حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ

وَبِالْجُمْلَةِ فَكِتَابَاهُمَا أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ ( وَ ) لَكِنَّهُمَا ( لَمْ يَعُمَّاهُ ) أَيْ : لَمْ يَسْتَوْعِبَا [ كُلَّ الصَّحِيحِ فِي كِتَابَيْهِمَا ، بَلْ لَوْ قِيلَ : إِنَّهُمَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا شروطَهُمَا ، لَكَانَ مُوَجَّهًا ] . وَقَدْ صَرَّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعَدَمِ الِاسْتِيعَابِ ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْهُ : مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي الْجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ ، وَتَرَكْتُ مِنَ الصِّحَاحِ خَشْيَةَ أَنْ يَطُولَ الْكِتَابُ . وَقَالَ مُسْلِمٌ : إِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا الْكِتَابَ ، وَقُلْتُ : هُوَ صِحَاحٌ ، وَلَمْ أَقُلْ : إِنَّ مَا لَمْ أُخَرِّجْهُ مِنَ الْحَدِيثِ فِيهِ ضَعِيفٌ .

وَحِينَئِذٍ : فَإِلْزَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ لَهُمَا فِي جُزْءٍ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ بِأَحَادِيثِ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَتْ عَنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ ، تَرَكَاهَا مَعَ كَوْنِهَا عَلَى شَرْطِهِمَا ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ : يَنْبَغِي أَنْ يُنَاقَشَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي تَرْكِهِمَا إِخْرَاجَ أَحَادِيثَ هِيَ مِنْ شَرْطِهِمَا - لَيْسَ بِلَازِمٍ . وَلِذَلِكَ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : وَلَمْ يَحْكُمَا ، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا خَرَّجَهُ ، قَالَ : وَقَدْ نَبَغَ فِي عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ ، يَشْمَتُونَ بِرُوَاةِ الْآثَارِ ; بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ مِنَ الْحَدِيثِ لَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ آلَافِ حَدِيثٍ . وَنَحْوُهُ مَا ذَكَرَهُ السِّلَفِيُّ فِي مُعْجَمِ السَّفَرِ : أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَبَا دَاوُدَ صَاحِبَ السُّنَنِ فِي آخَرِينَ مُجْتَمِعِينَ ، وَأَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ : كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ ، فَاقْلِبْ عَنْهُ رَأْسَ دَابَّتِكَ .

وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ بِتَفْضِيلِ كِتَابِ النَّسَائِيِّ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَقَالَ : إِنَّ مَنْ شَرَطَ الصِّحَّةَ ، فَقَدْ جَعَلَ لِمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ فِي الْإِدْرَاكِ سَبَبًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَى مَا لَمْ يُدْخِلْ ، [ وَجَعَلَ لِلْجِدَالِ مَوْضِعًا ] فِيمَا أَدْخَلَ . وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا ، وإن بلغني عن المجد البرماوي اعتماده . وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حَصْرَ الصَّحِيحِ فِيمَا أَوْدَعَاهُ كِتَابَيْهِمَا ( وَلَكِنْ قَلَّ مَا ) أَيِ : الَّذِي ( عِنْدَ ) الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الشَّيْبَانِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ ( ابْنِ الْأَخْرَمِ ) شَيْخِ الْحَاكِمِ - وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ مُدْغَمَةٍ فِي مِيمِ - ( مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الصَّحِيحِ ( قَدْ فَاتَهُمَا ، وَرُدَّ ) مِنِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِالقَلِيلٍ ، فَإِنَّهُ يَصْفُو مِنْ ( مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ ) عَلَيْهِمَا صَحِيحٌ كَثِيرٌ .

( لَكِنْ قَالَ ) الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا ( يَحْيَى ) النَّوَوِيُّ ( الْبَرُّ ) - لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَأَصْنَافِ الْبِرِّ مَا فَاقَ فِيهِ ; بِحَيْثُ قَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّهُ كَانَ سَالِكًا مِنْهَاجَ الصَّحَابَةِ ، لَا يُعْلَمُ فِي عَصْرِهِ مَنْ سَلَكَهُ غَيْرُهُ - فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ : وَالصَّحِيحُ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْأَخْرَمِ : إِنَّهُ فَاتَهُمَا كَثِيرٌ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُشَاهَدَةُ . قُلْتُ : وَالصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ : ( لَمْ يَفُتِ ) الْكُتُبَ ( الْخَمْسَةَ ) أُصُولَ الْإِسْلَامِ ; وَهِيَ : الصَّحِيحَانِ وَالسُّنَنُ الثَّلَاثَةُ ( إِلَّا النَّزْرُ ) يَعْنِي الْقَلِيلَ . وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَائِلِ الْحَافِظَ أَبَا أَحْمَدَ ابْنَ الْفَرَضِيِّ ، فَإِنَّهُ وَصَفَ مُصَنَّفَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا عَدَا التِّرْمِذِيِّ مِنْهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَلِيلُ .

