حُكْمُ الصَّحِيحَيْنِ وَالتَّعْلِيقُ
( وَ ) كَذَا ( لَهُمَا ) فِي صَحِيحَيْهِمَا ( بِلَا سَنَدٍ ) أَصْلًا ، أَوْ كَامِلٍ ; حَيْثُ ج١ / ص٩٧أُضِيفَ لِبَعْضِ رُوَاتِهِ إِمَّا الصَّحَابِيُّ أَوِ التَّابِعِيُّ فَمَنْ دُونَهُ ، مَعَ قَطْعِ السَّنَدِ مِمَّا يَلِيهُمَا ( أَشْيَا ) بِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ; كَأَنْ يُقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، أَوْ عِكْرِمَةُ ، أَوِ الزُّهْرِيُّ . وَالْجَمْعُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِمَا مَعًا ; إِذْ لَيْسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ مِمَّا لَمْ يُوصِلْهُ فِيهِ سِوَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ . وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ ( فَإِنْ يَجْزِمْ ) الْمُعَلِّقُ مِنْهُمَا بِنِسْبَتِهِ إِلَى الرَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أَضَافَهُ إِلَيْهِ ( فَصَحِّحْ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ إِضَافَتَهُ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ ; فَإِنَّهُ لَنْ يَسْتَجِيزَ إِطْلَاقَهُ إِلَّا وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ عَنْهُ .
ج١ / ص٩٨وَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ نَقَضَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ مُطَّرِدَةٌ ، لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ كَوْنِهِ عَلَى شَرْطِهِ . ( أَوْ ) لَمْ يَأْتِ الْمُعَلِّقُ بِالْجَزْمِ ، بَلْ ( وَرَدَ مُمَرَّضًا فَلَا ) تَحْكُمْ لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَهُ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصِّيغَةِ ; لِعَدَمِ إِفَادَتِهَا ذَلِكَ ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُنْتَقَدُ بِمَا وَقَعَ بِهَا مَعَ وَصْلِهِ لَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ . عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الِاسْتِقْرَاءِ خُصُوصًا فِي هَذَا النَّوْعِ - أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ ، إِلَّا حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالْمَعْنَى ، أَوِ اخْتَصَرَهُ ، وَجَزَمَ بِأَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ - أَيْ : فِيمَا عَدَاهُ - مُشْعِرٌ بِضَعْفِهِ عِنْدَهُ إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ عَنْهُ ; لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ فِيهِ ، وَقَدْ لَا تَكُونُ قَادِحَةً ، وَلِذَلِكَ فِيهِ مَا هُوَ حَسَنٌ ، بَلْ وَصَحِيحٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ ، بَلْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ .
ج١ / ص٩٩وَمَا قَالَهُ هُوَ التَّحْقِيقُ ، وَإِنْ أَوْهَمَ صَنِيعُ ابْنِ كَثِيرٍ خِلَافَهُ . ( وَلَكِنْ ) حَيْثُ تَجَرَّدَتْ ، فَإِيرَادُ صَاحِبِ الصَّحِيحِ لِلْمُعَلَّقِ الضَّعِيفِ ، كَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ صَحِيحِهِ ( يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْأَصْلِ لَهُ ) إِشْعَارًا يُؤْنَسُ بِهِ ، وَيُرْكَنُ إِلَيْهِ . وَأَلْفَاظُ التَّمْرِيضِ كَثِيرَةٌ ( كَيُذْكَرُ ) وَيُرْوَى وَرُوِيَ ، وَيُقَالُ ، وَقِيلَ ، وَنَحْوُهَا ، وَاسْتَغْنَى بِالْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِهَا عَنْ أَمْثِلَةِ الْجَزْمِ ; كَذَكَرَ ، وَزَادَ ، وَرَوَى ، وَقَالَ ، وَغَيْرِهَا لِوُضُوحِهِ .
حَتَّى نَقَلَ النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى اعْتِبَارِهِمَا كَذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِشَيْءٍ ضَعِيفٍ ; لِأَنَّهَا صِيغَةٌ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُطْلَقَ إِلَّا فِيمَا صَحَّ . قَالَ : " وَقَدْ أَهْمَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ الْبَيْهَقِيِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ قَبِيحٌ جِدًّا مِنْ فَاعِلِهِ ؛ إِذْ يَقُولُ فِي الصَّحِيحِ : يُذْكَرُ وَيُرْوَى ، وَفِي الضَّعِيفِ : قَالَ وَرَوَى ، وَهَذَا قَلْبٌ لِلْمَعَانِي ، وَحَيْدٌ عَنِ الصَّوَابِ . قَالَ : وَقَدِ اعْتَنَى الْبُخَارِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، بِاعْتِبَارِ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ ، وَإِعْطَائِهِمَا حُكْمَهُمَا فِي صَحِيحِهِ ; فَيَقُولُ فِي التَّرْجَمَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضَ كَلَامِهِ بِتَمْرِيضٍ ، وَبَعْضَهُ بِجَزْمٍ ، مراعِيًا لِمَا ذَكَرْنَا ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِتَحَرِّيهِ وَوَرَعِهِ " .
