدثنا الحسن ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا قيس ، عن أبي إسماعيل ، عن الشعبي ، عن عتبة بن فرقد ، قال : اشتريت عشرة أجربة من أرض السواد على شاطئ الفرات لقضب لدوابي ، فذكرت ذلك لعمر ، فقال لي : اشتريتها من أصحابها ؟ قلت : نعم . قال : رح إلي ، فرحت إليه ، فقال : يا هؤلاء أبعتموه شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : ابتغ مالك حيث وضعته .

وقال قوم : بل السواد ملك لأهله ؛ لأن عمر أقره في أيديهم وفرض الخراج عليهم . وقال قوم : باعهم عمر الأرض بالخراج ، فلهم رقاب الأرض يتوارثونها ويتبايعونها . واحتجوا على ذلك بما أخبرنا القاضي أبو الفرج محمد بن أحمد بن الحسن الشافعي ، قال : حدثنا أحمد بن يوسف بن خلاد المعدل ، قال : حدثنا محمد بن يونس ، قال : حدثنا عبد الله بن داود الخريبي ، قال : كان الحسن والحسين لا يريان بأسا بأرض الخراج .

وأخبرنا ابن رزق وابن بشران ؛ قالا : أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، قال : حدثنا الحسن بن علي ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا حسن بن صالح ، عن ابن أبي ليلى ، قال : اشترى الحسن بن علي ملحة أو ملحا ، واشترى الحسين شريدين من أرض الخراج ، وقال : قد رد إليهم عمر أرضيهم وصالحهم على الخراج الذي وضعه عليهم . قال : وكان ابن أبي ليلى لا يرى بشرائها بأسا . أخبرنا عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ، قال : أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، قال : حدثنا الحسن بن علي بن عفان ، قال : حدثنا يحيى بن آدم ، قال : حدثنا ابن المبارك ، عن سفيان بن سعيد ، قال : إذا ظهر على بلاد العدو فالإمام بالخيار إن شاء قسم البلاد والأموال والسبي بعدما يخرج الخمس من ذلك ، وإن شاء من عليهم فترك الأرض والأموال فكانوا ذمة للمسلمين كما صنع عمر بن الخطاب بأهل السواد .

فإن تركهم صاروا عهدا توارثوا وباعوا أرضهم . قال يحيى : وسمعت حفص بن غياث يقول : تباع ويقضى بها الدين وتقسم في المواريث . أخبرنا الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا عبد الله بن إسحاق ، قال : حدثنا علي بن عبد العزيز ، قال : قال أبو عبيد : ومع هذا كله إنه قد تسهل في الدخول في أرض الخراج أئمة يقتدى بهم ، ولم يشترطوا عنوة ولا صلحا ، منهم من الصحابة عبد الله بن مسعود ، ومن التابعين محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز ، وكان ذلك رأي سفيان الثوري فيما يحكى عنه .

أما حديث ابن مسعود ؛ فأخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي بنيسابور ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، قال : حدثنا أبو عمر أحمد بن عبد الجبار العطاردي ، قال : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش . وأخبرناه أبو الحسن محمد بن أحمد بن رزق البزاز ، قال : أخبرنا عثمان بن أحمد الدقاق ، قال : حدثنا محمد بن عبيد الله المنادي ، قال : أخبرنا أبو بدر ، قال : حدثنا سليمان بن مهران ، وهو الأعمش ، عن شمر ابن عطية ، عن المغيرة بن سعد بن الأخرم ، عن أبيه ، قال : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا . قال عبد الله : وبراذان ما براذان ، وبالمدينة ما بالمدينة .

فقد ذكر ابن مسعود في هذا الحديث أن له براذان مالا . أخبرنا أبو أحمد عبد الله بن عبيد الله بن أحمد الدقاق وأبو محمد عبد الله بن يحيى السكري قالا : أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الحجاج ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، قال : اشترى عبد الله أرضا من أرض الخراج ، قال : فقال له صاحبها ، يعني دهقانها : أنا أكفيك إعطاء خراجها والقيام عليها . وأما حديث ابن سيرين ؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا عبد الله بن إسحاق البغوي ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثني قبيصة ، عن سفيان ، عن عبد العزيز بن قرير ، عن ابن سيرين : أنه كانت له أرض من أرض الخراج ، فكان يعطيها بالثلث والربع .

وأما حديث عمر بن عبد العزيز ؛ فأخبرناه الحسن بن أبي بكر ، قال : أخبرنا عبد الله بن إسحاق ، قال : أخبرنا علي بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو عبيد ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، عن رجاء أبي المقدام ، عن نعيم بن عبد الله : أن عمر بن عبد العزيز أعطاه أرضا بجزيتها . قال عبد الرحمن : يعني من أرض السواد . قال أبو عبيد : وكأن عمر بن عبد العزيز تأول الرخصة في أرض الخراج أن الجزية التي قال الله تعالى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ إنما هي على الرؤوس لا على الأرض ، وكذلك يروى عنه .

قال أبو عبيد : وكان يقول : فالداخل في أرض الجزية ليس يدخل في هذه الآية . قال أبو عبيد : وقد احتج قوم من أهل الرخصة بإقطاع عثمان من أقطع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالسواد ، والذي يروى عن سفيان أنه قال : إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها ، فهذا يبين لك أن رأيه الرخصة فيها . قال أبو عبيد : وإنما كان اختلافهم في الأرضين المغلة التي يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر ، فأما المساكن والدور بأرض السواد فما علمنا أحدا كره شراءها وحيازتها وسكناها ، قد اقتسمت الكوفة خططا في زمن عمر بن الخطاب وهو أذن في ذلك ، ونزلها من أكابر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال منهم : سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار ، وحذيفة ، وسلمان ، وخباب ، وأبو مسعود ، وغيرهم .

