حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

تَعْرِيفُ الحديث الْحَسَنِ

الْقِسْمُ الثَّانِي : الْحَسَنُ وَقُدِّمَ لِاشْتِرَاكِهِ مَعَ الصَّحِيحِ فِي الْحُجِّيَّةِ ، ( وَالْحَسَنُ ) لَمَّا كَانَ بِالنَّظَرِ لِقِسْمَيْهِ الْآتِيَيْنِ تَتَجَاذَبُهُ الصِّحَّةُ وَالضَّعْفُ ، اخْتَلَفَ تَعْبِيرُ الْأَئِمَّةِ فِي تَعْرِيفِهِ ، بِحَيْثُ أَفْرَدَ فِيهِ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي شُيُوخِ شُيُوخِنَا رِسَالَةً . فَقِيلَ : هُوَ ( الْمَعْرُوفُ مَخْرَجًا ) أَيِ : الْمَعْرُوفُ مَخْرَجُهُ ، وَهُوَ كَوْنُهُ شَامِيًّا عِرَاقِيًّا مَكِّيًّا كُوفِيًّا . كَأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ رِاوٍ قَدِ اشْتُهِرَ بِرِوَايَةِ حَدِيثِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، كَقَتَادَةَ وَنَحْوِهِ فِي الْبَصْرِيِّينَ ، فَإِنَّ حَدِيثَ الْبَصْرِيِّينَ إِذَا جَاءَ عَنْ قَتَادَةَ وَنَحْوِهِ ، كَانَ مَخْرَجُهُ مَعْرُوفًا بِخِلَافِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ .

وَذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنِ الِاتِّصَالِ ; إِذِ الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ - لِعَدَمِ بُرُوزِ رِجَالِهَا - لَا يُعْلَمُ مَخْرَجُ الْحَدِيثِ مِنْهَا ، وَكَذَا الْمُدَلَّسُ - بِفَتْحِ اللَّامِ - وَهُوَ الَّذِي سَقَطَ مِنْهُ بَعْضُهُ ، مَعَ إِيهَامِ الِاتِّصَالِ . ( وَقَدِ اشْتَهَرَتْ رِجَالُهُ ) بِالْعَدَالَةِ ، وَكَذَا الضَّبْطُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنِ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ ، وَلَا بُدَّ مَعَ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَن لا يَكُونَ شَاذًّا وَلَا مُعَلَّلًا ، لَكِنْ ( بِذَاكَ ) أَيْ : بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاتِّصَالِ وَالشُّهْرَةِ ( حَدَّ ) الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ( حَمْدٌ ) - بِدُونِ هَمْزَةٍ ، وَقِيلَ : بِإِثْبَاتِهَا وَلَا يَصِحُّ - ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيُّ الشَّافِعِيُّ ، مُصَنِّفُ أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ ، وَمَعَالِمِ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَحَدُ شُيُوخِ الْحَاكِمِ ، مَاتَ بِـ بُسْتَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . كَمَا عَرَّفَ الصَّحِيحَ بِأَنَّهُ مَا اتَّصَلَ سَنَدُهُ وَعَدُلَتْ نَقَلَتُهُ ، غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِمَزِيدٍ ، وَلِأَجْلِ تَعْرِيفِهِ لَهُ فِي مَعَالِمِهِ بِجَانِبِهِ ، نَوَّعَ الْعِبَارَةَ ، وَتَعَيَّنَ حَمْلُ الِاشْتِهَارِ فِيهِ عَلَى الْمُتَوَسِّطِ كَمَا قَرَّرْتُهُ .

وَتَقَوَّى بِهِ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَكَأَنَّهُ - أَيِ : الْخَطَّابِيَّ - أَرَادَ مَا لَمْ يَبْلُغْ مَرْتَبَةَ الصَّحِيحِ قَالَ : ( وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي عِبَارَتِهِ كَبِيرُ تَلْخِيصٍ لِدُخُولِ الصَّحِيحِ فِي التَّعْرِيفِ ; لِأَنَّهُ أَيْضًا قَدْ عُرِفَ مَخْرَجُهُ ، وَاشْتُهِرَ رِجَالُهُ ) . هَذَا مَعَ أَنَّ التَّاجَ التِّبْرِيزِيَّ أَلْزَمَ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ بِانْتِقَادِهِ إِدْخَالَ الصَّحِيحِ فِي الْحَسَنِ ، مَعَ قَوْلِهِ فِي الْجَوَابِ عَنِ اسْتِشْكَالِ جَمْعِ التِّرْمِذِيِّ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالصِّحَّةِ - كَمَا سَيَأْتِي - : كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ - التَّنَاقُضَ . وَقَالَ : ( إِنَّ دُخُولَ الْخَاصِّ ، وَهُوَ هُنَا الصَّحِيحُ - فِي حَدِّ الْعَامِّ ضَرُورِيٌّ ، وَالتَّقْيِيدُ بِمَا يُخْرِجُهُ عَنْهُ مُخِلٌّ لِلْحَدِّ ) .

