حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

تعريف المرسل

الْمُرْسَلُ وَجَمْعُهُ مَرَاسِيلُ - بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَحَذْفِهَا أَيْضًا - وَأَصْلُهُ - كَمَا هُوَ حَاصِلُ كَلَامِ الْعَلَائِيِّ - مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِطْلَاقِ ، وَعَدَمِ الْمَنْعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ ; فَكَأَنَّ الْمُرْسِلَ أَطْلَقَ الْإِسْنَادَ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِرَاوٍ مَعْرُوفٍ . أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ : نَاقَةٌ مِرْسَالٌ ، أَيْ : سَرِيعَةُ السَّيْرِ ; كَأَنَّ الْمُرْسِلَ أَسْرَعَ فِيهِ عَجِلًا ، فَحَذَفَ بَعْضَ إِسْنَادِهِ . قَالَ كَعْبٌ : أَمْسَتْ سُعَادُ بِأَرْضٍ لَا يُبَلِّغُهَا إِلَّا الْعِتَاقُ النَّجِيبَاتُ الْمَرَاسِيلُ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ : جَاءَ الْقَوْمُ أَرْسَالًا ، أَيْ : مُتَفَرِّقِينَ ; لِأَنَّ بَعْضَ الْإِسْنَادِ مُنْقَطِعٌ مِنْ بَقِيَّتِهِ .

وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَـ ( مَرْفُوعُ ) أَيْ : مُضَافٌ ( تَابِعٍ ) مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّصْرِيحِ أَوِ الْكِنَايَةِ ( عَلَى الْمَشْهُورِ ) عِنْدَ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ ( مُرْسَلٌ ) كَمَا نَقَلَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُمْ ، وَاخْتَارَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ ، وَوَافَقَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ . وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ كَالْقَرَافِيِّ فِي التَّنْقِيحِ بِإِسْقَاطِ الصَّحَابِيِّ مِنَ السَّنَدِ ، وَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ فِيهِ ، وَنَقَلَ الْحَاكِمُ تَقْيِيدَهُمْ لَهُ بِاتِّصَالِ سَنَدِهِ إِلَى التَّابِعِيِّ ، وَقَيَّدَهُ فِي الْمَدْخَلِ بِمَا لَمْ يَأْتِ اتِّصَالُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، كَمَا سَيَأْتِي كُلٌّ مِنْهُمَا . وَكَذَا قَيَّدَهُ شَيْخُنَا بِمَا سَمِعَهُ التَّابِعِيُّ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَخْرُجَ مَنْ لَقِيَهُ كَافِرًا فَسَمِعَ مِنْهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ وَفَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَدَّثَ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ ، كَالتَّنُّوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ ; فَإِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ تَابِعِيًّا مَحْكُومٌ لِمَا سَمِعَهُ بِالِاتِّصَالِ لَا الْإِرْسَالِ ، وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ ، وَكَأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْهُ لِنُدُورِهِ .

وَخَرَجَ بِقَيْدِ التَّابِعِيِّ مُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ ; كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا ، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ ، وَشَمِلَ إِطْلَاقُهُ الْكَبِيرَ مِنْهُمْ - وَهُوَ الَّذِي لَقِيَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ وَجَالَسَهُمْ ، وَكَانَتْ جُلُّ رِوَايَتِهِ عَنْهُمْ - وَالصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْعَدَدَ الْيَسِيرَ ، أَوْ لَقِيَ جَمَاعَةً ، إِلَّا أَنَّ جُلَّ رِوَايَتِهِ عَنِ التَّابِعِينَ . ( أو قَيِّدْهُ بِـ ) التَّابِعِيِّ ( الْكَبِيرِ ) كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَرْفُوعَ صَغِيرِ التَّابِعِينَ إِنَّمَا يُسَمَّى مُنْقَطِعًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ ( التَّمْهِيدِ ) : الْمُرْسَلُ أَوْقَعُوهُ بِإِجْمَاعٍ عَلَى حَدِيثِ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَمَثَّلَ بِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ مَنْ دُونَهُمْ وَسمَّى جَمَاعَةً ، قَالَ : وَكَذَلِكَ وسَمَّى مَنْ دُونَهُمْ أَيْضًا مِمَّنْ صَحَّ لَهُ لِقَاءُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمُجَالَسَتِهِمْ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ أَيْضًا مُرْسَلُ مَنْ دُونَهُمْ ، فَأَشَارَ بِهَذَا الْأَخِيرِ إِلَى مَرَاسِيلَ صِغَارِ التَّابِعِينَ .

ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ آخَرُونَ : لَا ، يَعْنِي لَا يَكُونُ حَدِيثُ صِغَارِ التَّابِعِينَ مُرْسَلًا ، بَلْ يُسَمَّى مُنْقَطِعًا ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْقَوْا مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا الْوَاحِدَ أَوِ الِاثْنَيْنِ ، فَأَكْثَرَ رِوَايَتِهِمْ عَنِ التَّابِعِينَ . وَإِلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ أَشَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ : وَصُورَتُهُ الَّتِي لَا خِلَافَ فِيهَا حَدِيثُ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ . قَالَ شَيْخُنَا : وَلَمْ أَرَ التَّقْيِيدَ بِالْكَبِيرِ صَرِيحًا عَنْ أَحَدٍ .

