تَفْرِيعَاتٌ
الْخَامِسُ : فِي النَّسْخِ وَالْكَلِامِ وَغَيْرِهِمَا وَقْتَ السَّمَاعِ أَوِ الْإِسْمَاعِ ( وَاخْتَلَفُوا ) أَيِ : الْعُلَمَاءُ ( فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ مِنْ نَاسِخٍ ) يَنْسَخُ حِينَ الْقِرَاءَةِ ، مُسْمِعًا كَانَ أَوْ سَامِعًا ( فَقَالَ بِامْتِنَاعِ ) ذَلِكَ مُطْلَقًا فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُسْتَاذُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ ( الْإِسْفَرَائينِيُّ ) ، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ التَّحْتَانِيَّةِ ، إِذْ سُئِلَ عَنْهُمَا مَعًا ( مَعَ ) أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ ( الْحَرْبِيِّ وَ ) أَبِي أَحْمَدَ ( ابْنِ عَدِيٍّ ) فِي آخَرِينَ ; لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالنَّسْخِ مُخِلٌّ بِالسَّمَاعِ . وَعِبَارَةُ الْإِسْفَرَائينِيِّ : فَإِنَّهُ إِذَا يَشْتَغِلُ بِهِ عَنِ الِاسْتِمَاعِ ، حَتَّى إِذَا اسْتُعِيدَ مِنْهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ - انْتَهَى . وَقَدْ قِيلَ السَّمْعُ لِلْعَيْنِ ، وَالْإِصْغَاءُ لِلْأُذُنِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يُسَمَّى سَامِعًا ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : جَلِيسُ الْعَالِمِ .
حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ ( وَ ) نَحْوُهُ مَا جَاءَ ( عَنْ ) أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ بِخُرَاسَانَ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ ( الصِّبْغِيِّ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ نِسْبَةً لِأَبِيهِ ; لِكَوْنِهِ كَانَ يَبِيعُ الصِّبْغَ ، إِنَّهُ قَالَ : ( لَا تَرْوِ ) أَيُّهَا الْمُحَدِّثُ مَا سَمِعْتَهُ عَلَى شَيْخِكَ فِي حَالِ نَسْخِهِ ، أَوْ وأَنْتَ تَنْسَخُ ( تَحْدِيثًا وَ ) لَا ( إِخْبَارًا ) يَعْنِي : لَا تَقُلْ : حدثَنَا وَلَا أَخبرنَا مَعَ إِطْلَاقِهِمَا ، بَلْ ( قُلْ حَضَرْتُ ) ، يَعْنِي : كَمَنْ أَدَّى مَا تَحَمَّلَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ فَهْمِ الْخِطَابِ وَرَدِّ الْجَوَابِ ، وَإِنْ كَانَ فِي مَسْأَلَتِنَا أَعْلَى . ( وَ ) لَكِنْ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ ( الرَّازِيُّ وَهْوَ الْحَنْظَلِيُّ ) نِسْبَةً لِدَرْبِ حَنْظَلَةَ بِالرَّيِّ ، وَكَفَى بِهِ حِفْظًا وَإِتِقْانًا ( وَابْنُ الْمُبَارَكِ ) عَبْدُ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ ، وَكَفَى بِهِ دِينًا وَنُسُكًا وَفَضْلًا ( كِلَاهُمَا ) قَدْ ( كَتَبْ ) . أَمَّا أَوَّلُهُمَا فَفِي حَالِ تَحَمُّلِهِ عِنْدَ كُلِّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْمُلَقَّبِ عَارِمٍ وَعُمَرَو بْنِ مَرْزُوقٍ .
وَأَمَّا ثَانِيهُمَا ، فَفِي حَالِ تَحْدِيثِهِ ، وَذَلِكَ مِنْهُمَا مُقْتَضٍ لِلْجَوَازِ ، وَمُشْعِرٌ بِعَدَمِ التَّنْصِيصِ فِي الْأَدَاءِ عَلَى الْحُضُورِ ( وَ ) كَذَا ( جَوَّزَ ) مُوسَى بْنُ هَارُونَ ( الْحَمَّالُ ) بِالْمُهْمَلَةِ ذَلِكَ ، بَلْ عَزَا صِحَّةَ السَّمَاعِ كَذَلِكَ لِلْجُمْهُورِ سَعْدُ الْخَيْرِ الْأَنْصَارِيُّ . ( وَالشَّيْخُ ) ابْنُ الصَّلَاحِ ( ذَهَبْ ) إِلَى الْقَوْلِ ( بِأَنَّ خَيْرًا مِنْهُ ) أَيْ : مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْجَوَازِ أَوْ بِالْمَنْعِ ( أَنْ يُفَصِّلَا فَحَيْثُ ) صَحِبَ الْكِتَابَةَ ( فَهْمٌ ) يَعْنِي : تَمْيِيزا للفْظِ الْمَقْرُوءِ فَضْلًا عَنْ مَعْنَاهُ ( صَحَّ ) السَّمَاعُ مِنْهُ وَعَلَيْهِ ( أَوْ لَا ) يَصْحَبُهَا ذَلِكَ ، وَصَارَ كَأَنَّهُ صَوْتُ غَفْلٍ ( بَطَلَا ) هَذَا السَّمَاعُ ; يَعْنِي : وَصَارَ حُضُورًا . وَسَبَقَهُ لِذَلِكَ سَعْدُ الْخَيْرِ الْأَنْصَارِيُّ ، فَقَالَ : إِذَا لَمْ تَمْنَعِ الْكِتَابَةُ عَنْ فَهْمِ مَا قُرِئَ ، فَالسَّمَاعُ صَحِيحٌ - انْتَهَى .
وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا ، فَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا يَنْسَخُ فِي مَجْلِسِ سَمَاعِهِ ثُمَّ إِسْمَاعِهِ ، بَلْ وَيَكْتُبُ عَلَى الْفَتَاوَى وَيُصَنِّفُ ، وَيَرُدُّ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْقَارِئِ رَدًّا مُفِيدًا . وَكَذَا بَلَغَنَا عَنِ الْحَافِظِ الْمِزِّيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ( كَمَا جَرَى لِلدَّارَقُطْنِيِّ ) ، نِسْبَةً لِدَارِ الْقُطْنِ بِبَغْدَادَ ; إِذْ حَضَرَ فِي حَدَاثَتِهِ إِمْلَاءَ أَبِي عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلَ الصَّفَّارِ ، فَرَآهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ يَنْسَخُ ، فَقَالَ لَهُ : لَا يَصِحُّ سَمَاعُكَ وَأَنْتَ تَنْسَخُ ، فَقَالَ لَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ : فَهْمِي لِلْإِمْلَاءِ خِلَافُ فَهْمِكَ ، وَاسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ ( حَيْثُ عَدَّ إِمْلَاءً إِسْمَاعِيلَ ) الْمُشَارَ إِلَيْهِ ( عَدًّا ) ، وَإِنَّ جُمْلَةَ مَا أَمْلَاهُ فِي ذَاكَ الْمَجْلِسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا بَعْدَ أَنْ سَأَلَ الْمُنْكِرَ عَلَيْهِ : أَتَعْلَمُ كَمْ أَمْلَى حَدِيثًا ؟ فَقَالَ لَهُ : لَا ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَهَا إِجْمَالًا بَلْ سَاقَهَا عَلَى الْوَلَاءِ إِسْنَادًا وَمَتْنًا ( وَسَرَدْ ) ذَلِكَ أَحْسَنَ سَرْدٍ ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهُ . رَوَاهَا الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ ، قَالَ : ثَنَا الْأَزْهَرِيُّ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الدَّارَقُطْنِيَّ ، فَذَكَرَ مَعْنَاهَا .
وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا يَحْكِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرِنُهَا بِمَا وَقَعَ لِلْبُخَارِيِّ ; حَيْثُ قُلِبَتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ ، وَيتَعَجُّبِ شَيْخِنَا مِنْ ذَلِكَ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّعَجُّبِ ، ثُمَّ إِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِيمَا إِذَا وَقَعَ النَّسْخُ حَالَ التَّحَمُّلِ أَوِ الْأَدَاءِ ، فَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِيهِمَا مَعًا كَانَ أَشَدَّ ، وَوَرَاءَ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ : الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ ; فَإِنَّ الْمَرْءَ لَوْ بَلَغَ الْغَايَةَ مِنَ الْحِذْقِ وَالْفَهْمِ لَا بُدَّ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَسْمُوعِ ، وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْأَكْثَرِ ، فَمَنْ لَاحَظَ الِاحْتِيَاطَ قَالَ : لَيْسَ بِسَامِعٍ ، وَمَنْ لَاحَظَ التَّسَامُحَ وَالْغَلَبَةَ عَدَّهُ سَامِعًا ، وَرَأَى أَنَّ النَّسْخَ إِنْ حَجَبَ فَهُوَ حِجَابٌ رَقِيقٌ - انْتَهَى . [ وَفِي تَسْمِيَتِهِ لَفْظِيًّا مَعَ ذَلِكَ تَوَقُّفٌ ] . وَمَا قِيلَ فِي أَنَّ السَّمْعَ لِلْعَيْنِ قَدْ يَخْدِشُهُ مَا رُوِّينَاهُ فِي خَامِسِ الْمُحَامِلِيَّاتِ رِوَايَةَ ابْنِ مَهْدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ كُلْثُومٍ الْخُزَاعِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، أَنَّهَا كَانَتْ تُفَلِّي رَأْسَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَتْ زَيْنَبُ فَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَيْهَا ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَقْبِلِي عَلَى فَلَّايَتِكِ ; فَإِنَّكِ لَا تُكَلِّمِينَهَا بِعَيْنِكِ ) .
وَيَلْتَحِقُ بِالنَّسْخِ الصَّلَاةُ ، وَقَدْ كَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُصَلِّي فِي حَالِ قِرَاءَةِ الْقَارِي عَلَيْهِ ، وَرُبَّمَا يُشِيرُ بِرَدِّ مَا يُخْطِئُ فِيهِ الْقَارِئُ ، كَمَا اتُّفِقَ لَهُ حَيْثُ قَرَأَ الْقَارِئُ عَلَيْهِ مَرَّةً : نسَيْرُ بْنُ ذُعْلُوقٍ ، بِالْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ ، فَقَالَ لَهُ : ن وَالْقَلَمِ ، [ وَمَرَّةً : عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ] ، فَقَالَ لَهُ قالوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ . وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي أَمَالِيهِ : كَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الطَّالَقَانِيُّ رُبَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ وَهُوَ يُصَلِّي ، وَيُصْغِي إِلَى مَا يَقُولُ الْقَارِئُ ، وَيُنَبِّهُهُ إِذَا زَلَّ ، يَعْنِي بِالْإِشَارَةِ . [ قلت : وقد ترجم البخاري في صحيحه : إذا كلم في الصلاة ، واستمع أي المصلي لم تفسد صلاته ، وذكر حديث أم سلمة في السؤال عن الركعتين بعد العصر ، لما فيه من جواز استماع المصلي إلى كلام غيره ، وفهمه له ، وأن ذلك لا يقدح في صلاته ، فما نحن فيه يقاس عليه ، بل هذا أولى ] .
وَفِي تَرْجَمَةِ أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأسْتِرْابَاذِيِّ مِنْ تَاريخِ سَمَرْقَنْدَ لِلنَّسَفِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ عَامَّةَ النَّهَارِ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ظَاهِرًا ، لَا يَمْنَعُهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ عَنِ الْآخَرِ ، بَلْ كَانَ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي الْكَعْبَةِ كَمَالَ الْقُوَّةِ عَلَى قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، وَجِمَاعِ النِّسْوَانِ ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ الدَّعْوَتَانِ . وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ قِرَاءَةُ قَارِئَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي آنٍ وَاحِدٍ ؟ فِيهِ نَظَرٌ . وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْقُرَّاءِ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُقْرِئِينَ تَرَخَّصَ فِي إِقْرَاءِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا إِلَّا الشَّيْخَ عَلَمَ الدِّينِ السَّخَاوِيَّ .
وَفِي النَّفْسِ مِنْ صِحَّةِ كَمَالِ الرِّوَايَةِ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ شَيْءٌ ; فَإِنَّ اللَّهَ تعالى مَا جَعَلَ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ، قَالَ : وَمَا هَذَا فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ ، بَلْ فِي قُدْرَةِ الرُّبُوبِيَّةِ . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : سُبْحَانَ مَنْ وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ ، انْتَهَى . وَمِمَّنْ وَصَفَ الْعِلْمَ بِذَلِكَ ابْنُ خِلِّكَانَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ رَآهُ مِرَارًا رَاكِبًا إِلَى الْجَبَلِ ، وَحَوْلَهُ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ يَقْرَؤونَ عَلَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي أَمَاكِنَ مِنَ الْقُرْآنِ مُخْتَلِفَةٍ ، وَيَرُدُّ عَلَى الْجَمِيعِ .