انْتَهَى . ج١ / ص١٠٠وَسَتأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي التَّنْبِيهَاتِ الَّتِي بِآخِرِ الْمَقْلُوبِ . وَالْحَاصِلُ : أَنَّ الْمَجْزُومَ بِهِ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ ابْتِدَاءً ، وَمَا لَعَلَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ مِنَ الْمُمَرَّضِ إِنَّمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا بَعْدَ النَّظَرِ ; لِوُجُودِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ فَافْتَرَقَا .
وَإِذَا حَكَمْتَ لِلْمَجْزُومِ بِهِ بِالصِّحَّةِ ، فَانْظُرْ فِيمَنْ أُبْرِزَ مِنْ رِجَالِهِ ، تَجِدْ مَرَاتِبَهُ مُخْتَلِفَةً ; فَتَارَةً يلتَحِقُ بِشَرْطِهِ ، وَتَارَةً يتَقَاعَدُ عَنْ ذَلِكَ . وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا صَالِحًا لِلْحُجَّةِ ; كَالْمُعَلَّقِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، رَفَعَهُ : اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ ، فَهُوَ حَسَنٌ مَشْهُورٌ عَنْ بَهْزٍ ، أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ . بَلْ وَيَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَ غَيْرِهِ .
وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا ، لَكِنْ لَا مِنْ جِهَةِ قَدْحٍ فِي رِجَالِهِ ، بَلْ مِنْ جِهَةِ انْقِطَاعٍ يَسِيرٍ فِي إِسْنَادِهِ ; كَالْمُعَلَّقِ عَنْ طَاوُسٍ ، ج١ / ص١٠١قَالَ : قَالَ مُعَاذٌ . فَإِنَّ إِسْنَادَهُ إِلَى طَاوُسٍ صَحِيحٌ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُعَاذٍ . وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ .
وَالْأَسْبَابُ فِي تَعْلِيقِ مَا هُوَ مُلْتَحِقٌ بِشَرْطِهِ : إِمَّا التَّكْرَارُ ، أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ مَعْنَاهُ فِي الْبَابِ ، وَلَوْ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِالتَّعْلِيقِ اخْتِصَارًا ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ بِقَيْدِ الْعُلُوِّ أَوْ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ جِهَةِ الثِّقَاتِ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ ، أَوْ سَمِعَهُ لَكِنْ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ ، فَقَصَدَ بِذَلِكَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يَأْخُذُهُ عَنْ مَشَايخِهِ فِي حَالَةِ التَّحْدِيثِ أَوِ الْمُذَاكَرَةِ احْتِيَاطًا . وَفِي الْمُتَقَاعِدِ عَنْ شَرْطِهِ ، إِمَّا كَوْنُهُ فِي مَعْرِضِ الْمُتَابَعَةِ ، أَوِ الِاسْتِشْهَادِ الْمُتَسَامَحِ فِي إِيرَادِهِ مُطْلَقًا ، فَضْلًا عَنِ التَّعْلِيقِ ، أَوْ أَنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَوْضِعٍ يُوهِمُ تَعْلِيلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي عَلَى شَرْطِهِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ . وَبِمَا تَقَدَّمَ تَأَيَّدَ حَمْلُ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ : " مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي إِلَّا مَا صَحَّ " عَلَى مَقْصُودِهِ بِهِ ، وَهُوَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْنَدَةُ ، دُونَ التَّعَالِيقِ وَالْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَرْجَمِ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَظَهَرَ افْتِرَاقُ مَا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ فِي الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ وَاسْتِثْنَائِهِ مِنْ إِفَادَةِ الْعِلْمِ . ( وَإِنْ يَكُنْ أَوَّلُ الْإِسْنَادِ ) - بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ - مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الصَّحِيحِ مَثَلًا ، كَشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ ( حُذِفْ ) وَأُضِيفَ لِمَنْ بَعْدَ الْمَحْذُوفِ مِمَّا هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ كَثِيرٌ ، ج١ / ص١٠٢كَمَا تَقَدَّمَ ( مَعَ صِيغَةِ الْجَزْمِ ) أَيْ : مَعَ الْإِتْيَانِ بِهَا ، بَلْ وَالتَّمْرِيضِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ ; كَالنَّوَوِيِّ وَالْمِزِّيِّ فِي أَطْرَافِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي كِلَيْهِمَا . ( فَتَعْلِيقًا عُرِفْ ) أَيْ : عُرِفَ بِالتَّعْلِيقِ بَيْنَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ ; كَالْحُمَيْدِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، بَلْ كَانَ أَوَّلَ مَنْ وُجِدَ فِي كَلَامِهِ .
