حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

حُكْمُ الصَّحِيحَيْنِ وَالتَّعْلِيقُ

فائدة : شرط ابن حبان في راوي صحيحه العدالة ، وفسرها بمن ظاهر أكثر أحواله الطاعة - فيشمل مرتكب يسير الصغائر ، وكذا المستور ، إلا أن يريد بالظاهر الاحتراز عما في نفس الأمر ، مع استبعاده لما قدمته في الصحيح الزائد على الصحيحين من مذهبه في المجهول ، بل ويأتي - أيضا - عند ذكر الخلاف فيه - والشهرة بالطلب ، والعقل بصناعة الحديث ، حتى لا يسند موقوفا ، ولا يرفع مرسلا ، ولا يصحف اسما ، وكأنه كناية عن الضبط . ويتأيد بجعله في مقدمة الضعفاء من أسباب الجرح الوصف بذلك ، فقال : ومن الرواة من كتب وغلب عليه الصلاح والعبادة ، وغفل عن الحفظ والتمييز ، فإذا حدث رفع المرسل ، وأسند الموقوف ، وقلب الأسانيد ، إلى آخر كلامه ، ثم نقل قول وكيع في بعض الرواة : رجل صالح ، ولكن للحديث رجال . بل قرر بعد في خطبة صحيحه - أيضا - أن العدل المخطئ إن أفحش بحيث غلب على صوابه استحق الترك ، وإن لم يفحش قبل فيما لم يخطئ فيه ، يعني بالمتابع ونحوه ، دون ما ينفرد به ، كما صرح به في مقدمة الضعفاء .

ونحوه قوله في الخطبة : إنه لا يخرج لمختلط ما رواه بعد اختلاطه خاصة ، أو لم يتابع عليه ، والعلم بما يحيل المعاني ، يعني إن لم يؤد لفظا ، والاتصال فلا يكون في رواته مدلس بالعنعنة ، إلا إن علم - كابن عيينة - أنه لا يدلس إلا عن ثقة متقن . قال شيخنا : وحاصل شرطه أن يكون الراوي عدلا مشهورا بالطلب ، غير مدلس ، سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي ، فإن كان يروي من حفظه فليكن عالما بما يحيل المعاني ، قال : فلم يشترط وجود الضبط ، وانتفاء الشذوذ والعلة ، انتهى . وقد بان بما قررته النزاع في إطلاق العدالة ، وكذا في عدم الضبط ، نعم .

هو لا يشدد فيه ، لإدراجه الحسن في الصحيح ، وأما انتفاء الشذوذ فقد ينازع فيه - أيضا - باشتراطه في الحكم بقبول المجهول أن لا يكون الحديث منكرا مع شرطين آخرين كما سلف في الزائد على الصحيحين ، ويأتي - أيضا - لكون النكارة قرينة يترجح بها جانب عدم القبول . ووجه النزاع : أنها بالنظر لما فسر به إمامه الشافعي الشاذ المخالفة ، فلما اشترط نفي بعض أسبابها ، أشعر بالتعميم ، وأما انتفاء العلة ففيه نظر أيضا . ثم قال شيخنا : وسمى ابن خزيمة كتابه : المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ، ولا جرح في النقلة .

قال : وهذا مثل شرط ابن حبان سواء ، لأن ابن حبان تابع لابن خزيمة يغترف من بحره ، ناسج على منواله . حُكْمُ الصَّحِيحِينِ الْمَاضِي ذِكْرُهُمَا فِيمَا أُسْنِدَ فِيهِمَا وَغَيْرِهِ وَالتَّعْلِيقُ أَيْ : وتَعْرِيفُ التَّعْلِيقِ الْوَاقِعُ فِيهِمَا وَفِي غَيْرِهِمَا . لَمَّا أُشِيرَ إِلَى شَرْطِ صَاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ ، وَانْجَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، حَسُنَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيهِمَا لِسَائِلِهِ ; أَيُرتقي عَنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ لِسُمُوِّهِمَا وَجَلَالَتِهِمَا ، وَشُفُوفِ تَحَرِّيهِمَا فِي الصَّحِيحِ أَمْ لَا ؟ .

فَقِيلَ لَهُ : ( وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا ) أَيْ : أنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ بِإِسْنَادَيْهِمَا الْمُتَّصِلِ - دُونَ مَا سَيَأْتِي اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الْمُنْتَقَدِ وَالتَّعَالِيقِ وَشِبْهِهِمَا - مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ ; لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ فِي إِجْمَاعِهَا عَنِ الْخَطَأِ - كَمَا وَصَفَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ - لِذَلِكَ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ ، وَكَذَا الْعَمَلُ ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ نَسْخٌ أَوْ تَخْصِيصٌ أَوْ نَحْوُهُمَا . وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لِلْخَبَرِ الْمُنْحَطِّ عَنْ دَرَجَةِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْقَبُولِ يُوجِبُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ ، ولا نقول : فائدة الإجماع وجوب العمل ، لعدم توقفه عليه ، ولا ترجيحه على صحيح غير مجمع عليه عند المعارضة ، فليس منحصرا - أيضا - فيه ، ولا قبول تصحيحه بدون بحث ، لأن تمييز المنتقد والمعارض المستثنيين لا بد منه ، وهو بحث في الجملة . ( كَذَا لَهُ ) أَيِ : لِابْنِ الصَّلَاحِ ; حَيْثُ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ لَهُ ، وَالْجَزْمِ بِأَنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ ، وَعَامَّةِ السَّلَفِ ، بَلْ وَكَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ .

وَلَفْظُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ : أَهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الصَّحِيحَانِ - مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ أُصُولِهَا وَمُتُونِهَا ، وَلَا يَحْصُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحَالٍ ، وَإِنْ حَصَلَ فَذَاكَ اخْتِلَافٌ فِي طُرُقِهَا وَرُوَاتِهَا . قَالَ : فَمَنْ خَالَفَ حُكْمُهُ خَبَرًا مِنْهَا ، وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ لِلْخَبَرِ ، نَقَضْنَا حُكْمَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ . ( وَقِيلَ ) : هُوَ صَحِيحٌ ( ظَنًّا ) ; لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي أَصْلِهِ قَبْلَ التَّلَقِّي - لِكَوْنِهِ خَبَرَ آحَادٍ - إِلَّا الظَّنُّ ، وَهُوَ لَا يَنْقَلِبُ بِتَلَقِّيهِمْ قَطْعِيًّا ، وَتَصْحِيحُ الْأَئِمَّةِ لِلْخَبَرِ الْمُسْتَجْمِعِ لِلشُّرُوطِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلصِّحَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُجْرًى عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ ; كمَا تَقَدَّمَ فِي ثَانِي مَسَائِلِ الْكِتَابِ ، وَأَيْضًا فَقَدْ صَحَّ تَلَقِّيهِمْ بِالْقَبُولِ لِمَا ظُنَّتْ صِحَّتُهُ .

( وَ ) هَذَا الْقَوْلُ ( لَدَى ) أَيْ : عِنْدَ ( مُحَقِّقِيهِمْ ) ، وَكَذَا الْأَكْثَرينَ هُوَ الْمُخْتَارُ ، كَمَا ( قَدْ عَزَاه ) إِلَيْهِمُ الْإِمَامُ ( النَّوَوِيُّ ) . ولَكِنْ قَدْ وَافَقَ اخْتِيَارَ ابْنِ الصَّلَاحِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّلَقِّي ، بَلْ هُوَ فِي كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ - أَيْضًا - فَإِنَّهُ قَالَ : لِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صِحَّتِهِمَا ، وَكَذَا هُوَ فِي كَلَامِ ابْنِ طَاهِرٍ وَغَيْرِهِ وَلَا شَكَّ - كَمَا قَالَ عَطَاءٌ - أَنَّ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَقْوَى مِنَ الْإِسْنَادِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا : الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْخَبَرِ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ مِنْ مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ ، وَكَذَا مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ الَّتِي صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِإِفَادَتِهَا الْعِلْمَ ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ انْضَمَّ إِلَى هَذَا التَّلَقِّي الِاحْتِفَافُ بِالْقَرَائِنِ ، وَهِيَ جَلَالَةُ قَدْرِ مُصَنِّفِيهِمَا ، وَرُسُوخُ قَدَمِهِمَا فِي الْعِلْمِ ، وَتَقَدُّمُهُمَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِالصِّنَاعَةِ ، وَجَوْدَةُ تَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبُلُوغُهُمَا أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْإِمَامَةِ فِي وَقْتِهِمَا .

عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ ذَكَرَ فِي تَوْضِيحُ النُّخْبَةِ : أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّحْقِيقِ لَفْظِيٌّ ، قَالَ : لِأَنَّ مَنْ جَوَّزَ إِطْلَاقَ الْعِلْمِ ، قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا ، وَهُوَ الْحَاصِلُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ ، وَمَنْ أَبَى الْإِطْلَاقَ خَصَّ لَفْظَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ ، وَمَا عَدَاهُ عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ . لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي أَنَّ مَا احْتَفَّ بِالْقَرَائِنِ أَرْجَحُ مِمَّا خَلَا مِنْهَا . ( وَ ) لَأَجْلِ كَوْنِهِ نَظَرِيًّا قِيلَ : ( فِي الصَّحِيحِ ) لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ : ( بَعْضُ شَيْءٍ ) وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ ، ( قَدْ رُوِيَ ) حَالَ كَوْنِهِ ( مُضَعَّفًا ) بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمَا ، وَفَاتَ بِذَلِكَ فِيهِ تَلَقِّي كُلِّ الْأُمَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ .

وَمِنْ ثَمَّ اسْتَثْنَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنَ الْقَطْعِ بِقَوْلِهِ : سِوَى أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ النَّقْدِ مِنَ الْحُفَّاظِ ; كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ . انْتَهَى . وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِثْنَاءُ اجْتِهَادَ جَمَاعَةٍ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ ، وَدَفْعَ انْتِقَادِ ضَعْفِهِ ، وَأَفْرَدَ النَّاظِمُ مُؤَلَّفًا لِذَلِكَ عُدِمَتْ مُسَوَّدَتُهُ قَبْلَ تَبْيِيضِهَا ، وَتَكَفَّلَ شَيْخُنَا فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْهُ ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْهُ ، فَكَانَ فِيهِمَا - مَعَ تَكَلُّفٍ فِي بَعْضِهِ - إِجْزَاءٌ فِي الْجُمْلَةِ .

وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْخَيْنِ - مَعَ إِتْقَانِهِ وَحِفْظِهِ وَصِحَّةِ مَعْرِفَتِهِ - تَمَّ عَلَيْهِ الْوَهْمُ فِي حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ ، لَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ ، وَحَكَمَ عَلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ خَاصَّةً بِالْوَضْعِ ، فَقَدْ رَدَّهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ . وَأَوْضَحْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مُهِمَّاتٍ كَثِيرَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَفِي غَيْرِهِ فِي النُّكَتُ ، لَا يَسْتَغْنِي مَنْ يَرُومُ التَّبَحُّرَ فِي الْفَنِّ عَنْهَا . وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْقَطْعِ - أَيْضًا - مَا وَقَعَ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ; حَيْثُ لَا تَرْجِيحَ ; لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ الْمُتَنَاقِضَانِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ; قَالَهُ شَيْخُنَا .

موقع حَـدِيث