حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ بغداد

ذكر دار الخلافة والقصر الحسني والتاج

ذكر دار الخلافة والقصر الحسني والتاج حدثني أبو الحسين هلال بن المحسن ، قال : كانت دار الخلافة التي على شاطئ دجلة تحت نهر معلى قديما للحسن بن سهل ، وتسمى القصر الحسني . فلما توفي صارت لبوران بنته ، فاستنزلها المعتضد بالله عنها فاستنظرته أياما في تفريغها وتسليمها ، ثم رمتها وعمرتها وجصصتها وبيضتها وفرشتها بأجل الفرش وأحسنه ، وعلقت أصناف الستور على أبوابها ، وملأت خزائنها بكل ما يخدم الخلفاء به ، ورتبت فيها من الخدم والجواري ما تدعو الحاجة إليه ، فلما فرغت من ذلك انتقلت ، وراسلته بالانتقال ، فانتقل المعتضد إلى الدار ووجد ما استكثره واستحسنه . ثم استضاف المعتضد بالله إلى الدار مما جاورها كل ما وسعها به وكبرها ، وعمل عليها سورا جمعها به وحصنها .

وقام المكتفي بالله بعده ببناء التاج على دجلة ، وعمل وراءه من القباب والمجالس ما تناهى في توسعته وتعليته . ووافى المقتدر بالله فزاد في ذلك ، وأوفى مما أنشأه واستحدثه . وكان الميدان والثريا وحير الوحوش متصلا بالدار .

قلت : كذا ذكر لي هلال بن المحسن أن بوران سلمت الدار إلى المعتضد ، وذلك غير صحيح ؛ لأن بوران لم تعش إلى وقت المعتضد ، وذكر محمد بن أحمد بن مهدي الإسكافي في تاريخه أنها ماتت في سنة إحدى وسبعين ومائتين وقد بلغت ثمانين سنة ، ويشبه أن تكون سلمت الدار إلى المعتمد على الله ، والله أعلم . حدثني القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي ، قال : حدثني أبو الفتح أحمد بن علي بن هارون المنجم ، قال : حدثني أبي ، قال : قال أبو القاسم علي بن محمد بن الحواري في بعض أيام المقتدر بالله ، وقد جرى حديثه وعظم أمره وكثرة الخدم في داره : قد اشتملت الجريدة إلى هذا الوقت على أحد عشر ألف خادم خصي ، وكذا من صقلبي ورومي وأسود . وقال : هذا جنس واحد ممن تضمه الدار ، فدع الآن الغلمان الحجرية وهم ألوف كثيرة ، والحواشي من الفحول .

وقال أيضا : حدثني أبو الفتح ، عن أبيه وعمه ، عن أبيهما أبي القاسم علي بن يحيى : أنه كانت عدة كل نوبة من نوب الفراشين في دار المتوكل على الله أربعة آلاف فراش . قالا : فذهب علينا أن نسأله كم نوبة كانوا . حدثني أبو الحسين هلال بن المحسن ، قال : حدثني أبو نصر خواشاذة خازن عضد الدولة ، قال : طفت دار الخلافة ، عامرها وخرابها وحريمها وما يجاورها ويتاخمها ، فكان ذلك مثل مدينة شيراز .

قال هلال : وسمعت هذا القول من جماعة آخرين عارفين خبيرين . ولقد ورد رسول لصاحب الروم في أيام المقتدر بالله ، ففرشت الدار بالفروش الجميلة ، وزينت بالآلات الجليلة ، ورتب الحجاب وخلفاؤهم والحواشي على طبقاتهم ، على أبوابها ودهاليزها وممراتها ومخترقاتها وصحونها ومجالسها ، ووقف الجند صفين بالثياب الحسنة ، وتحتهم الدواب بمراكب الذهب والفضة ، وبين أيديهم الجنائب على مثل هذه الصورة . وقد أظهروا العدد الكثيرة والأسلحة المختلفة ، فكانوا من أعلى باب الشماسية إلى قريب من دار الخلافة ، وبعدهم الغلمان الحجرية والخدم الخواص الدارية والبرانية إلى حضرة الخليفة ، بالبزة الرائقة والسيوف والمناطق المحلاة .

وأسواق الجانب الشرقي وشوارعه وسطوحه ومسالكه مملوءة بالعامة النظارة ، وقد اكتري كل دكان وغرفة مشرفة بدراهم كثيرة ، وفي دجلة الشذاءات والطيارات والزبازب والدلالات والسميريات ، بأفضل زينة وأحسن ترتيب وتعبئة . وسار الرسول ومن معه من المواكب إلى أن وصلوا إلى الدار ، ودخل الرسول فمر به على دار نصر القشوري الحاجب . ورأى ضففا كثيرا ومنظرا عظيما ، فظنه الخليفة ، وتداخلته له هيبة وروعة ، حتى قيل له : إنه الحاجب ، وحمل من بعد ذلك إلى الدار التي كانت برسم الوزير ، وفيها مجلس أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات يومئذ ، فرأى أكثر مما رآه لنصر الحاجب ولم يشك في أنه الخليفة ، حتى قيل له : هذا الوزير ؛ وأجلس بين دجلة والبساتين في مجلس قد علقت ستوره واختيرت فروشه ، ونصبت فيه الدسوت ، وأحاط به الخدم بالأعمدة والسيوف .

