حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

تَعْرِيفُ الحديث الْحَسَنِ

(

وَقَالَ ) الْحَافِظُ أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ ( التِّرْمِذِيُّ ) بِكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ وَالْمِيمِ ، وَقِيلَ : بِضَمِّهِمَا وَقِيلَ : بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ ، كُلُّهَا مَعَ إِعْجَامِ الذَّالِ ، نِسْبَةً لِمَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ عَلَى طَرَفِ جَيْحُونَ نَهْرِ بَلْخَ ، أَحَدُ تَلَامِذَةِ الْبُخَارِيِّ ، الْآتِي ذِكْرُهُ فِي تَارِيخِ الرُّوَاةِ وَالْوَفَيَاتِ فِي الْعِلَلِ الَّتِي بِآخِرِ جَامِعِهِ ما حَاصِلُهُ : وَمَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، فَهُوَ عِنْدَنَا ( مَا سَلِمَ مِنَ الشُّذُوذِ ) يَعْنِي : بِالتَّفْسِيرِ الْمَاضِي فِي الصَّحِيحِ ، ( مَعَ رَاوٍ ) أَيْ : مَعَ أَنَّ رُوَاةَ سَنَدِهِ كُلٌّ مِنْهُمْ . ( مَا اتُّهِمْ بِكَذِبٍ ) فَيَشْمَلُ مَا كَانَ بَعْضُ رُوَاتِهِ سَيِّئَ الْحِفْظِ ، مِمَّنْ وُصِفَ بِالْغَلَطِ أَوِ الْخَطَأِ غير الفاحش ، أَوْ مَسْتُورًا لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ جَرْحٌ وَلَا تَعْدِيلٌ ، وَكَذَا إِذَا نُقِلَا وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ ، أَوْ مُدَلَّسًا بِالْعَنْعَنَةِ ، أَوْ مُخْتَلِطًا بِشَرْطِهِ ; لِعَدَمِ مُنَافَاتِها اشْتِرَاطَ نَفْيِ الِاتِّهَامِ بِالْكَذِبِ الملحق به اشتراط انتفاء كل مفسق ، لكون الكذب من أفراده ، وإنما اقتصر عليه لكونه من آكد أسباب الرد . وَلِأَجْلِ ذَلِكَ مَعَ اقْتِضَاءِ كُلٍّ مِنْها التَّوَقُّفَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ ; لِعَدَمِ الضَّبْطِ فِي سَيِّئِ الْحِفْظِ وَالْجَهْلِ بِحَالِ الْمَسْتُورِ وَالْمُدَلِّسِ ، وَكَذَا لِشُمُولِهِ مَا بِهِ انْقِطَاعٌ بَيْنَ ثِقَتَيْنِ حَافِظَيْنِ ، وَالْمُرْسَلُ الَّذِي يُرْسِلُهُ إِمَامٌ حَافِظٌ ; لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ الِاتِّصَالَ - اشْتَرَطَ ثَالِثًا فَقَالَ : ( وَلَمْ يَكُنْ فَرْدًا وَرَدْ )
بَلْ جَاءَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَأَكْثَرَ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلَهُ ، لَا دُونَهُ ; لِيَتَرَجَّحَ بِهِ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ ; لِأَنَّ سَيِّئَ الْحِفْظِ ج١ / ص١٢٠مَثَلًا حَيْثُ يَرْوِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَبَطَ الْمَرْوِيَّ ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَكُونَ ضَبَطَهُ ، فَإِذَا وَرَدَ مِثْلُ مَا رَوَاهُ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ ضَبَطَ .

وَكُلَّمَا كَثُرَ الْمُتَابِعُ ، قَوِيَ الظَّنُّ ، كَمَا فِي أَفْرَادِ الْمُتَوَاتِرِ ; فَإِنَّ أَوَّلَهَا مِنْ رِوَايَةِ الْأَفْرَادِ ، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَكْثُرُ إِلَى أَنْ يُقْطَعَ بِصِدْقِ الْمَرْوِيِّ ، وَلَا يَسْتَطِيعُ سَامِعُهُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ . عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ إِخْرَاجُ اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ مِنَ اشْتِرَاطِ عَدَمِ الِاتِّهَامِ فِي رُوَاتِهِ ; لِتَعَذُّرِ الْحُكْمِ بِهِ مَعَ الِانْقِطَاعِ ، كَمَا مَضَى فِي تَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ الْمَخْرَجِ مَعَهُ . وَلَكِنْ مَا جَزَمْتُ بِهِ هُوَ الْمُطَابِقُ لِمَا فِي جَامِعِهِ ، فَقَدْ حَكَمَ بِالْحُسْنِ مَعَ وُجُودِ الِانْقِطَاعِ فِي أَحَادِيثَ ، بَلْ وَكَذَا فِي كُلِّ مَا لَا يُنَافِيهِ نَفْيُ الِاتِّهَامِ مِمَّا صَرَّحْتُ بِهِ .