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ ، لِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْجَمِيعُ مِنْ قَطْعِ الِاتِّصَالِ . وَاسْتَبْعَدَ شَيْخُنَا أَخْذَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ ، وَأَنَّهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ أَقْرَبُ ، وَشَيْخُهُ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى خِلَافِهِ . ج١ / ص١٠٣
وَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَسْمِيَتِهِ تَعْلِيقًا بَقَاءُ أَحَدٍ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ ، بَلْ ( وَلَوْ ) حُذِفَ مِنْ أَوَّلِهِ ( إِلَى آخِرِهِ ) وَاقْتُصِرَ عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَرْفُوعِ ، أَوْ عَلَى الصَّحَابِيِّ فِي الْمَوْقُوفِ ، كَانَ تَعْلِيقًا ، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَأَقَرَّهُ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمِزِّيُّ فِي أَطْرَافِهِ ، بَلْ وَلَا مَا اقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى الصَّحَابِيِّ مَعَ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا ، وَكَانَ يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَقَطَ الْبَعْضُ مِنْ أَثْنَائِهِ ، أَوْ مِنْ آخِرِهِ ، لِاخْتِصَاصِهِ بِأَلْقَابِ غَيْرِهِ ; كَالْعَضْلِ وَالْقَطْعِ وَالْإِرْسَالِ . وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يُحْذَفُ فِيهِ جَمِيعُ الْإِسْنَادِ ، مَعَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ لِقَائِلٍ ; كَقَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ : " وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي الصَّلَاةِ جِلْسَةَ الرَّجُلِ ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً " . وَهُوَ عِنْدَهُ فِي تَارِيخِهِ ج١ / ص١٠٤الصَّغِيرِ ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ عَنْ مَكْحُولٍ ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ .
وَحُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ مُلْتَزِمِ الصِّحَّةِ الِانْقِطَاعُ ، وَلِذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ رَابِعَ التَّفْرِيعَاتِ التَّالِيَةِ لِلْمُنْقَطِعِ ، وَمِنْ مُلْتَزِمِيهَا مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا . ( أَمَّا ) الْمُصَنِّفُ ( الَّذِي لِشَيْخِهِ عَزَا ) مَا أَوْرَدَهُ ( بِـ " قَال " ) وَزَادَ وَنَحْوِهِمَا ( فَكَـ ) إِسْنَادِ ( ذِي عَنْعَنَةٍ ) فَيُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ بِاتِّصَالِهِ شَيْئَانِ : لُقِيُ الرَّاوِي لِمَنْ عَنْعَنَ عَنْهُ ، وَسَلَامَتُهُ مِنَ التَّدْلِيسِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ . وَأَمْثِلَةُ هَذِهِ الصِّيغَةِ كَثِيرَةٌ ( كَخَبَرِ الْمَعَازِفِ ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاي وَالْفَاءِ ; وَهِيَ آلَاتُ الْمَلَاهِي ، الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي عَامِرٍ ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا فِي الْإِعْلَامِ بِمَنْ يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ يَسْتَحِلُّهَا ، وَيَسْتَحِلُّ الْحِرَ - بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَكَسْرِ الْأُولَى مَعَ التَّخْفِيفِ - يَعْنِي : الزِّنَا ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ - وَالْحَرِيرَ .
فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَهُ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ صَحِيحِهِ بِقَوْلِهِ : " قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ : ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ ج١ / ص١٠٥جَابِرٍ " وَسَاقَهُ سَنَدًا وَمَتْنًا . فَهِشَامٌ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ ، حَدَّثَ عَنْهُ بِأَحَادِيثَ حَصَرَهَا صَاحِبُ ( الزَّهْرَةِ ) فِي أَرْبَعَةٍ ، وَلَمْ يَصِفِ الْبُخَارِيَّ أَحَدٌ بِالتَّدْلِيسِ . وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا خِلَافًا لِلْحُمَيْدِيِّ فِي مِثْلِهِ ، وَإِنْ صَوَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ ج١ / ص١٠٦الْعِيدِ مَعَ حُكْمِهِ بِصِحَّتِهِ عَنْ قَائِلِهِ .
وَعَلَى الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا مَشَى الْمِزِّيُّ فِي أَطْرَافِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ : إِنَّ حُكْمَهُ الِانْقِطَاعُ . وَلَكِنْ قَدْ حَكَمَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ السُّنِّيُّ بِعَدَمِ اتِّصَالِهِ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : حُكْمُهُ الِانْقِطَاعُ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ مَنْدَهْ ; حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ " قَالَ " تَدْلِيسٌ . فَالصَّوَابُ الِاتِّصَالُ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ ، فَلَا تُعَوِّلْ عَلَى خِلَافِهِ .
