حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بالنسبة لحد الصحيح

وَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا : ما إِذَا أَثْبَتَ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ شَيْئًا فَنَفَاهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ أَوْ أَكْثَرُ عَدَدًا ، أَوْ أَكْثَرُ مُلَازَمَةً مِنْهُ ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ وَالْأُصُولِيَّ يَقُولَانِ : الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَيُقْبَلُ . وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَمُّونَهُ شَاذًّا ; لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الشُّذُوذَ الْمُشْتَرَطَ نَفْيُهُ هُنَا بِمُخَالَفَةِ الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ ، عِنْدَ تَعَسُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ ، بَلْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ ، أَيْ : لِأَنَّ تَطَرُّقَ السَّهْوِ إِلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ ، وَحِينَئِذٍ فَرَدُّ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ بَعِيدٌ .

وَمِنْهَا : الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ تَابِعِيٍّ مَثَلًا عَنْ صَحَابِيٍّ ، وَيَرْوِيهِ آخَرُ مِثْلُهُ ; سَوَاءٌ عَنْ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ بِعَيْنِهِ ، لَكِنْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ وأَكْثَرَ الْمُحَدِّثِينَ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ التَّابِعِيُّ سَمِعَهُ مِنْهُمَا مَعًا ، إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ ، وَقَامَتْ قَرِينَةٌ لَهُ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي ثَانِي قِسْمَيِ الْمَقْلُوبِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ الْكَثِيرُ مِنْ هَذَا . وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ يُعِلُّونَ بِهَذَا ، مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الضَّبْطِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَرَدَّدِ فِيهِمَا ضَعِيفًا ، بَلْ تَوَسَّعَ بَعْضُهُمْ فَرَدَّ بِمُجَرَّدِ الْعِلَّةِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قَادِحَةً . وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي تَسْمِيَةِ مَا يَجْمَعُ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ صَحِيحًا ، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ رَدَّهُ فَشَاذٌّ ، وَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ ، حَيْثُ يُحْكَمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ قَبْلَ الْإِمْعَانِ فِي الْفَحْصِ عَنْ تَتَبُّعِ طُرُقِهِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الشُّذُوذُ وَالْعِلَّةُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا ، فَضْلًا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ كُلِّهِ ، الَّتِي رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ .

وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ إِلَى التَّصْحِيحِ مُتَمَسِّكًا بِذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ . فَالَأَحْسَنُ سَدُّ هَذَا الْبَابِ ، وَإِنْ أَشْعَرَ تَعْلِيلُ ابْنِ الصَّلَاحِ ظُهُورَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْمَتْنِ مِنْ إِطْلَاقِ الْإِمَامِ الْمُعْتَمَدِ صِحَّةَ الْإِسْنَادِ بِجَوَازِ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ ، حَيْثُ قَالَ : لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ الظَّاهِرُ ، فَتَصْرِيحُهُ بِالِاشْتِرَاطِ يَدْفَعُهُ ، مَعَ أَنَّ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى الْإِسْنَادِ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ لَا يَسْلَمُ مِنَ انْتِقَادٍ . وَكَذَا لَا يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِالِانْقِطَاعِ ، وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي الْمُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عَلَى طَرِيقٍ كَذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ ; لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلًا وَمُعَيَّنًا فِي طَرِيقٍ آخَرَ ، فَيُعَطَّلَ بِحُكْمِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ ، كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُعْضَلِ .

عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا مَالَ إِلَى النِّزَاعِ فِي تَرْكِ تَسْمِيَةِ الشَّاذِّ صَحِيحًا ، وَقَالَ : غَايَةُ مَا فِيهِ رُجْحَانُ رِوَايَةٍ عَلَى أُخْرَى ، وَالْمَرْجُوحِيَّةُ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ صَحِيحٌ وَأَصَحُّ ، فَيُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ وَلَا يُعْمَلُ بِالْمَرْجُوحِ ; لَأَجْلِ مُعَارَضَتِهِ لَهُ ، لَا لِكَوْنِهِ لَمْ تَصِحَّ طَرِيقُهُ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَنْ يَقُولُ : صَحِيحٌ شَاذٌّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُعَلِّ . وَهَذَا كَمَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ سَوَاءٌ ، قَالَ : وَمَنْ تَأَمَّلَ الصَّحِيحَيْنِ ، وَجَدَ فِيهِمَا أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ .

انْتَهَى . وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ تَنْظِيرِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ بِهِ بِهَذَا . وَهُوَ - أَيْضًا - شَبِيهٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْعَامِّ قَبْلَ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ ، وَفِي الْأَمْرِ قَبْلَ وُجُودِ الصَّارِفِ لَهُ عَنِ الْوُجُوبِ .

وَبِالْجُمْلَةِ فَالشُّذُوذُ سَبَبٌ لِلتَّرْكِ إِمَّا صِحَّةً أَوْ عَمَلًا ، بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ ; كَالْإِرْسَالِ الْخَفِيِّ ( فَتُوذِي ) بِوُجُودِهَا الصِّحَّةَ الظَّاهِرَةَ ، وَيَمْتَنِعُ مَعَهَا الْحُكْمُ وَالْعَمَلُ مَعًا . ( وَ ) إِذَا تَمَّ هَذَا فـَ ( بِالصَّحِيحِ ) فِي قَوْلِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ( وَبِالضَّعِيفِ ) فِي قَوْلِهِمْ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ( قَصَدُوا ) الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ ( فِي ظَاهِرٍ ) لِلْحُكْمِ ، بِمَعْنَى أَنَّهُ اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَعَ سَائِرِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ ، أَوْ فَقَدَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْقَبُولِ ، لِجَوَازِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَلَى الثِّقَةِ ، وَالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ ، وَكَذَا الصِّدْقُ عَلَى غَيْرِهِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ، مَعَ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ بِهِ ، مَتَى ظَنَنَّاهُ صِدْقًا ، وَتَجَنُّبِهِ فِي ضِدِّهِ .

( لَا ) أَنَّهُمْ قَصَدُوا ( الْقَطْعَ ) بِصِحَّتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ ; إِذِ الْقَطْعُ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ التَّوَاتُرِ ، أَوِ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفِّ بِهَا الْخَبَرُ ، وَلَوْ كَانَ آحَادًا كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ حُكْمِ الصَّحِيحَيْنِ . وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ - كَحُسَيْنٍ الْكَرَابِيسِيِّ وَغَيْرِهِ - إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَوِ التَّوَسُّعِ ، لَا سِيَّمَا مَنْ قَدَّمَ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ عَلَى الْقِيَاسِ كَأَحْمَدَ ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ - عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ - لَا يَتَفَاوَتُ . فَالْجَارُّ فِي الصَّحِيحِ يَتَعَلَّقُ بِـ قَصَدُوا ، وَ فِي ظَاهِرٍ بِمَحْذُوفٍ ، وَ لَا الْقَطْعَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ فِي ظَاهِرٍ ، وَالتَّقْدِيرُ : قَصَدُوا الصِّحَّةَ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ مَرْجِعُهُمَا إِلَى وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ من الصحة وعدمها .

مصطلحاتٌ يتناولُها هذا النصُّ1 مصطلح

هذا النصُّ من كتب علوم الحديث، يَشرحُ الاصطلاحاتِ التاليةَ. الأقوالُ المنسوبةُ هي كلامُ أهل الفنِّ في تعريفِ المصطلح، لا في الحُكمِ على هذا الحديثِ.

الشاذ· 4 أقوال للعلماء
  • مسلم

    للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لا يشاركه فيها أحد ، بأسانيد جياد "

  • الشافعي

    والشاذ . اصطلاحا : ( ما يخالف ) الراوي ( الثقة فيه ) بالزيادة أو النقص في السند أو في المتن ( الملا ) بالهمز وسهل تخفيفا ، أي الجماعة الثقات من الناس ; بحيث لا يمكن الجمع بينهما

  • ابن الصلاح

    فإن كان مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط ، كان ما انفرد به شاذا مردودا

  • أبو بكر الأثرم

    والأحاديث إذا كثرت كانت أثبت من الواحد الشاذ ، وقد يهم الحافظ أحيانا

موقع حَـدِيث