وَلَمَّا تَرْجَمَ التَّقِيُّ الْفَاسِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ الشَّمْسَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يُوسُفَ الْحَلَبِيَّ ، وَالِدَ بَعْضِ مَنْ كَتَبْتُ عَنْهُ ، قَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ : وَكَانَ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ يَقْرَأُ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَيُقْرَأُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَيَكْتُبُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَيُصِيبُ فِيمَا يَقْرَؤُهُ وَيَكْتُبُهُ وَفِي الرَّدِّ ، بِحَيْثُ لَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، عَلَى مَا بَلَغَنِي . قَالَ : وَهَذَا نَحْوٌ مِمَّا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ يَقْرَؤونَ عَلَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ ، وَعِيبَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْمُقْرِئِ . قُلْتُ : وَكَأَنَّهُ عَنَى السَّخَاوِيَّ ، وَكَذَا قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُ شُوهِدَ ذَلِكَ مِنَ الْحَلِبِيِّ مِرَارًا - انْتَهَى .
وَفِيهِ تَسَاهُلٌ وَتَفْرِيطٌ ، وَمُقَابِلُهُ فِي التَّشَدُّدِ وَالْإِفْرَاطِ فِيهِ مَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصُّورِيِّ ، أَنَّهُ كَانَ مَعَ كَثْرَةِ طَلَبِهِ وَكُتُبِهِ صَعْبَ الْمَذْهَبِ فِيمَا يَسْمَعُهُ ، رُبَّمَا كَرَّرَ قِرَاءَةَ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ عَلَى شَيْخِهِ مَرَّاتٍ ( وَذَاكَ ) أَيِ : التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ ( يَجْرِي فِي الْكَلَامِ ) مِنْ كُلٍّ مِنَ السَّامِعِ وَالْمُسْمِعِ فِي وَقْتِ السَّمَاعِ ، وَكَذَا فِي إِفْرَاطِ الْقَارِئِ فِي الْإِسْرَاعِ ( أَوْ إِذَا هَيْنَمَ ) أَيْ : أَخْفَى صَوْتَهُ ( حَتَّى خَفِيَ ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ( الْبَعْضُ ) ، وَ ( كَذَا إِنْ بَعُدَ السَّامِعُ ) عَنِ الْقَارِئِ ، أَوْ كَانَ فِي سَمْعِهِ أَوِ الْمُسْمِعِ بَعْضُ ثِقَلٍ ، أَوْ عَرَضَ نُعَاسٌ خَفِيفٌ بِحَيْثُ يَفُوتُ سَمَاعُ الْبَعْضِ ( ثُمَّ ) مَعَ اعْتِمَادِ التَّفْصِيلِ فِي كُلِّ مَا سَلَفَ ( يُحْتَمَلْ ) يَعْنِي : يُغْتَفَرْ ( فِي الظَّاهِرِ ) [ مِنْ صَنِيعِهِمْ فِي الْمَسْمُوعِ ] ( الْكَلِمَتَانِ ) [ إِذَا فَاتَتَا ] ( أَوْ أَقَلْ ) كَالْكَلِمَةِ . وَقَدْ سُئِلَ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَائينِيُّ عَنْ كَلَامِ السَّامِعِ أَوِ الْمُسْمِعِ غَيْرِ الْمُتَّصِلِ ، وَعَنِ الْقِرَاءَةِ السَّرِيعَةِ وَالْمُدْغَمَةِ الَّتِي يشِذُّ مِنْهَا الْحَرْفُ وَالْحَرْفَانِ ، وَالْإِغْفَاءِ الْيَسِيرِ ، فَأَجَابَ : إِذَا كَانَتْ كَلِمَةً لَا تُلْهِيهِ عَنِ السَّمَاعِ جَازَتِ الرِّوَايَةُ ، وَكَذَا لَا يُمْنَعُ مَا ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ السَّمَاعِ ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِدْغَامُ يَجُوزُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ حِينَئِذٍ تَارِكًا بَعْضَ الْكَلِمَةِ - انْتَهَى . بَلْ تَوَسَّعُوا حِينَ صَارَ الْمَلْحُوظُ إِبْقَاءَ سِلْسِلَةِ الْإِسْنَادِ لَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، بِحَيْثُ كَانَ يُكْتَبُ السَّمَاعُ عِنْدَ الْمِزِّيِّ وَبِحَضْرَتِهِ لِمَنْ يَكُونُ بَعِيدًا عَنِ الْقَارِئِ ، وَكَذَا لِلنَّاعِسِ ، وَالْمُتَحَدِّثِ ، وَالصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا يَنْضَبِطُ أَحَدُهُمْ ، بَلْ يَلْعَبُونَ غَالِبًا وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ .
حَكَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ . قَالَ : وَبَلَغَنِي عَنِ الْقَاضِي التَّقِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ حَمْزَةَ أَنَّهُ زَجَرَ فِي مَجْلِسِهِ الصِّبْيَانَ عَنِ اللَّعِبِ ، فَقَالَ : لَا تَزْجُرُوهُمْ ; فَإِنَّا إِنَّمَا سَمِعْنَا مِثْلَهُمْ . وَكَذَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُحِبِّ الْحَافِظِ التَّسَامُحُ فِي ذَلِكَ ، وَيَقُولُ : كَذَا كُنَّا صِغَارًا نَسْمَعُ ، فَرُبَّمَا ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُنَا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَالْقَارِئُ يَقْرَأُ ، فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْنَا مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ مِنْ كِبَارِ الْحُفَّاظِ كَالْمِزِّيِّ وَالْبِرْزَالِيِّ وَالذَّهَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ أَبِي الْفَتْحِ يُسْرِعُ فِي الْقِرَاءَةِ وَيُعْرِبُ ، لَكِنَّهُ يُدْغِمُ بَعْضَ أَلْفَاظِهِ ، وَمِثْلُهُ ابْنُ حَبِيبٍ . وَكَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، يَعْنِي : ابْنَ تَيْمِيَّةَ ، يُسْرِعُ وَلَا يُدْغِمُ إِلَّا نَادِرًا ، وَكَانَ الْمِزِّيُّ يُسْرِعُ وَيُبِينُ ، وَرُبَّمَا تَمْتَمَ يَسِيرًا - انْتَهَى . وَمِمَّنْ وُصِفَ بِسُرْعَةِ السَّرْدِ مَعَ عَدَمِ اللَّحْنِ وَالدَّمْجِ الْبِرْزَالِيُّ ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ ، بِحَيْثُ قَرَأَ الْبُخَارِيُّ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيِّ الْحِيرِيِّ الضَّرِيرِ رَاوِيهِ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فِي ثَلَاثَةِ مَجَالِسَ : اثْنَانِ مِنْهُا فِي لَيْلَتَيْنِ ، كَانَ يَبْتَدِئُ بِالْقِرَاءَةِ وَقْتَ الْمَغْرِبِ ، وَيَخْتِمُ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ، وَالثَّالِثُ مِنْ ضَحْوَةِ نَهَارٍ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ .
قَالَ الذَّهَبِيُّ : وَهَذَا شَيْءٌ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي زَمَانِنَا يَسْتَطِيعُهُ - انْتَهَى . وَقَدْ قَرَأَهُ شَيْخُنَا فِي أَرْبَعِينَ سَاعَةً فلكية ، وَصَحِيحَ مُسْلِمٍ فِي أَرْبَعَةِ مَجَالِسَ ، سِوَى الْخَتْمِ مِنْ نَحْوِ يَوْمَيْنِ وَشَيْءٍ ; فَإِنَّ كُلَّ مَجْلِسٍ كَانَ مِنْ بَاكِرِ النَّهَارِ إِلَى الظُّهْرِ . وَأَسْرَعُ مَنْ عَلِمْتُهُ قَرَأَ مِنَ الْخُطُوطِ الْمُتَنَوِّعَةِ فِي عَصْرِنَا مَعَ الصِّحَّةِ ، بِحَيْثُ لَمْ يَنْهَضِ الْأَكَابِرُ لِضَبْطِ شَاذَّةٍ وَلَا فَاذَّةٍ عَلَيْهِ فِي الْإِعْرَابِ ، خَاصَّةً مَعَ عَدَمِ تَبْيِيتِ مُطَالَعَةِ شَيْخِنَا ابْنُ خَضِرٍ ، وَلَكِنْ مَا كَانَ يَخْلُو مِنْ هَذْرَمَةٍ ، [ وَأَسْرَعُ مَا وَقَعَ لِي اتِّفَاقًا أَنَّنِي قَرَأْتُ فِي جِلْسَةٍ نَحْو مِنْ خَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِلَى الصِّيَامِ ] .