ثم استدعي ، بعد أن طيف به في الدار ، إلى حضرة المقتدر بالله ، وقد جلس وأولاده من جانبيه ، فشاهد من الأمر ما هاله . ثم انصرف إلى دار قد أعدت له . وحدثني الوزير أبو القاسم علي بن الحسن المعروف بابن المسلمة ، قال : حدثني أمير المؤمنين القائم بأمر الله ، قال : حدثني أمير المؤمنين القادر بالله ، قال : حدثتني جدتي أم أبي إسحاق بن المقتدر بالله : أن رسول ملك الروم لما وصل إلى تكريت أمر أمير المؤمنين المقتدر بالله باحتباسه هناك شهرين ، ولما وصل إلى بغداد أنزل دار صاعد ، ومكث شهرين لا يؤذن له في الوصول ، حتى فرغ المقتدر من تزيين قصره وترتيب آلته فيه .

ثم صف العسكر من دار صاعد إلى دار الخلافة ، وكان عدد الجيش مائة وستين ألف فارس وراجل ، فسار الرسول بينهم إلى أن بلغ إلى الدار ثم أدخل في أزج تحت الأرض ، فسار فيه حتى مثل بين يدي المقتدر بالله وأدى رسالة صاحبه ، ثم رسم أن يطاف به في الدار وليس فيها من العسكر أحد البتة ، وإنما فيها الخدم والحجاب والغلمان السودان ، وكان عدد الخدم إذ ذاك سبعة آلاف خادم ، منهم أربعة آلاف بيض ، وثلاثة آلاف سود ، وعدد الحجاب سبعمائة حاجب ، وعدد الغلمان السودان غير الخدم أربعة آلاف غلام . قد جعلوا على سطوح الدار والعلالي ، وفتحت الخزائن والآلات فيها مرتبة كما يفعل بخزائن العرائس ، وقد علقت الستور ، ونظم جوهر الخلافة في قلابات على درج غشيت بالديباج الأسود . ولما دخل الرسول إلى دار الشجرة ورآها كثر تعجبه منها ، وكانت شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم ، عليها أطيار مصوغة من الفضة تصفر بحركات قد جعلت لها ، فكان تعجب الرسول من ذلك أكثر من تعجبه من جميع ما شاهده .

قال لي هلال بن المحسن الكاتب : ووجدت من شرح ذلك ما ذكر كاتبه أنه نقله من خط القاضي أبي الحسين ابن أم شيبان الهاشمي ، وذكر أبو الحسين أنه نقله من خط الأمير ، وأحسبه الأمير أبا محمد الحسن بن عيسى بن المقتدر بالله ، قال : كان عدد ما علق في قصور أمير المؤمنين المقتدر بالله من الستور الديباج المذهبة بالطرز المذهبة الجليلة ، المصورة بالجامات والفيلة والخيل والجمال والسباع والطرد ، والستور الكبار البصنائية والأرمنية والواسطية والبهنسية السواذج والمنقوشة ، والدبيقية المطرزة ، ثمانية وثلاثين ألف ستر ، منها الستور الديباج المذهبة المقدم وصفها اثنا عشر ألفا وخمسمائة ستر ، وعدد البسط والنخاخ الجهرمية والدرابجردية والدورقية في الممرات والصحون التي وطئ عليها القواد ورسل صاحب الروم ، من حد باب العامة الجديد إلى حضرة المقتدر بالله ، سوى ما في المقاصير والمجالس من الأنماط الطبري والدبيقي التي تحتها ، للنظر دون الدوس : اثنان وعشرون ألف قطعة . وأدخل رسل صاحب الروم من دهليز باب العامة الأعظم إلى الدار المعروفة بخان الخيل ، وهي دار أكثرها أروقة بأساطين رخام ، وكان فيها من الجانب الأيمن خمسمائة فرس عليها خمسمائة مركب ذهبا وفضة بغير أغشية ، ومن الجانب الأيسر خمسمائة فرس عليها الجلال الديباج بالبراقع الطوال ، وكل فرس في يدي شاكري بالبزة الجميلة . ثم أدخلوا من هذه الدار إلى الممرات والدهاليز المتصلة بحير الوحش ، وكان في هذه الدار من أصناف الوحش التي أخرجت إليها من الحير قطعان تقرب من الناس وتتشممهم وتأكل من أيديهم .

ثم أخرجوا إلى دار فيها أربعة فيلة مزينة بالديباج والوشي ، على كل فيل ثمانية نفر من السند والزراقين بالنار ، فهال الرسل أمرها . ثم أخرجوا إلى دار فيها مائة سبع خمسون يمنة وخمسون يسرة ، كل سبع منها في يد سباع وفي رؤوسها وأعناقها السلاسل والحديد . ثم أخرجوا إلى الجوسق المحدث ، وهي دار بين بساتين في وسطها بركة رصاص قلعي ، حواليها نهر رصاص قلعي أحسن من الفضة المجلوة ، طول البركة ثلاثون ذراعا في عشرين ذراعا ، فيها أربع طيارات لطاف بمجالس مذهبة مزينة بالدبيقي المطرز وأغشيتها دبيقي مذهب .

