حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

تَفْرِيعَاتٌ

الثَّانِي : ( وَاخْتَلَفُوا ) أَيِ : الْعُلَمَاءُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ ( إِنْ سَكَتَ الشَّيْخُ ) الْمُتَيَقِّظُ الْعَارِفُ غَيْرُ الْمُكْرَهِ بَعْدَ قَوْلِ الطَّالِبِ لَهُ : أَخْبَرَكَ فُلَانٌ ، أَوْ قُلْتَ : أَخبرنَا فُلَانٌ ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، مَعَ إِصْغَائِهِ إِلَيْهِ وَفَهْمِهِ لِمَا يَقُولُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِإِنْكَارِ الْمَرْوِيِّ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَلِإِنْكَارِ الْإِخْبَارِ . ( وَلَمْ يُقِرَّ لَفْظًا ) بِقَوْلِهِ : نَعَمْ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، كَأَنْ يُومِئَ بِرَأْسِهِ أَوْ يُشِيرَ بِأصْبَعِهِ ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْقَارِئِ أَنَّ سُكُوتَهُ إِجَابَةٌ ( فَرَآهُ الْمُعْظَمْ ) مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالنُّظَّارِ ( وَهْوَ الصَّحِيحُ كَافِيًا ) فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَصَحَّحَهُ ، وَقَالَ : إِنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ لَازِمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ ذِي دِينٍ إِقْرَارٌ عَلَى الْخَطَأِ فِي مِثْلِ هَذَا ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْرِيرِ بَعْدُ . وَلَعَلَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ مَالِكٍ ; يَعْنِي كَمَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ ، وَعَنْ أَمْثَالِهِ فِي فِعْلِ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلُّزُومِ .

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَسُكُوتُ الشَّيْخِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ بِتَصْدِيقِ الْقَارِئِ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ . قُلْتُ : وَأَيْضًا فَسُكُوتُهُ خُصُوصًا بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ : هَلْ سَمِعْتَ ، فِيمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، مُوهِمٌ لِلصِّحَّةِ ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الْعُدُلِ ; لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْغِشِّ وَعَدَمِ النُّصْحِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اسْتُثْنِيَ مِنْ أَصْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ; حَيْثُ قَالَ : لَا يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ .

وقد روينا في آخر جزء من حدث من الإخوة لأبي داود عن الأعمش ، قال : السكوت جواب . وَحِينَئِذٍ فَيُؤَدى بِأَلْفَاظِ الْعَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي ، كَمَا حَكَى تَجْوِيزَهُ فِيهِمَا عَنِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ الْآمِدِيُّ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ، بَلْ حَكَى عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَرْبَعَةِ . وَمِنْ هُنَا قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ : إِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْكَ بِحَدِيثٍ ، يَعْنِي بِحَضْرَةِ الْمُحَدِّثِ عَنْهُ وَسُكُوتِهِ ، ثُمَّ حَدَّثْتُ بِهِ عَنْكَ كُنْتُ صَادِقًا ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ عَلَى طَالِبٍ التَّصْرِيحَ مِنْهُ بِالْإِقْرَارِ ، وَقَالَ : أَلَمْ أُفَرِّغْ لَكُمْ نَفْسِي ، وَسَمِعْتُ عَرْضَكُمْ ، وَأَقَمْتُ سَقْطَهُ وَزَلَلَهُ .

وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ التَّأْوِيلُ الْمَاضِي فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ صَنِيعِهِ ( وَ ) لَكِنْ ( قَدْ مَنَعْ بَعْضُ أُولِي الظَّاهِرِ مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِسُكُوتِ الشَّيْخِ فِي الرِّوَايَةِ ، فَاشْتَرَطُوا إِقْرَارَهُ بِذَلِكَ نُطْقًا ، وَالْبَاقُونَ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ إِمَّا سَاكِتُونَ أَوْ مَعَ الْأَوَّلِينَ . بَلْ نَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ قَالَ : زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ عَلَى شَيْخٍ حَدِيثًا لَمْ تَجُزْ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ الشَّيْخُ بِهِ - انْتَهَى . وَكَذَا حَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَارِقَةِ .

وَقَالَ الْحَاكِمُ : عَهِدْتُ مَشَايِخَنَا لَا يُصَحِّحُونَ سَمَاعَ مَنْ سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْحَافِظِ فِي الْمَرَضِ ; فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ إِلَّا بـ لَا ، فَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ : كَمَا قَرَأْنَا عَلَيْكَ ؟ قَالَ : لَا لَا لَا ، وَيُحَرِّكُ رَأْسَهُ بـ نَعَمْ . وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ كَانَ مَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ ، وَقَالَ : لَمْ يَصِحَّ لِي عَنْهُ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ ; فَإِنِّي قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ ، إِلَى أَنْ أَشَارَ بِعَيْنَيْهِ إِشَارَةً فَهِمْتها عَنْهُ أَنْ نَعَمْ . ( وَقَطَعْ بِهِ ) أَيْ : بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ( أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ الرَّازِي ثُمَّ ) الشَّيْخُ ( أَبُو إِسْحَاقٍ ) بِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ ( الشِّيرَازِي ) ، وَ ( كَذَا أَبُو نَصْرٍ ) هُوَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ( وَ ) لَكِنَّهُ ( قَالَ ) : إِنَّهُ ( يُعْمَلُ بِهِ ) أَيْ : بِالْمَرْوِيِّ ، سَوَاءٌ السَّامِعُ أَوِ الْقَارِئُ أَوْ مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ .

وَلَمْ يَمْنَعِ الرِّوَايَةَ مَعَ الْإِفْصَاحِ بِالْوَاقِعِ ; حَيْثُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ : ( وَأَلْفَاظُ الْأَدَاءِ ) لِمَنْ سَمِعَ أَوْ قَرَأَ كَذَلِكَ ، وأراد رِوَايَتِهِ هِيَ الْأَلْفَاظُ ( الْأُوَلُ ) ، خَاصَّةً الْمُنْبِئَةَ عَنِ الْحَالِ الْوَاقِعِ ، الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا ، وَهِيَ : قَرَأْتُ عَلَيْهِ ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ ، لَا جَمِيعَهَا فَلَا تقُلْ : حَدَّثَنِي ، وَلَا أَخْبَرَنِي . وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْغَزَّالِيُّ وَالْآمِدِيُّ ، وَحَكَاهُ عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، بَلْ جَزَمَ صَاحِبُ ( الْمَحْصُولِ ) بِأَنَّهُ لَا يَقُولُهُمَا ، وَكَذَا سَمِعْتُ ، لَوْ أَشَارَ بِرَأْسِهِ أَوْ أصْبَعِهِ لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ . قَالَ الشَّارِحُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ; يَعْنِي : فَإِنَّ الْإِشَارَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ ، فَتجري عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .

وَبِالْجُمْلَةِ ، فَتَصْرِيحُ الْمُحَدِّثِ بِالْإِقْرَارِ مُسْتَحَبٌّ ; فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ : وَلَوْ قَالَ لَهُ الْقَارِئُ عِنْدَ الْفَرَاغِ : كَمَا قَرَأْتُ عَلَيْكَ ، فَأَقَرَّ بِهِ ، كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا - انْتَهَى . وَلَوْ كَانَ الِاعْتِمَادُ فِي سَمَاعِهِ عَلَى الْمُفِيدِ فَالْحُكْمُ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ كَذَلِكَ .

موقع حَـدِيث