تَفْرِيعَاتٌ
( تَفْرِيعَاتٌ ) ثَمَانِيَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ : الْأَوَّلُ : ( وَاخْتَلَفُوا ) أَيِ : الْعُلَمَاءُ ( إِنْ أَمْسَكَ الْأَصْلَ ) مَعَ الْمُرَاعَاةِ لَهُ حِينَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ ( رِضَى ) فِي الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ لِذَلِكَ ( وَالشِّيْخُ ) حِينَئِذٍ ( لَا يَحْفَظُ مَا قَدْ عَرَضَا ) الطَّالِبُ عَلَيْهِ ، وَلَا هُوَ مُمْسِكٌ أَصْلَهُ بِيَدِهِ ، هَلْ يَصِحُّ السَّمَاعُ أَمْ لَا ؟ ( فَبَعْضُ نُظَّارِ الْأُصُولِ ) ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَكَذَا الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ ( يُبْطِلُهْ ) أَيِ : السَّمَاعَ . وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيَّ تَرَدَّدَ فِيهِ ، قَالَ : وَأَكْثَرُ مَيْلِهِ إِلَى الْمَنْعِ ، بَلْ نَقَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُمَا لَا حُجَّةَ عِنْدَهُمَا ، إِلَّا بِمَا رَوَاهُ الرَّاوِي مِنْ حِفْظِهِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ بِيَدِهِ ، فَضْلًا عَنْ يَدِ ثِقَةٍ غَيْرِهِ ، لَا يَكْفِي ، كَمَا سَيَأْتِي فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَأَدَائِهِ . ( وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقْبَلُهْ ) ، بَلْ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ كَافَّةِ الشُّيُوخِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ ، وَنَقَلَ تَصْحِيحَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ ( وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ ) ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَوَهَّنَ السِّلَفِيُّ الْخِلَافَ ; لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا ، وَذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الطَّالِبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى شَيْخٍ شَيْئًا مِنْ سَمَاعِهِ هَلْ يَجِبُ أَنْ ج٢ / ص٣٥٦يُرِيَهُ سَمَاعَهُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ أَمْ يَكْفِيَ إِعْلَامُ الطَّالِبِ الثِّقَةِ الشَّيْخَ أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ سَمَاعُهُ عَلَى فُلَانٍ ؟ وَقَالَ : هُمَا سِيَّانِ ، عَلَى هَذَا عَهِدْنَا عُلَمَاءَنَا عَنْ آخِرِهِمْ .
قَالَ : وَلَمْ يَزَلِ الْحُفَّاظُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُخَرِّجُونَ لِلشُّيُوخِ مِنَ الْأُصُولِ ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْفُرُوعُ بَعْدَ الْمُقَابَلَةِ أُصُولًا ، [ وَهَلْ كَانَتِ الْأُصُولُ ] أَوَّلًا إِلَّا فُرُوعًا ؟ ! انْتَهَى . وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ :
( فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ( مُمْسِكُهُ ) ، أَوِ الْقَارِئُ فِيهِ ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ ( فَذَلِكَ السَّمَاعُ رَدْ ) أَيْ : مَرْدُودٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ ، وَلِذَا ضَعَّفَ أَئِمَّةُ الصَّنْعَةِ رِوَايَةَ مَنْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ عَلَى مَالِكٍ بِقِرَاءَةِ ابْنِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ ; لِضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ ، بِحَيْثُ اتُّهِمَ بِتَصَفُّحِ الْأَوْرَاقِ وَمُجَاوَزَتِهَا بِدُونِ ج٢ / ص٣٥٧قِرَاءَةٍ ، إِمَّا فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ ، أَوْ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَجْلِسِ حِينَ الْبَلَاغِ ، قَصْدًا لِلْعَجَلَةِ . وَهَذَا مَرْدُودٌ ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عن مَالِكٍ . قَالَ عِيَاضٌ : لَكِنَّ عَدَمَ الثِّقَةِ بِقِرَاءَةِ مِثْلِهِ ، مَعَ جَوَازِ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ عَنِ الْحَرْفِ وَشَبَهِهِ وَمَا لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى ، مُؤَثِّرَةٌ فِي تَصْحِيحِ السَّمَاعِ كَمَا قَالُوهُ .
وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا قَلِيلًا ، وَأَكْثَرُ مِنْهُ عَنِ اللَّيْثِ ، قَالُوا : لِأَنَّ سَمَاعَهُ كَانَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ حَبِيبٍ - انْتَهَى . وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ حَافِظًا فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِهِ ، بَلْ أَوْلَى ; لِتَعَاضُدِ ذِهْنَيْ شَخْصَيْنِ عَلَيْهِ .