وحوالي هذه البركة بستان بميادين فيه نخل ، قيل : إن عدده أربعمائة نخلة ، وطول كل واحدة خمسة أذرع ، قد لبس جميعها ساجا منقوشا من أصلها وإلى حد الجمارة بحلق من شبه مذهبة ، وجميع النخل حامل بغرائب البسر الذي أكثره خلال لم يتغير . وفي جوانب البستان أترج حامل ودستنبوا ومقفع وغير ذلك . ثم أخرجوا من هذه الدار إلى دار الشجرة ، وفيها شجرة في وسط بركة كبيرة ، مدورة فيها ماء صاف ، وللشجرة ثمانية عشر غصنا لكل غصن منها شاخات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة ، وأكثر قضبان الشجرة فضة ، وبعضها مذهب .

وهي تتمايل في أوقات ، ولها ورق مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق الشجر ، وكل من هذه الطيور يصفر ويهدر . وفي جانب الدار يمنة البركة تماثيل خمسة عشر فارسا على خمسة عشر فرسا قد ألبسوا الديباج وغيره ، وفي أيديهم مطارد على رماح يدورون على خط واحد في الناورد خببا وتقريبا ، فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد . وفي الجانب الأيسر مثل ذلك .

ثم أدخلوا إلى القصر المعروف بالفردوس ، فكان فيه من الفرش والآلات ما لا يحصى ولا يحصر كثرة ، وفي دهاليز الفردوس عشرة آلاف جوشن مذهبة معلقة . ثم أخرجوا منه إلى ممر طوله ثلاثمائة ذراع ، قد علق من جانبيه نحو من عشرة آلاف درقة وخوذة وبيضة ودرع وزردية وجعبة محلاة وقسي ، وقد أقيم نحو ألفي خادم بيضا وسودا صفين يمنة ويسرة . ثم أخرجوا بعد أن طيف بهم ثلاثة وعشرين قصرا إلى الصحن التسعيني وفيه الغلمان الحجرية ، بالسلاح الكامل ، والبزة الحسنة ، والهيئة الرائقة ، وفي أيديهم الشروخ والطبرزينات والأعمدة .

ثم مروا بمصاف من علية السواد من خلفاء الحجاب الجند والرجالة وأصاغر القواد ، ودخلوا دار السلام . وكانت عدة كثيرة من الخدم والصقالبة في سائر القصور ، يسقون الناس الماء المبرد بالثلج والأشربة والفقاع ، ومنهم من كان يطوف مع الرسل ، فلطول المشي بهم جلسوا واستراحوا في سبعة مواضع واستسقوا الماء فسقوا . وكان أبو عمر عدي بن أحمد بن عبد الباقي الطرسوسي ، صاحب السلطان ورئيس الثغور الشامية ، معهم في كل ذلك ، وعليه قباء أسود وسيف ومنطقة .

ووصلوا إلى حضرة المقتدر بالله وهو جالس في التاج مما يلي دجلة ، بعد أن لبس الثياب الدبيقية المطرزة بالذهب على سرير آبنوس قد فرش بالدبيقي المطرز بالذهب ، وعلى رأسه الطويلة ، وعن يمنة السرير تسعة عقود مثل السبح معلقة ، ومن يسرته سبعة أخرى من أفخر الجواهر وأعظمها قيمة غالبة الضوء على ضوء النهار ، وبين يديه خمسة من ولده ثلاثة يمنة واثنان يسرة . ومثل الرسول وترجمانه بين يدي المقتدر بالله ، فكفر له . وقال الرسول لمؤنس الخادم ونصر القشوري ، وكانا يترجمان عن المقتدر : لولا أني لا آمن أن يطالب صاحبكم بتقبيل البساط لقبلته ، ولكني فعلت ما لا يطالب رسولكم بمثله ؛ لأن التكفير من رسم شريعتنا .

ووقفا ساعة ؛ وكانا شابا وشيخا ، فالشاب الرسول المتقدم ، والشيخ الترجمان . وقد كان ملك الروم عقد الأمر في الرسالة للشيخ متى حدث بالشاب حدث الموت . وناوله المقتدر بالله من يده جواب ملك الروم ، وكان ضخما كبيرا فتناوله وقبله إعظاما له ، وأخرجا من باب الخاصة إلى دجلة ، وأقعدا وسائر أصحابهما في شذا من الشذوات الخاصة وصاعدا إلى حيث أنزلا فيه من الدار المعروفة بصاعد ، وحمل إليهما خمسون بدرة ورقا ، في كل بدرة خمسة آلاف درهم ، وخلع على أبي عمر عدي الخلع السلطانية ، وحمل على فرس بمركب ، وركب على الظهر ، وكان ذلك في سنة خمس وثلاثمائة .

موقع حَـدِيث