( وَفِيهِ ) أَيْ : وَفِي تَصْوِيبِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا ( مَا فِيهِ ) كِنَايَةٌ عَنْ ضَعْفِهِ ( لِقَوْلِ الْجُعْفِيِّ ) مَوْلَاهُمُ الْبُخَارِيِّ ، حَسْبَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ كَالْمُسْتَظْهِرِ بِظَاهِرِهِ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْأَخْرَمِ : ( أَحْفَظُ مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الصَّحِيحِ ( عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ ) حَدِيثٍ ، أَيْ : مِائَةَ أَلْفٍ ، كَمَا هِيَ عِبَارَتُهُ . وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ : وَمِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيحٍ . وَالْخَمْسَةُ فَضْلًا عَنِ الصَّحِيحَيْنِ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ .

( وَ ) قَدْ يُجَابُ عَنْهُمَا مَعًا بِأَنْ يُقَالَ - مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ - ( عَلَّهُ ) أَيْ : عَلَّ الْبُخَارِيَّ ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي لَعَلَّ وَمِنْهُ : لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ ( أَرَادَ ) بُلُوغَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ( بِالتَّكْرَارِ لَهَا وَمَوْقُوفٍ ) يَعْنِي : بَعْدَ الْمُكَرَّرِ وَالْمَوْقُوفِ ، وَكَذَا آثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ ، مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا ، وَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ الْخَطْبُ ، فَرُبَّ حَدِيثٍ لَهُ مِائَةُ طَرِيقٍ فَأَكْثَرُ . وَهَذَا حَدِيثُ : الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، نُقِلَ - مَعَ مَا فِيهِ - عَنِ الْحَافِظِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ ، أَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ حَدِيثِ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَاوِيهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ . وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ : وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ ، مَا نَصُّهُ : لَوْ أَخْرَجَ كُلَّ حَدِيثٍ عِنْدَهُ ، لَجَمَعَ فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ حَدِيثَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَلَذَكَرَ طُرُقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا صَحَّتْ .

وَقَالَ الْجَوْزَقِيُّ : إِنَّهُ اسْتَخْرَجَ عَلَى أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ ، فَكَانَتْ عِدَّتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ طَرِيقٍ وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ طَرِيقًا . قَالَ شَيْخُنَا : إِذَا كَانَ الشَّيْخَانِ مَعَ ضِيقِ شَرْطِهِمَا ، بَلَغَ جُمْلَةُ مَا فِي كِتَابَيْهِمَا بِالْمُكَرَّرِ ذَلِكَ ، فَمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنَ الطُّرُقِ لِلْمُتُونِ الَّتِي أَخْرَجَاهَا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ - أَيْضًا - أَوْ يَزِيدُ ، وَمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنَ الْمُتُونِ مِنَ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِمَا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ - أَيْضًا - أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ ، فَإِذَا انْضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، بَلَغَ الْعِدَّةَ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْبُخَارِيُّ ، بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ . وَهَذَا الْحَمْلُ مُتَعَيِّنٌ ، وَإِلَّا فَلَوْ عُدَّتْ أَحَادِيثُ الْمَسَانِيدِ ، وَالْجَوَامِعِ ، وَالسُّنَنِ ، وَالْمَعَاجِمِ وَالْفَوَائِدِ ، وَالْأَجْزَاءِ ، وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ بِأَيْدِينَا صَحِيحُهَا وَغَيْرُهُ - مَا بَلَغَتْ ذَلِكَ بِدُونِ تَكْرَارٍ - بَلْ وَلَا نِصْفَهُ .

انْتَهَى . وَبِمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ ظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ لَا يُنَافِي مَقَالَةَ ابْنِ الْأَخْرَمِ ، فَضْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الصَّلَاحِ اسْتَنْتَجَ مِنْ ظَاهِرِهِ مَعَ قَوْلِهِ :

موقع حَـدِيث