ثم قدمها علي عليه السلام فيمن معه من الصحابة فأقام بها خلافته كلها ، ثم كان التابعون بعد بها ، فما بلغنا أن أحدا منهم ارتاب بها ولا كان في نفسه منها شيء بحمد الله ونعمته ، وكذلك سائر السواد . والحديث في هذا أكثر من أن يحصى . أخبرنا أبو القاسم الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى القرشي .

وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه الخزاز ، قالا : أخبرنا أحمد بن جعفر أبو الحسين ، قال : كان فيما حدثني عن العباس بن عبد الله الترقفي قال : حدثني علي بن الصباح ابن أخت الهروي ، قال : أتيت عبد الله بن داود الخريبي فسألته عن سكنى بغداد ، قال : وما بأس . قلت له : فإن سفيان الثوري كان لا يدخلها . فقال : كان سفيان يكره جوار القوم وقربهم .

قلت : فابن المبارك يقولون : إنه كان كلما دخلها تصدق بدينار . فقال : ومن يصحح هذا لنا عن ابن المبارك ؟ قلت : فشعيب بن حرب ، والفضيل بن عياض . فقال : لم تذكر لنا فقيها بعد .

قلت : فما تقول في أرض السواد ؟ فقال : خذ بيدك من اتخذ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أرض السواد ، اتخذ بها سعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وحذيفة ، وسلمان الفارسي ، وأنس بن مالك . قال الترقفي : وسمعت الحسن بن الربيع البوراني قال : قيل لابن المبارك : إن الناس يقولون : إنك كلما دخلت بغداد تصدقت بدينار . فقال : إن دنانيرنا إذا لكثيرة .

قال أبو الحسين أحمد بن جعفر : وهذا احتجاز من ابن المبارك وليس هو بجواب سؤال السائل ، وكأنه كره المراجعة فاستعمل المحاجزة ، وإلا فإن المشهور عنه فيها التغليظ والذم الصريح والصدقة إذا دخلها مجتازا غير مختار ، وقد ذكر عنه في ذم ساكنيها مع الكلام أشعار . فمنها ما أخبرته عن أبي الحسن محمد بن محمد المعروف بحبش بن أبي الورد قال : قال ابن المبارك يذم الناسك الذي يسكن بغداد [ من الخفيف ] : أيها الناسك الذي لبس الصو ف وأضحى يعد في العباد الزم الثغر والتعبد فيه ليس بغداد مسكن الزهاد إن بغداد للملوك محل ومناخ للقارئ الصياد أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي ، قال : حدثنا محمد بن العباس الخزاز ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ، قال : حدثنا أبو زكريا يحيى بن أيوب العابد ، قال : شهدت معروفا ، يعني الكرخي ، ورجل عنده فذكر أن بغداد غصب ، فقال له معروف : يا هذا اتق الله ، احفظ لسانك ما نعرف شيئا غصب . أخبرنا محمد بن علي الوراق وأحمد بن علي التوزي القاضي المحتسب ؛ قالا : حدثنا محمد بن جعفر بن هارون الكوفي ، قال : حدثنا الحسن بن محمد السكوني ، قال : حدثنا محمد بن خلف ، قال : زعم عبد الله بن أبي سعد ، قال : حدثني أحمد بن حميد بن جبلة ، قال : حدثني أبي ، عن جدي جبلة ، قال : كانت مدينة أبي جعفر قبل بنائها مزرعة للبغداديين يقال لها : المباركة ، وكانت لستين نفسا من البغداديين فعوضهم منها عوضا أرضاهم ، فأخذ جدي جبلة قسمه منهم .

وكان شارع طريق الأنبار لأهل قرية بباب الشام يسمون الترابنة . قال : وقال ابن أبي سعد ، عن أبيه ، قال : سمعت السري بن الحكم ، وأظنه من بجيلة ، يزعم أن المنصور كان ابتاع منه ما بين قنطرة البردان إلى الجسر ، وأنه لم يقبض ثمن ذلك منه ، وأن حد أرضه من الجسر حتى ينتهي إلى قرية تعرف بالأثلة على فرسخ من الجانب الشرقي ، ومنزله بالحطمية على ميلين من بغداد ، ورفع في ذلك إلى الرشيد وإلى المأمون فلم يعطياه . قلت : وفي حديثي ابن أبي سعد هذين إبطال لقول من زعم أن بغداد دار غصب ، ودحض لزعمه وكسر لدعواه .

وقد قدمنا القول عمن حكيناه عنه في إجازة بيع أرض السواد ، ويحصل منه أن أرض بغداد ملك لأربابها ، يصح أن تورث وتستغل وتباع ، وعلى ذلك كان من أدركنا من العلماء والقضاة والشهود والفقهاء ، لا يكرهون الشهادة في مبيع ، ولا يتوقفون عن الحكم في موروث ، وبهم يقتدى فيما وقع التنازع فيه ، وحكمهم هو الحجة على مخالفيه . مع ما أخبرنا أبو القاسم الأزهري ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد بن موسى . وأخبرنا الحسن بن علي الجوهري ، قال : أخبرنا محمد بن العباس بن حيويه ؛ قالا : أخبرنا أحمد بن جعفر ابن المنادي ، قال : سأل رجل أحمد بن محمد بن حنبل عن العقار الذي كان يستغله ويسكن في دار منه ، كيف سبيله عنده ؟ فقال له : هذا شيء ورثته عن أبي ؛ فإن جاءني أحد فصحح أنه له خرجت عنه ودفعته إليه .

موقع حَـدِيث