تَعَارُضُ الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ
( وَرَأَوْا ) أَيْ : أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي تَعَارُضِ الرَّفْعِ والوقف ، بِأَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ بَعْضُ الثِّقَاتِ مَرْفُوعًا ، وَبَعْضُهُمْ مَوْقُوفًا ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ( أَنَّ الْأَصَحَّ ) كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ( الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ ) ; لِأَنَّ رَاوِيَهُ مُثْبِتٌ وَغَيْرَهُ سَاكِتٌ ، وَلَوْ كَانَ نَافِيًا فَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَلِمَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ . ج١ / ص٣١٠وَالثَّانِي : أَنَّ الْحُكْمَ لِمَنْ وَقَفَ ، حَكَاهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَفِيهَا قول ثَالِثٌ أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " مَوْضُوعَاتِهِ " ; حَيْثُ قَالَ : إِنَّ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا تَرَكَا أَشْيَاءَ تَرْكُهَا قَرِيبٌ ، وَأَشْيَاءَ لَا وَجْهَ لِتَرْكِهَا ، فَمِمَّا لَا وَجْهَ لِتَرْكِهِ أَنْ يَرْفَعَ الْحَدِيثَ ثِقَةٌ فَيَقِفَهُ آخَرُ ، فَتَرْكُ هَذَا لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ الرَّفْعَ زِيَادَةٌ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، إِلَّا أَنْ يَقِفَهُ الْأَكْثَرُونَ وَيَرْفَعَهُ وَاحِدٌ ، فَالظَّاهِرُ غَلَطُهُ ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ حَفِظَ دُونَهُمْ .
انْتَهَى . وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْحَاكِمِ : قُلْتُ لِلدَّارَقُطْنِيِّ : فَخَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ؟ فَقَالَ : ثِقَةٌ ، إِنَّمَا أَخْطَأَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ ، فَرَفَعَهُ وَوَقَفَهُ النَّاسُ ، وَقُلْتُ لَهُ : فَسَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ ؟ فَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ يُسْنِدُهَا وَغَيْرُهُ يَقِفُهَا . وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ كَمَا تَقَدَّمَ أَصَحُّ .
( وَلَوْ ) كَانَ الِاخْتِلَافُ ( مِنْ ) رَاوٍ ( وَاحِدٍ فِي ذَا وَذَا ) أَيْ : فِي كُلٍّ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ ; كَأَنْ يَرْوِيَهُ مَرَّةً مُتَّصِلًا ، أَوْ مَرْفُوعًا ، وَمَرَّةً مُرْسَلًا أَوْ مَوْقُوفًا ( كَمَا حَكَوْا ) أَيِ : الْجُمْهُورُ ، وَصَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِتَصْحِيحِهِ . وَعِبَارَةُ النَّاظِمِ فِي تَخْرِيجِهِ الْكَبِيرِ لِلْإِحْيَاءِ عَقِبَ حَدِيثٍ اخْتَلَفَ رَاوِيهِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ : الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا رَوَى الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا فَالْحُكْمُ لِلرَّفْعِ ; لِأَنَّ مَعَهُ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ زِيَادَةً ، هَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . انْتَهَى .
ج١ / ص٣١١وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ : فَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ - كَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَأَتْبَاعِهِ - أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِمَا وَقَعَ مِنْهُ أَكْثَرُ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرَّاجِحَ مِنْ قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي كِلَيْهِمَا التَّعَارُضُ . عَلَى أَنَّ الْمَاوَرْدِيَّ قَدْ نَقَلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ يَحْمِلُ الْمَوْقُوفَ عَلَى مَذْهَبِ الرَّاوِي ، وَالْمُسْنَدَ عَلَى أَنَّهُ رِوَايَتُهُ ، يَعْنِي فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ . وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ : اخْتِلَافُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الرَّفْعِ وَالْوَقْفِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَدِيثِ ضَعْفًا ; لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الصَّحَابِيُّ يُسْنِدُ الْحَدِيثَ وَيَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّةً ، وَيَذْكُرُ مَرَّةً عَلَى سَبِيلِ الْفَتْوَى بِدُونِ رَفْعٍ ، فَيُحْفَظُ الْحَدِيثُ عَنْهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا .
لَكِنْ خَصَّ شَيْخُنَا هَذَا بِأَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ ، أَمَّا مَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ ; يَعْنِي فِي تَوْجِيهِ الْإِطْلَاقِ ، وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حُكْمَهُ الرَّفْعُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَفَعَهُ أَيْضًا . ثُمَّ إِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي إِذَا - اتَّحَدَ السَّنَدُ ، أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ فَلَا يَقْدَحُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ إِذَا كَانَ ثِقَةً جَزْمًا ، كَرِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ : إِذَا اخْتَلَطُوا ، فَإِنَّمَا هُوَ التَّكْبِيرُ وَالْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ . الْحَدِيثُ ، فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ .
ج١ / ص٣١٢وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَيْضًا ، عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِنْ قَوْلِهِ ، فَلَمْ يَعُدُّوا ذَلِكَ عِلَّةً ، لِاخْتِلَافِ السَّنَدَيْنِ فِيهِ ، بَلِ الْمَرْفُوعُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَلِشَيْخِنَا " بَيَانُ الْفَصْلِ لِمَا رَجَحَ فِيهِ الْإِرْسَالُ عَلَى الْوَصْلِ " ، وَ " مَزِيدُ النَّفْعِ بمَعْرِفَةِ مَا رَجَحَ فِيهِ الْوَقْفُ عَلَى الرَّفْعِ " . ج١ / ص٣١٣