وَقَالَ الشَّارِحُ : ( إِنَّهُ مُتَّجِهٌ ) . انْتَهَى . وَبِهِ أَيْضًا انْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ ، وَحَاصِلُهُ : أَنَّ مَا وُجِدَتْ فِيهِ هَذِهِ الْقُيُودُ كَانَ حَسَنًا ، وَمَا كَانَ فِيهِ مَعَهَا قَيْدٌ آخَرُ يَصِيرُ صَحِيحًا ، وَلَا شَكَّ فِي صِدْقِ مَا لَيْسَ فِيهِ عَلَى مَا فِيهِ ، إِذَا وُجِدَتْ قُيُودُ الْأَوَّلِ .

لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّ هَذَا كُلَّهُ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الصَّحِيحِ . أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ وَجْهٍ - كَمَا هُوَ وَاضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ - فَلَا يَرِدُ اعْتِرَاضُ التِّبْرِيزِيُّ ; إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الصَّحِيحِ أَخَصَّ مِنَ الْحَسَنِ مِنْ وَجْهٍ ، أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْهُ مُطْلَقًا ، حَتَّى يَدْخُلَ الصَّحِيحُ فِي الْحَسَنِ . انْتَهَى .

وَبَيَانُ كَوْنِهِ وَجِهيا فِيمَا يَظْهَرُ : أَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ الصَّحِيحُ لِغَيْرِهِ ، وَالْحَسَنُ لِذَاتِهِ ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي الصَّحِيحِ لِذَاتِهِ ، وَالْحَسَنِ لِغَيْرِهِ ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُبَايَنَةِ الْجُزْئِيَّةِ . ثُمَّ رَجَعَ شَيْخُنَا ، فَقَالَ : وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ ; لِأَنَّهُمَا قَسمَانِ فِي الْأَحْكَامِ ، فَلَا يَصْدُقُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَلْبَتَّةَ . قُلْتُ : وَيَتَأَيَّدُ التَّبَايُنُ بِأَنَّهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الضَّبْطِ ، فَحَقِيقَتُهُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرُ الْأُخْرَى ; لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْمُشَكَّكِ مِنَ اخْتِلَافِ أَفْرَادِهِ ، وَأَنَّ مِنْ أَقْسَامِهِ كَوْنَ مَعْنَى الشَّيْءِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَشَدَّ مِنَ الْآخَرِ ، وَتَمْثِيلُ ذَلِكَ بِبَيَاضِ الثَّلْجِ وَالْعَاجِ عَلَى مَا بُسِطَ فِي مَحَالِّهِ .

وَهُوَ مِثْلُ مَنْ جَعَلَ الْمُبَاحَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ ، لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَأْذُونًا فِيهِ ، وَغَفَلَ عن فَصَلَ الْمُبَاحَ ، وَهُوَ عَدَمُ الذَّمِّ لِتَارِكِهِ . فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ الْحَسَنَ مِنْ جِنْسِ الصَّحِيحِ لِلِاجْتِمَاعِ فِي الْقَبُولِ ، غَفَلَ عَنْ فَصْلِ الْحَسَنِ ، وَهُوَ قُصُورُ ضَبْطِ رَاوِيهِ . عَلَى أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا - مِمَّا لَمْ يَصِحَّ عِنْدِي - الِاعْتِنَاءُ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ; بِأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَخَصُّ اسْتِطْرَادًا وَبَحْثًا ، بِخِلَافِ مُنَاقَشَتِهِ مَعَ الْخَطَّابِيِّ ، فَهِيَ فِي أَصْلِ الْبَابِ ، وَمَا يَكُونُ فِي بَابِهِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ ، بَلِ الْكَلَامَانِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ .

موقع حَـدِيث