وَحِينَئِذٍ فَقَدَ تَبَيَّنَ عَدَمُ كَوْنِ هَذَا التَّعْرِيفِ جَامِعًا لِلْحَسَنِ بِقِسْمَيْهِ ، فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الصَّحِيحِ بِقِسْمَيْهِ ، وَإِنْ زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ ، فَرَاوِيهِ لَا يُكْتَفَى فِي وَصْفِهِ بِمَا ذُكِرَ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وَصْفِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِتْقَانِ . ( قُلْتُ : وَ ) مَعَ اشْتِرَاطِ التِّرْمِذِيِّ عَدَمَ التَّفَرُّدِ فِيهِ ( قَدْ حَسَّنَ ) فِي جَامِعِهِ ( بَعْضَ مَا انْفَرَدْ ) رَاوِيهِ بِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِتَصْرِيحِهِ هُوَ بِذَلِكَ ، حَيْثُ يُورِدُ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ يَقُولُ عَقِبَهُ : إِنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، أَوْ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ ج١ / ص١٢١إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَلَكِنْ قَدْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ : بِأَنَّهُ عَرَّفَ مَا يَقُولُ فِيهِ : حَسَنٌ فَقَطْ ، مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ أُخْرَى ، لَا الْحَسَنَ مُطْلَقًا .

وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ، مَعَ تَرَدُّدِهِ فِي سَبَبِ اقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّهُ إِمَّا لِغُمُوضِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ جَدِيدٌ لَهُ ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ ، بَلْ خَصَّهُ بِـ ( جَامِعِهِ ) فَقَطْ . وَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ حَكَمَ فِي غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ عَلَى حَدِيثٍ بِأَنَّهُ حَسَنٌ ، وَقَالَ قَائِلٌ : لَيْسَ لَنَا أَنْ نُفَسِّرَ الْحَسَنَ هُنَاكَ بِمَا هُوَ مُفَسَّرٌ بِهِ هُنَا إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ ، لَكَانَ لَهُ ذَلِكَ . وَلَكِنْ يَتَأَيَّدُ الْأَوَّلُ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي الْكَبِيرِ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ : " عِنْدَنَا " ، حِكَايَةَ اصْطِلَاحِهِ مَعَ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ : وَإِرْسَالُ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَنَا ، أَيْ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ .

انْتَهَى . وَيُبْعِدُهُ قَوْلُهُ : وَمَا ذَكَرْنَا ، وَكَذَا قَوْلُهُ : " فَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ " ، وَحِينَئِذٍ فَالنُّونُ لِإِظْهَارِ نِعْمَةِ التَّلَبُّسِ بِالْعِلْمِ الْمُتَأَكِّدِ تَعْظِيمُ أَهْلِهِ ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ج١ / ص١٢٢ . مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْإِعْجَابِ وَنَحْوِهِ الْمَذْمُومِ مَعَهُ مِثْلُ هَذَا ، [ لَا سِيَّمَا وَالْعَرَبُ - كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ فِي : " إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ " مِنَ التَّفْسِيرِ - تُؤَكِّدُ فِعْلَ الْوَاحِدِ ، فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ ; لِيَكُونَ أَثْبَتَ وَأَوْكَدَ ] .

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ : فَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ أَلْيَقُ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّاذِّ . ( وَقِيلَ ) :

مِمَّا عَزَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مُرِيدًا بِهِ الْحَافِظَ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ ; حَيْثُ قَالَ فِي تَصْنِيفَيْهِ " الْمَوْضُوعَاتُ " وَ " الْعِلَلُ الْمُتَنَاهِيَةُ " : الْحَسَنُ ( مَا به ضِعْفٌ قَرِيبٌ مُحْتَمَلْ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ ( فِيهِ )
. وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ ، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَلَى طَرِيقَةِ التَّعَارِيفِ ; فَإِنَّ هَذِهِ صِفَةُ الْحَسَنِ الْمَوْصُوفِ بِالْحُسْنِ إِذَا اعْتَضَدَ بِغَيْرِهِ ، حَتَّى لَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ ضَعِيفًا ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى عَدَمِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ .

عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ صِفَةُ الْحَسَنِ مُطْلَقًا ، فَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ إِذَا عَارَضَ الصَّحِيحَ ، كَانَ مَرْجُوحًا ، وَالصَّحِيحُ رَاجِحًا . فَضَعْفُهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ ، وَالْحَسَنُ لِغَيْرِهِ أَصْلُهُ ضَعِيفٌ ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْحُسْنُ بِالْعَاضِدِ الَّذِي عَضَدَهُ ، فَاحْتَمَلَ لِوُجُودِ الْعَاضِدِ ، وَلَوْلَا الْعَاضِدُ لَاسْتَمَرَّتْ صِفَةُ الضَّعْفِ فِيهِ . ( وَ ) لَكِنْ مَعَ مَا تَكَلَّفْنَاهُ فِي توجيه هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ ( مَا بِكُلٍّ ذَا ) أَيْ : مَا تَقَدَّمَ ( حَدٌّ ) صَحِيحٌ جَامِعٌ لِلْحَسَنِ ( حَصَلْ ) ، بَلْ هُوَ مُسْتَبْهَمٌ ، لَا يَشْفِي ج١ / ص١٢٣الْعلِيلَ ، يَعْنِي لِعَدَمِ ضَبْطِ الْقَدْرِ الْمُحْتَمَلِ مِنْ غَيْرِهِ بِضَابِطٍ فِي آخِرِهَا ، وَكَذَا فِي الشُّهْرَةِ فِي أَوَّلِهَا ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ فِيهِمَا ، وَفِي تَعْرِيفِ التِّرْمِذِيِّ ، الذي زَعَمَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ أَجْوَدُهَا ،

وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَاهُ اضْطِرَابًا
.

موقع حَـدِيث