محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب
محمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب . كان فاضلا أديبا ، وعاقلا لبيبا ، مشهورا بالسخاء والجود والمروءة ، وكان له اختصاص بأبي جعفر المنصور ؛ فأخبرني عبيد الله بن أبي الفتح ، قال : أخبرنا أحمد بن إبراهيم البزاز ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة ، قال : أخبرني أبو العباس المنصوري ، عن يحيى بن زكريا مولى علي بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : كان المنصور يعجب لمحمد بن جعفر بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب ، يؤانسه ويفاوضه ويداعبه ويلتذ بمحادثته ، وكان أديبا لبيبا لسنا ، وكان لحسن منزلته من المنصور وعظيم قدره عنده يفزع إليه الناس في حوائجهم ، فيكلمه فيها فيقضيها حتى أكثر عليه من الحوائج وأفرط ، فأمر الربيع أن يحجبه فلما حجبه قعد في منزله أياما ، فظمئ المنصور إلى رؤيته وقرم إلى محادثته ، فقال : يا ربيع ، إن جميع لذات مولاك قد أخلقن عنده ، ورثثن في عينه ، سوى لذته من محادثة محمد بن جعفر فإنها تجدد عنده في كل يوم وليلة ، وقد كدرها علي بكثرة ما يحملني عليه من حوائج الناس ، فاحتمل لمولاك فيما كدر عليه من لذته ، فقال الربيع : أفعل يا أمير المؤمنين ، وخرج من عنده فأتى محمد بن جعفر فعاتبه على ما يحمل المنصور عليه من حوائج الناس وسأله إعفاءه من ذلك ، فنضح عن نفسه فيما عاتبه عليه ، وأجابه إلى أن لا يسأله حاجة لأحد ، فأمره بالغدو على المنصور ورجع إلى المنصور فأعلمه ذلك ، وبلغ قوما من قريش قدموا العراق لحوائجهم ما كان من أمر محمد بن جعفر ومن الربيع وأنه عازم على الغدو على المنصور ، وكتبوا حوائجهم في رقاع ووقفوا بها على طريق محمد بن جعفر ، فلما غدا يريد المنصور عرضوا له بها ومتوا إليه بقراباتهم وتوسلوا بأرحامهم ، وسألوه إيصال رقاعهم والتماس نجاح ما فيها ، فاعتذر إليهم وسألهم أن يعفوه من ذلك فأبوا أن يقبلوا ذلك منه ، وألحوا عليه ، فقال : لست أكلم المنصور في حاجة لأحد من الناس ، فإن أحببتم أن تودعوا رقاعكم كمي فافعلوا ، فقذفوا رقاعهم في كمه ومضى حتى دخل على المنصور وهو في الخضراء مشرف على مدينة السلام ودجلة والصراة وما حولهما من البساتين والمزارع ، فعاتبه فنضح عن نفسه ثم حادثه ساعة ، قال له المنصور : أما ترى حسن مستشرفنا هذا ، قال : أرى يا أمير المؤمنين ، فبارك الله لك فيما آتاك ، وهنأك بإتمام النعمة عليك ما أعطاك ، فما بنت العرب في دولة الإسلام ولا العجم في مدة الكفر مدينة أحصن ولا أحسن ولا أجمع للخصال المحمودة منها ، وقد سمجتها في عيني يا أمير المؤمنين خصلة ، قال : وما هي ؟ قال : ليس لي فيها ضيعة ، فتبسم ثم قال : فإني أحسنها في عينيك بثلاث ضياع أقطعك في أكنافها فاغد على أمير المؤمنين يسجل لك بها ، فقال : أنت والله يا أمير المؤمنين سهل الموارد ، كريم المصادر ، فجعل الله باقي عمرك أكثر من ماضيه ، فقد بررت فأفضلت ، ووصلت فأجزلت ، وأنعمت فأسبغت ، فبدرت الرقاع من كمه وهو يتشكر له ، فأقبل يردهن في كمه ويقول : ارجعن خاسئات ، فضحك وقال : بحق أمير المؤمنين عليك لما أخبرته خبر هذه الرقاع ، فأعلمه فقال : أبيت يا ابن معلم الخير إلا كرما ، فَفِ للقوم بضمانك ، وألقها عن كمك لننظر في حوائجهم ، فطرح الرقاع بين يديه فتصفحها ، ثم دفعها إلى الربيع ، ثم التفت إليه فتمثل بقول امرئ القيس [ من الكامل ] : لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتكل نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا ثم قال : قد قضى أمير المؤمنين حوائجهم ، فأمرهم بلقاء الربيع ، قال محمد : فخرجت من عند أمير المؤمنين وقد ربحت وأربحت .