(
وَلَا تُصْغِ لِابْنِ حَزْمٍ ) الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ ، الْمَنْسُوبِ هُنَا لِجَدِّ أَبِيهِ الْأَنْدَلُسِيِّ الْقُرْطُبِيِّ الظَّاهِرِيِّ ( الْمُخَالِفِ ) فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ ، نَشَأَتْ عَنْ غَلَطِهِ وَجُمُودِهِ عَلَى الظَّاهِرِ ، مَعَ سَعَةِ حِفْظِهِ وَسَيَلَانِ ذِهْنِهِ ، كَمَا وَصَفَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ . وَقَوْلُ الْعِزِّ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ : " مَا رَأَيْتُ فِي كُتُبِ ج١ / ص١٠٧الْإِسْلَامِ مِثْلَ كِتَابِهِ " الْمُحَلَّى " ، وَ " الْمُغْنِي " لِابْنِ قُدَامَةَ " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، حَيْثُ حَكَمَ بِعَدَمِ اتِّصَالِهِ - أَيْضًا - . مَعَ تَصْرِيحِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : بِأَنَّ الْعَدْلَ الرَّاوِيَ إِذَا رَوَى عَمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْعُدُولِ ، فَهُوَ عَلَى اللِّقَاءِ وَالسَّمَاعِ ، سَوَاءٌ قَالَ : أَنَا أَوْ ثَنَا أَوْ عَنْ فُلَانٍ ، أَوْ قَالَ فُلَانٌ ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنْهُ عَلَى السَّمَاعِ ،وَهُوَ تَنَاقُضٌ .
بَلْ وَمَا اكْتَفَى حَتَّى صَرَّحَ - لَأَجْلِ تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ فِي إِبَاحَةِ الْمَلَاهِي - بِوَضْعِهِ مَعَ كُلِّ مَا فِي الْبَابِ ، وَأَخْطَأَ ، فَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ . ووَقَعَ لِي مِنْ حَدِيثِ عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ عَنْهُ ، بَلْ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ كُلٌّ مِنْ هِشَامٍ وَصَدَقَةَ وَابْنِ جَابِرٍ . ج١ / ص١٠٨ثُمَّ إِنَّهُ كَأنَ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ بِالِانْقِطَاعِ مَا يُوجَدُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ مَرْوِيًّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عن ذاك الشَّيْخِ بِعَيْنِهِ بِالْوَاسِطَةِ مَرَّةً ، وَتَصْرِيحِهِ بِعَدَمِ سَمَاعِهِ لَهُ مِنْهُ أُخْرَى ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، فَقَدْ وَقَعَ لَهُ إِيرَادُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ بِـ " قَالَ " فِي مَوْضِعٍ ، وَبِالتَّصْرِيحِ فِي آخَرَ .
وَحِينَئِذٍ فَكُلُّ مَا يَجِيءُ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مُحْتَمِلٌ لِلسَّمَاعِ وَعَدَمِهِ ، بَلْ وَسَمَاعُهُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَا يَسُوغُ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْجَزْمُ بِالِانْقِطَاعِ ، بَلْ وَلَا الِاتِّصَالِ - أَيْضًا - لِتَصْرِيحِ الْخَطِيبِ - كَمَا سَيَأْتِي - بِأَنَّهَا لَا تُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُهَا إِلَّا فِيمَا سَمِعَهُ . نَعَمْ . قَالَ مَا حَاصِلُهُ : إِنَّ مَنْ سَلَكَ الِاحْتِيَاطَ فِي رِوَايَةِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ بِالْإِجَازَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْجِهَاتِ الْمَوْثُوقِ بِهَا ، يَعْنِي كَالْمُنَاوَلَةِ فَحَدِيثُهُ مُحْتَجٌّ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالسَّمَاعِ ، بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ فِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ .
انْتَهَى . وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمَوْصُولِ ، لَكِنْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَقِبَ حَدِيثٍ قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ : " كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ " : إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ فِي كِتَابِهِ حَدِيثًا بِالْإِجَازَةِ - يَعْنِي عَنْ شُيُوخِهِ - غَيْرَهُ . وَتَوَسَّطَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَغَارِبَةِ ، فَوَسَمَ الْوَارِدَ بِـ " قَالَ " بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِلِ ، ج١ / ص١٠٩مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، لَكِنَّهُ أَدْرَجَ مَعَهَا " قَالَ لِي " وَنَحْوَهَا مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ جَزْمًا ، وَنُوزِعَ فِيهِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - .
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُخْتَارُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ - كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا - أَنَّ حُكْمَ " قَالَ " فِي الشُّيُوخِ مِثْلُ غَيْرِهَا مِنَ التَّعَالِيقِ الْمَجْزُومَةِ . ج١ / ص١١٠