الحديث الصَّحِيحُ وشروطه
( فَالْأَوَّلُ ) أَيِ : الصَّحِيحُ ، وَقُدِّمَ لِاسْتِحْقَاقِهِ التَّقْدِيمَ رُتْبَةً وَوَضْعًا ، وَتَرْكُ تَعْرِيفِهِ لُغَةً - بِأَنَّهُ ضِدُّ الْمَكْسُورِ وَالسَّقِيمِ - ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ بِخِلَافِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ ، وَسَائِرِ الْمَعَانِي فَمَجَازٌ ، أَوْ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ بِالتَّبَعِيَّةِ - لِكَوْنِهِ خُرُوجًا عَنِ الْغَرَضِ . ( الْمُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ ) أَيِ : السَّالِمُ إِسْنَادُهُ - الَّذِي هُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ : الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَتْنِ ، مَعَ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ : إِنَّهُ حِكَايَةُ طَرِيقِ الْمَتْنِ ، وَهُوَ أَشْبَهُ ، فَذَاكَ تَعْرِيفُ السَّنَدِ ، وَالْأَمْرُ سَهْلٌ - عَنْ سَقْطٍ ; بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَ ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ مِنْ شَيْخِهِ ، أو أخذه عنه إجازة على المعتمد . وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ .
ج١ / ص٢٤وَبِهِ خَرَجَ الْمُنْقَطِعُ ، وَالْمُرْسَلُ بِقِسْمَيْهِ وَالْمُعْضَلُ الْآتِي تَعْرِيفُهَا فِي مَحَالِّهَا ، وَالْمُعَلَّقُ الصَّادِرُ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ كَالْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ تَعَالِيقَهُ الْمَجْزُومَةَ الْمُسْتَجْمِعَةَ لِلشُّرُوطِ فِيمَنْ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ عَنْهُ لَهَا حُكْمُ الْاتِّصَالِ ، وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَلَّقِ عَنْهُ فَهُوَ لِقُصُورِنَا وَتَقْصِيرِنَا . وَاتِّصَالُهُ ( بِنَقْلِ عَدْلٍ ) وَهُوَ : مَنْ لَهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي مَعَ الْبَسْطِ فِي مَحَلِّهِ ، وَهَذَا هُوَ ثَانِي الشُّرُوطِ ، وَبِهِ خَرَجَ مَنْ فِي سَنَدِهِ مَنْ عُرِفَ ضَعْفُهُ أَوْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ أَوْ حَالُهُ ، حَسْبَمَا يَجِيءُ فِي بَيَانِهما . ( ضَابِطِ ) أَيْ : حَازِمٍ ، ( الْفُؤَادِ ) بِضَمِّ الْفَاءِ ثُمَّ وَاوٍ مَهْمُوزَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ، أَيِ : الْقَلْبِ ، فَلَا يَكُونُ مُغَفَّلًا غَيْرَ يَقِظٍ وَلَا مُتْقِنٍ ، لِئَلَّا يَرْوِيَ مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْخَلَلُ ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ، أَوْ مِنْ حِفْظِهِ الْمُخْتَلِّ فَيُخْطِئَ ; إِذِ الضَّبْطُ ضَبْطَانِ : ضَبْطُ صَدْرٍ ، وَضَبْطُ كِتَابٍ .
فَالْأَوَّلُ : هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ مَا سَمِعَهُ ; بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضَارِهِ مَتَى شَاءَ . وَالثَّانِي : هُوَ صَوْنُهُ لَهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ إِلَيْهِ ، مِنْ حِينِ سَمِعَ فِيهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ ، وَإِنْ مَنَعَ بَعْضُهُمُ الرِّوَايَةَ مِنَ الْكِتَابِ . وَهَذَا - أَعْنِي الضَّبْطَ - هُوَ ثَالِثُ الشُّرُوطِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ ; حَيْثُ جعلوا كلا من الضبط والعدالة غير مستلزم للآخر ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ ، وَقَالَ : إِنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا فِي سَنَدِهِ رَاوٍ مُغَفَّلٌ ، كَثِيرُ الْخَطَأِ فِي رِوَايَتِهِ ، وَإِنْ عُرِفَ بِالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ .
ج١ / ص٢٥وَيَتَأَيَّدُ بفصل شُرُوطِ الْعَدَالَةِ عَنْ شُرُوطِ الضَّبْطِ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ ،
وَلِذَلِكَ تَعَقَّبَ الْمُصَنِّفُ الْخَطَّابِيَّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ،
وَانْتَصَرَ شَيْخُنَا لِلْخَطَّابِيِّ ; حَيْثُ كَادَ أَنْ يَجْعَلَ الضَّبْطَ مِنْ أَوْصَافِهَا ، لَكِنْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مما ظاهره المخالفة : إِنَّ تَفْسِيرَ الثِّقَةِ بِمَنْ فِيهِ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَدَالَةِ ، وَهُوَ الضَّبْطُ إِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِهِمْ ، ويمكن التئامهما. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ : فَاشْتِرَاطُهُ فِي الصَّحِيحِ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَالْمُرَادُ التَّامُّ ، كَمَا فُهِمَ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْكَامِلِ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدْخُلُ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ الْمُشْتَرَطُ فِيهِ مُسَمَّى الضَّبْطِ ، خَاصَّةً هُنَا ، لَكِنْ يَخْرُجُ إِذَا اعْتَضَدَ وَصَارَ صَحِيحًا لِغَيْرِهِ ، وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ بَعْدُ ، وَإِنْ تَضَمَّنَ كَوْنَ الْحَدِّ غَيْرَ جَامِعٍ . ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَاقِلًا لَهُ ( عَنْ مِثْلِهِ ) يَعْنِي : وَهَكَذَا إِلَى مُنْتَهَاهُ ; سَوَاءٌ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ ، أَوْ إِلَى مَنْ دُونَهُ حَتَّى يَشْمَلَ الْمَوْقُوفَ وَنَحْوَهُ ، وإن كان القصد هنا الأول ، وما عداه يدخل ضمنا .
وَلَكِنْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِـ " عَنْ مِثْلِهِ " تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَوْضِيحٍ ، وَأَنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ ، وَلِذَلِكَ حَذَفَهُ شَيْخُنَا فِي نُخْبَتِهِ لِشِدَّةِ اخْتِصَارِهَا . ( مِنْ غَيْرِ مَا ) أَيْ : مِنْ غَيْرِ ( شُذُوذٍ ) وَغَيْرِ ( عِلَّةٍ قَادِحَةٍ ) ، وَهَذَانِ : الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ الشُّرُوطِ ، وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُمَا ، وَهُمَا سَلْبِيَّانِ بِمَعْنَى اشْتِرَاطِ نَفْيِهِمَا . وَلَا يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِ الْخَطَّابِيِّ لَهُمَا ; إِذْ لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ فِيهِ ، بَلْ هُوَ - أَيْضًا - مُقْتَضَى
تَوْجِيهِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ، قَوْلُهُ : ( وَفِيهِمَا نَظَرٌ عَلَى مُقْتَضَى ج١ / ص٢٦نَظَرِ الْفُقَهَاءِ ; حَيْثُ قَالَ : فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي يُعَلِّلُ بِهَا الْمُحَدِّثُونَ لَا تَجْرِي عَلَى أُصُولِ الْفُقَهَاءِ ).
إِذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُسَمَّى عِلَّةً ، فَالْكَثِيرُ مِنْهُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، وَالْبَعْضُ الْمُحْتَمِلُ لِأَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ أَوْ غَيْرَهُ يُوَافِقُ الْفَقِيهَ الْمُحَدِّثَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ : ( كَثِيرًا ) .