نَعَمْ . قَيَّدَ الشَّافِعِيُّ الْمُرْسَلَ الَّذِي يُقْبَلُ إِذَا اعْتَضَدَ - كَمَا سَيَأْتِي - بِأَنْ يَكُونَ مِنْ رِوَايَةِ التَّابِعِيِّ الْكَبِيرِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُسَمِّي مَا رَوَاهُ التَّابِعِيُّ الصَّغِيرُ مُرْسَلًا . بَلِ الشَّافِعِيُّ مُصَرِّحٌ بِتَسْمِيَةِ رِوَايَةِ مَنْ دُونَ كِبَارِ التَّابِعِينَ مُرْسَلَةً ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : وَمَنْ نَظَرَ فِي الْعِلْمِ بِخِبْرَةٍ وَقِلَّةِ غَفْلَةٍ ، اسْتَوْحَشَ مِنْ مُرْسَلِ كُلِّ مَنْ دُونَ كِبَارِ التَّابِعِينَ بِدَلَائِلَ ظَاهِرَةٍ .

( أَوْ سَقْطُ رَاوٍ مِنْهُ ) أَيِ : الْمُرْسَلُ مَا سَقَطَ رَاوٍ مِنْ سَنَدِهِ ; سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ آخِرِهِ ، أَوْ بَيْنَهُمَا وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ ، كَمَا يُومِئُ إِلَيْهِ تَنْكِيرُ رَاوٍ ، وَجَعْلُهُ اسْمَ جِنْسٍ ; لِيَشْمَلَ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ - سُقُوطَ رَاوٍ فَأَكْثَرَ ; بِحَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ وَالْمُعَلَّقُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْخَطِيبِ ; حَيْثُ أَطْلَقَ الِانْقِطَاعَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِفَايَتِهِ : الْمُرْسَلُ هُوَ مَا انْقَطَعَ إِسْنَادُهُ ; بِأَنْ يَكُونَ فِي رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ . وَكَذَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا : لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ إِرْسَالَ الْحَدِيثِ الَّذِي لَيْسَ بِالمُدَلَّسٍ ، هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَمْ يُعَاصِرْهُ ; كَالتَّابِعِينَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَمَالِكٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ وَلَمْ يَلْقَهُ ; كَالثَّوْرِيِّ ، وَشُعْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ . قَالَ : وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ ، فَالْحُكْمُ فِيهِ - وَكَذَا فِيمَنْ لَقِيَ مَنْ أَضَافَ إِلَيْهِ ، وَسَمِعَ مِنْهُ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ - وَاحِدٌ .

وَحَاصِلُهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْإِرْسَالِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ ، وَالتَّدْلِيسِ فِي الْحُكْمِ . وَنَحْو قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَطَّانِ فِي بَيَانِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّدْلِيسِ - : الْإِرْسَالُ : رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ ، بَلْ وَعَنِ الْخَطِيبِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَالْمَعْرُوفُ فِي الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ - أَيِ : الْمُنْقَطِعَ وَالْمُعْضَلَ - يُسَمَّى مُرْسَلًا ، قَالَ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْخَطِيبُ ، وَقَطَعَ بِهِ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : الْمُرْسَلُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْخَطِيبِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ - : مَا انْقَطَعَ إِسْنَادُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْمُنْقَطِعِ ; فَإِنَّ قَوْلَهُ : ( عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ ) يَشْمَلُ الِابْتِدَاءَ وَالِانْتِهَاءَ ، وَمَا بَيْنَهُمَا الْوَاحِدَ فَأَكْثَرَ .

وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : وَمُرَادُنَا بِالْمُرْسَلِ هُنَا : مَا انْقَطَعَ إِسْنَادُهُ ، فَسَقَطَ مِنْ رُوَاتِهِ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ ، وَخَالَفَنَا أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ ، فَقَالُوا : هُوَ رِوَايَةُ التَّابِعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . انْتَهَى . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنَحْوِهِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْحَاكِمُ ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْمَدْخَلِ وَتَبِعَهُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : وَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ أَوْ تَابِعِ التَّابِعِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم قَرْنٌ أَوْ قَرْنَانِ ، وَلَا يَذْكُرُ سَمَاعَهُ مِنَ الَّذِي سَمِعَهُ ، يَعْنِي : فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، كَمَا سَيَأْتِي أَوَاخِرَ الْبَابِ .

وَلَكِنَّ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ فِي عُلُومِهِ خِلَافُ ذَلِكَ ، وَكَذَا أَطْلَقَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى التَّعْلِيقِ مُرْسَلًا ، وَمِمَّنْ أَطْلَقَ الْمُرْسَلَ عَلَى الْمُنْقَطِعِ مِنْ أَئِمَّتِنَا أَبُو زُرْعَةَ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، ثُمَّ الدَّارَقُطْنِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ ، بَلْ صَرَّحَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ; بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِكَوْنِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ . وَكَذَا صَرَّحَ هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ فِي حَدِيثٍ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ; بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ; لِكَوْنِهِ لَمْ يُدْرِكِ ابْنَ مَسْعُودٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي حَدِيثٍ لِابْنِ سِيرِينَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ ; بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ حَكِيمٍ ، وَهُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ فِي آخَرِينَ . وَأَمَّا أَبُو الْحَسَينِ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا ; فَإِنَّهُ قَالَ : الْمُرْسَلُ : أَنْ يَرْوِيَ بَعْضُ التَّابِعِينَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرًا ، أَوْ يَكُونَ بَيْنَ الرَّاوِي وَبَيْنَ رَجُلٍ رَجُلٌ .

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ : الْمُرْسَلُ : مَا سَقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ وَاحِدٌ ، فَإِنْ سَقَطَ أَكْثَرُ فَهُوَ مُعْضَلٌ . ثُمَّ إِنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِشُمُولِهِ الْمُعْضَلَ وَالْمُعَلَّقَ ، قَدْ تَوَسَّعَ مَنْ أَطْلَقَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى قَوْلِ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْأَعْصَارِ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا . وَكَأنَ ذَلِكَ سَلَفَ الصَّفَدِيِّ ; حَيْثُ قَالَ فِي تَذْكِرَتِهِ حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ : الْمُرْسَلُ : مَا وَقَعَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ عَنْعَنَةٍ ، وَالْمُسْنَدُ : مَا رَفَعَه رَاوِيهِ بِالْعَنْعَنَةِ .

فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ قَائِلَهُ أَرَادَ بِالْعَنْعَنَةِ الْإِسْنَادَ ، فَهُوَ كَقَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ - تَبَعًا لِغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ - : الْمُرْسَلُ قَوْلُ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مَا لَوْ كَثُرَتِ الْوَسَائِطُ . وَلَكِنْ قَدْ قَالَ الْعَلَائِيُّ : إِنَّ الظَّاهِرَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ فِي أَثْنَاءِ اسْتِدْلَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُرِيدُونَهُ ، بَلْ إِنَّمَا مُرَادُهُمْ مَا سَقَطَ مِنْهُ التَّابِعِيُّ مَعَ الصَّحَابِيِّ ، أَوْ مَا سَقَطَ مِنْهُ اثْنَانِ بَعْدَ الصَّحَابِيِّ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ ، مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ الشَّافِعِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْمُتَقَدِّمِ بُطْلَانُ اعْتِبَارِ الْأَسَانِيدِ ، الَّتِي هِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَتَرْكُ النَّظَرِ فِي أَحْوَالِ الرُّوَاةِ ، وَالْإِجْمَاعُ فِي كُلِّ عَصْرٍ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، وَظُهُورُ فَسَادِهِ غَنِيٌّ عَنِ الْإِطَالَةِ فِيهِ . انْتَهَى .

وَلِذَلِكَ خَصَّهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَهْلِ الْأَعْصَارِ الْأُوَلِ - يَعْنِي الْقُرُونَ الْفَاضِلَةَ - لِمَا صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ . قَالَ الرَّاوِي : فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ؟ وَفِي رِوَايَةٍ : جَزَمَ فِيهَا بِثَلَاثَةٍ بَعْدَ قَرْنِهِ بِدُونِ شَكٍّ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ . وَفِي رِوَايَةٍ : ثُمَّ ذَكَرَ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوَفُّونَ .

وَحِينَئِذٍ فَالْمُرْسَلُ ( ذُو أَقْوَالِ ) الثَّالِثُ أَوْسَعُهَا ، وَالثَّانِي أَضْيَقُهَا ( وَالْأَوَّلُ الْأَكْثَرُ فِي اسْتِعْمَالِ ) أَهْلِ الْحَدِيثِ ; كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ ، وَعِبَارَتُهُ عَقِبَ حِكَايَةِ الثَّالِثِ مِنْ كِفَايَتِهِ : إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُوصَفُ بِالْإِرْسَالِ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالِ مَا رَوَاهُ التَّابِعِيُّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَمَّا مَا رَوَاهُ تَابِعُ التَّابِعِيِّ فَيُسَمُّونَهُ الْمُعْضَلَ . بَلْ صَرَّحَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ بِأَنَّ مَشَايِخَ الْحَدِيثِ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُ بِأَسَانِيدَ مُتَّصِلَةٍ إِلَى التَّابِعِيِّ ، ثُمَّ يَقُولُ التَّابِعِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَى حِكَايَةِ الِاتِّفَاقِ .

موقع حَـدِيث