هَلِ الْمُعَنْعَنُ مُتَّصِلٌ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ - يَعْنِي مِمَّنْ لَمْ يَظْهَرْ تَدْلِيسُهُ - سَمَاعٌ مِنْ إِنْسَانٍ فَحَدَّثَ عَنْهُ ، فَهُوَ عَلَى السَّمَاعِ ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ مَا حَكَاهُ ، وَكُلُّ مَنْ عُلِمَ لَهُ لِقَاءُ إِنْسَانٍ فَحَدَّثَ عَنْهُ ، فَحُكْمُهُ هَذَا الْحُكْمُ . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ وَفِي سَائِرِ الْبَابِ : أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ ، لَكَانَ بِإِطْلَاقِهِ الرِّوَايَةَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُدَلِّسًا ، وَالظَّاهِرُ السَّلَامَةُ مِنْ وَصْمَةِ التَّدْلِيسِ ، وَالْكَلَامُ فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالتَّدْلِيسِ . ( وَبَعْضُهُمْ ) كَالْحَاكِمِ ( حَكَى بِذَا ) الْمَذْهَبِ ( إِجْمَاعًا ) ، وَعِبَارَتُهُ : الْأَحَادِيثُ الْمُعَنْعَنَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَدْلِيسٌ مُتَّصِلَةٌ بِإِجْمَاعِ أَئِمَّةِ النَّقْلِ .
وَكَذَا قَالَ الْخَطِيبُ : أَهْلُ الْعِلْمِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُحَدِّثِ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ : فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ ، صَحِيحٌ مَعْمُولٌ بِهِ إِذَا كَانَ لَقِيَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ . وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مُقَدِّمَةِ تَمْهِيدِهِ : أَجْمَعُوا - أَيْ : أَهْلُ الْحَدِيثِ - عَلَى قَبُولِ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ ، إِذَا جَمَعَ شُرُوطًا ثَلَاثَةً : الْعَدَالَةَ ، وَاللِّقَاءَ مُجَالَسَةً وَمُشَاهَدَةً ، وَالْبَرَاءَةَ مِنَ التَّدْلِيسِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ .
ثُمَّ قَالَ : وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ عَنْ مَحْمُولَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ عَلَى الِاتِّصَالِ ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَيُعْرَفَ الِانْقِطَاعُ فِيهَا ، وَسَاقَ الْأَدِلَّةَ . وَادَّعَى أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ - أَيْضًا - تَبَعًا لِلْحَاكِمِ إِجْمَاعَ أَهْلِ النَّقْلِ عَلَى ذَلِكَ ، وَزَادَ فَاشْتَرَطَ مَا سَيَأْتِي عَنْهُ قَرِيبًا .