عَدَمُ التَّلَازُمِ بَيْنَ صِحَّةِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ
وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْقِسْمَيْنِ بِانْفِرَادِهِ ، نَاسَبَ إِرْدَافَهُمَا بِمَسْأَلَتَيْنِ مُتَعَلِّقَتَيْنِ بِهِمَا ; فَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : ( وَالْحُكْمُ ) الصَّادِرُ مِنَ الْمُحَدِّثِ ( لِلْإِسْنَادِ بِالصِّحَّةِ ) كَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ ( أَوْ بِالْحُسْنِ ) كَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ ( دُونَ الْحُكْمِ ) مِنْهُ بِذَلِكَ ( لِلْمَتْنِ ) كَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ . كَمَا ( رَأَوْا ) حَسَبَمَا اقْتَضَاهُ تَصْرِيحُهُمْ بِأَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ; إِذْ قَدْ يَصِحُّ السَّنَدُ أَوْ يَحْسُنُ ; لِاسْتِجْمَاعِ شُرُوطِهِ مِنَ الِاتِّصَالِ ، وَالْعَدَالَةِ ، وَالضَّبْطِ دُونَ الْمَتْنِ ; لِشُذُوذٍ أَوْ عِلَّةٍ . وَلَا يَخْدِشُ فِي عَدَمِ التَّلَازُمِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، مُرَادُهُمْ بِهِ اتِّصَالُ سَنَدِهِ مَعَ سَائِرِ الْأَوْصَافِ فِي الظَّاهِرِ ، لَا قَطْعًا ; لِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهِ الْحُكْمَ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَسَانِيدِ ذَاكَ الْحَدِيثِ .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَالتَّقْيِيدُ بِالْإِسْنَادِ لَيْسَ صَرِيحًا فِي صِحَّةِ الْمَتْنِ وَلَا ضَعْفِهِ ، بَلْ هُوَ عَلَى الِاحْتِمَالِ ، إِنْ صَدَرَ مِمَّنْ لَمْ يَطَّرِدْ لَهُ عَمَلٌ فِيهِ ، أَوِ اطَّرَدَ فِيمَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ صِحَّةُ مَتْنِهِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ مُنْحَطَّ الرُّتْبَةِ عَنِ الْحُكْمِ لِلْحَدِيثِ . ( وَاقْبَلْهُ ) أَيِ : الْحُكْمَ لِلْإِسْنَادِ بِالصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ فِي الْمَتْنِ أَيْضًا ( إِنْ أَطْلَقَهُ ) أَيِ : الْحُكْمَ لِلْإِسْنَادِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ( مَنْ يُعْتَمَدْ ) أَيْ : مِمَّنْ عُرِفَ بِاطِّرَادِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ ، خُصُوصًا إِنْ كَانَ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ الْحَامِلُ لِابْنِ الصَّلَاحِ عَلَى التَّفْرِقَةِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : غَيْرَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ الْمُعْتَمَدَ مِنْهُمْ . إِلَى آخِرِهِ .
فَكَأَنَّهُ خَصَّ الْأَوَّلَ بِمَنْ لَمْ يُصَنِّفْ مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ الْكَلَامُ عَلَى الْأَحَادِيثِ إِجَابَةً لِمَنْ سَأَلَهُ ، أَوْ صَنَّفَ لَا عَلَى الْأَبْوَابِ ، بَلْ عَلَى الْمَشْيَخَاتِ وَالْمَعَاجِمِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ هَذَا الْحَمْلِ ، فَقَدْ قِيلَ بِنَحْوِهِ فِي الْعَزْوِ لَأَصْلِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ مِمَّا يُنْقَلُ مِنْهَا بِدُونِ مُقَابَلَةٍ عَلَيْهِ ; حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّصْنِيفِ عَلَى الْأَبْوَابِ وَغَيْرِهَا . وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ الصَّلَاحِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرِهِ ; إِذْ غَيْرُ الْمُعْتَمَدِ لَا يُعْتَمَدُ ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : الْكُلُّ مُعْتَمَدُونَ ; غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَشَدُّ اعْتِمَادًا . وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْغَايَةِ فِي الْعُمْدَةِ بِالْجِهْبِذِ .
( وَ ) ذَلِكَ حَيْثُ ( لَمْ يُعَقِّبْهُ ) أَيِ : الْحُكْمَ لِلْإِسْنَادِ ( بِضَعْفٍ يُنْتَقَدْ ) بِهِ الْمَتْنُ ، إِمَّا نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ بِنَقْدِهِ هُوَ وَتَصَرُّفِهِ ; إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : الْحُكْمُ لَهُ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ - أَيْ : فِي نَفْسِ الْمَتْنِ - لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ ، أَيْ : فِي هَذَا الْمَتْنِ خَاصَّةً ، نَظَرًا إِلَى أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الْمُصَنِّفَ إِنَّمَا أَطْلَقَ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنِ انْتِقَاءِ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عَدَمُ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ مُطْلَقًا ، مَا اشْتُرِطَ عَدَمُهُ فِي الصَّحِيحِ . وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الْحُكْمُ لِلْإِسْنَادِ بِالضَّعْفِ ; إِذْ قَدْ يَضْعُفُ لِسُوءِ حِفْظٍ وَانْقِطَاعٍ وَنَحْوِهِمَا ، وَلِلْمَتْنِ طَرِيقٌ آخَرُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ ، كَمَا سَيَأْتِي أَوَّلَ التَّنْبِيهَاتِ التَّالِيَةِ لِلْمَقْلُوبِ . وَلَكِنَّ الْمُحَدِّثَ الْمُعْتَمَدَ لَوْ لَمْ يَفْحَصْ عَنِ انْتِفَاءِ الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ ، مَا أَطْلَقَ .
ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ مَا تَقَرَّرَ قَدْ يدعى أَرْجَحِيَّةَ مَا نَصَّ فِيهِ عَلَى الْمَتْنِ ; لِمَا عُلِمَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِالْعِبَارَةِ وَالنَّصِّ عَلَى مَا هُوَ بِالظُّهُورِ وَاللُّزُومِ . وَمِمَّا يَشْهَدُ لِعَدَمِ التَّلَازُمِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ ابْنِ خَلَّادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ : تَسَحَّرُوا فِإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً . وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَأَحْسَبُ الْغَلَطَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ .
وَكَذَا أَوْرَدَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ غَيْرَ حَدِيثٍ يَحْكُمُ عَلَى إِسْنَادِهِ بِالصِّحَّةِ ، وَعَلَى الْمَتْنِ بِالْوَهَاءِ ; لِعِلَّتِهِ أَوْ شُذُوذِهِ ، إِلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَكَذَا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْمِزِّيِّ ; حَيْثُ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْحُكْمُ بِصَلَاحِيَةِ الْإِسْنَادِ وَنَكَارَةِ الْمَتْنِ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ الْبَصْرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ، فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ ، وَقَالَ بَعْدَهُ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ . وَنَحْوُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَفَعَهُ : تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ .
، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ ، وَقَالَ عَقِبَهُ : هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ جِدًّا ، وَلَكِنْ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ .