حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى بِالْمُنَاوَلَةِ وَبِالْإِجَازَةِ

ج٢ / ص٤٨٣( كَيْفَ يَقُولُ مَنْ رَوَى ) مَا تَحَمَّلَهُ ( بِالْمُنَاوَلَةِ وَبِالْإِجَازَةِ ) الْمَاضِيَتينِ ( وَاخْتَلَفُوا ) أَيِ : الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ ( فِي ) مَا يَقُولُ ( مَنْ رَوَى مَا نُووِلَا ) الْمُنَاوَلَةَ الْمُعْتَبَرَةَ مِمَّا تَقَدَّمَ ( فَمَالِكٌ ) ، هُوَ ابْنُ أَنَسٍ ( وَابْنُ شِهَابٍ ) الزُّهْرِيُّ ( جَعَلَا إِطْلَاقَهُ ) أَيِ : الرَّاوِي . ( حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَا ) أَيْ : وَأَخْبَرَنَا ( يَسُوغُ وَهْوَ ) أَيِ : الْإِطْلَاقُ ( لَائِقٌ بـ ) مَذْهَبِ ( مَنْ يَرَى ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَحَلِّهِ ( الْعَرْضَ ) فِي الْمُنَاوَلَةِ ( كـ ) عَرْضِ ( السَّمَاعِ ) . وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْإِطْلَاقَ عَنْ مَالِكٍ الْخَطِيبُ ، وَأنَّهُ قَالَ : قُلْ مَا شِئْتَ مِنْ حدثَنَا وَأَخبرنَا .

وَروى أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : يَسَعُهُ أَنْ يَقُولَ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ . وَاجْتَمَعَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ رَوَى الْكِتَابَ ، بَعْضَهُ قِرَاءَةً وَبَعْضَهُ تَحْدِيثًا وَبَعْضَهُ مُنَاوَلَةً وَبَعْضَهُ إِجَازَةً ، أَنَّهُ يَقُولُ فِي كُلِّهِ : أَخبرنَا ( بَلْ أَجَازَهْ ) أَيْ : إِطْلَاقَهُمَا ( بَعْضُهُمُ ) كَابْنِ جُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، حَسْبَمَا عَزَاهُ إِلَيْهِمْ عِيَاضٌ ، وَكَمَالِكٍ أَيْضًا وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ صَاحِبُ الْوِجَازَةِ ج٢ / ص٤٨٤( فِي مُطْلَقِ ) أَيْ : فِي الرِّوَايَةِ بِمُطْلَقِ ( الْإِجَازَة ) يَعْنِي : الْمُجَرَّدَةَ عَنِ الْمُنَاوَلَةِ ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ حُفَّاظِ الْأَنْدَلُسِ ، وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، فَيَقُولُونَ فِيمَا يُجَازُ : حَدَّثَنَا وَأَخبرنَا . وَعَنْ عِيسَى بْنِ مِسْكِينٍ قَالَ : الْإِجَازَةُ رَأْسُ مَالٍ كَبِيرٍ ، وَجَائِزٌ أَنْ يَقُولَ فِيهَا : حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي .

وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ : إِنَّ الْإِجَازَةَ كَيْفَمَا كَانَتْ إِخْبَارٌ وَتَحْدِيثٌ ، فَيَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا ، وَالِاتِّصَالُ السَّنَدِيُّ وَاقِعٌ بِهِ ; إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعَيِ الْإِجَازَةِ وَالسَّمَاعِ طَرِيقُ تَحَمُّلٍ ، وَالتَّعَرُّضُ لِتَعْيِينِ النَّوْعِ الْمُتَحَمَّلِ بِهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَلَا الْعَمَلُ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ .

وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ الطُّبُنِيُّ : لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِجَازَةِ بِالْمُعَيَّنِ : حَدَّثَنِي .
وَذَهَبَ إِلَى جَوَازِهِ كَذَلِكَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ ، مُحْتَجًّا لَهُ بِأَنَّ مَدْلُولَ التَّحْدِيثِ لُغَةً : إِلْقَاءُ الْمَعَانِي إِلَيْكَ ، سَوَاءٌ أَلْقَاهُ لَفْظًا أَوْ كِتَابَةً أَوْ إِجَازَةً ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ حَدِيثًا حَدَّثَ بِهِ الْعِبَادَ وَخَاطَبَهُمْ بِهِ ، فَكُلُّ مُحَدِّثٍ أَحْدَثَ إِلَيْكَ شِفَاهًا أَوْ بِكِتَابٍ أَوْ بِإِجَازَةٍ فَقَدْ حَدَّثَكَ بِهِ ، وَأَنْتَ صَادِقٌ فِي قَوْلِكَ : حَدَّثَنِي ، وَيُسَمَّى الْوَاقِعُ فِي الْمَنَامِ حَدِيثًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ) .

ج٢ / ص٤٨٥( وَ ) كَذَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدٍ ( الْمَرْزُبَانِيُّ ) بِضَمٍ الزَّايِ نِسْبَةً لِجَدٍّ لَهُ اسْمُهُ الْمَرْزُبَانُ الْبَغْدَادِيُّ ، صَاحِبُ إخْبَارٍ وَرِوَايَةٍ لِلْأَدَبِ وَتَصَانِيفَ كَثِيرَةٍ ، وَكَانَ فِي دَارِهِ خَمْسُونَ مَا بَيْنَ لِحَافٍ وَمِحْبَرَةٍ لِمَنْ يَبِيتُ عِنْدَهُ ، مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . ( وَأَبُو نُعَيْمِ ) الْأَصْبِهَانِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ ، أَطْلَقَا فِي الْإِجَازَةِ لَفْظَ ( أَخْبَرَ ) أَيْ : أَخْبَرَنَا ، خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْهُمَا الْخَطِيبُ ، وَعَنْ ثَانِيهِمَا فَقَطْ أَبُو الْفَضْلِ ابْنُ طَاهِرٍ ، وَحَكَى الْخَطِيبُ أَنَّ أَوَّلَهُمَا عِيبَ بِذَلِكَ ، وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ طَاهِرٍ ثُمَّ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِهِ عَنِ الْخَطِيبِ أَنَّهُ عَابَ ثَانِيَهُمَا أَيْضًا بِهِ ، فَقَالَ : رَأَيْتُ لِأَبِي نُعَيْمٍ أَشْيَاءَ يَتَسَاهَلُ فِيهَا ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فِي الْإِجَازَةِ : أَخبرنَا ، مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ . بَلْ أَدْخَلَهُ لِذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ثُمَّ الذَّهَبِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مَذْهَبٌ رَآهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، قَالَ : وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّدْلِيسِ .

قُلْتُ : أَمَّا عَيْبُ الْأَوَّلِ بِهِ فَظَاهِرٌ ; لِكَوْنِهِ لَمْ يُبَيِّنِ اصْطِلَاحَهُ ، وَأَكْثَرَ مَعَ ذَلِكَ مِنْهُ ، بِحَيْثُ إنَّ أَكْثَرَ مَا أَوْرَدَهُ فِي كُتُبِهِ بِالْإِجَازَةِ لَا السَّمَاعِ ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ رُمِيَ بِالِاعْتِزَالِ ، وَبِأَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْمِحْبَرَةَ وَقِنِّينَةَ النَّبِيذِ وَلَا يَزَالُ يَكْتُبُ وَيَشْرَبُ . وَأَمَّا ثَانِيهِمَا فَبَعْدَ بَيَانِ اصْطِلَاحِهِ لَا يَكُونُ مُدَلِّسًا ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ : ج٢ / ص٤٨٦سَخَّمَ اللَّهُ وَجْهَ مَنْ يَعِيبُهُ بِهَذَا ، بَلْ هُوَ الْإِمَامُ عَالِمُ الدُّنْيَا .

وَقَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُمْ وَإِنْ عَابُوهُ بِذَلِكَ فَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ لَهُ خَالَفَ فِيهِ الْجُمْهُورَ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنْ يَقُولَ فِي السَّمَاعِ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ قَرَأَ بِنَفْسِهِ أَوْ سَمِعَ مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ ، أَوْ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ عَلَى شَيْخِهِ : حدثَنَا ، بِلَفْظِ التَّحْدِيثِ فِي الْجَمِيعِ ، وَيَخُصُّ الْإِخْبَارَ بِالْإِجَازَةِ ، يَعْنِي كَمَا صَرَّحَ هُوَ بِاصْطِلَاحِهِ ; حَيْثُ قَالَ : إِذَا قُلْتُ : أَخبرنَا ، عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَذْكُرَ فِيهِ إِجَازَةً أَوْ كِتَابَةً أَوْ كُتِبَ لِي أَوْ أُذِنَ لِي ، فَهُوَ إِجَازَةٌ ، أَوْ حدثَنَا فَهُوَ سَمَاعٌ ، وَيُقَوِّي الْتِزَامَهُ لِذَلِكَ أَنَّهُ أَوْرَدَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَاكِمِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ رَوَاهَا عَنِ الْحَاكِمِ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ مُطْلَقًا ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ : الَّذِي رَوَيْتُهُ عَنِ الْحَاكِمِ بِالْإِجَازَةِ ، فَإِذَا أَطْلَقَ الْإِخْبَارَ عَلَى اصْطِلَاحِهِ عُرِفَ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِجَازَةَ ، فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ; لِئَلَا يُعْتَرَضَ عَلَيْهِ
- انْتَهَى .

وَمَعَ كَوْنِهِ بَيَّنَ اصْطِلَاحَهُ ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ : إِنَّهُ إِنَّمَا يَفْعَلُهُ نَادِرًا ; لِاسْتِغْنَائِهِ بِكَثْرَةِ الْمَسْمُوعَاتِ الَّتِي عِنْدَهُ ، فَقَدْ قَرَأْتُ مُسْتَخْرَجَهُ عَلَى مُسْلِمٍ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ شَيْئًا بِالْإِجَازَةِ ، إِلَّا مُوَيْضِعَاتٍ يَسِيرَةً ، حَدِيثًا عَنِ الْأَصَمِّ ، وَآخَرَ عَنْ خَيْثَمَةَ ، وَعَنْ غَيْرِهِمَا ، وَكَذَا اعْتَذَرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِالنُّدُورِ ، وَكَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ أَيْضًا مُشْعِرٌ بِهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : هَذَا لَا يَنْقُصُهُ شَيْئًا ; إِذْ هُوَ يَقُولُ فِي مُعْظَمِ تَصَانِيفِهِ : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ إِجَازَةً ، قَالَ : وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُطْلِقَ فِي الْإِجَازَةِ أَخبرنَا بِدُونِ بَيَانٍ فَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لَهُ أَيْضًا ، ج٢ / ص٤٨٧عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا جَوَّزَ أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا نَصْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ الْغَازِيَّ الْأَصْبِهَانِيَّ مِمَّنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ السَّمْعَانِيِّ لَمَّا قَالَ فِي تَرْجَمَتِهِ : إِنَّهُ كَانَ لَا يُفَرِّقُ السَّمَاعَ مِنَ الْإِجَازَةِ ،

قَالَ الذَّهَبِيُّ : يُرِيدُ أَنَّ السَّمَاعَ وَالْإِجَازَةَ سَوَاءٌ فِي الِاتِّصَالِ أَوِ الِاحْتِجَاجِ ، وَإِلَّا فَمَنْ لَهُ أَدْنَى مَعْرِفَةٍ يُرِيدُ - أَيْ : يَفْهَمُ - أَنَّ السَّمَاعَ شَيْءٌ ، وَالْإِجَازَةَ شَيْءٌ .
قَالَ شَيْخُنَا : مَا أَظُنُّهُ أَرَادَ مَا فَهِمَهُ الذَّهَبِيُّ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ لَا يُمَيِّزُ هَذَا مِنْ هَذَا ، بَلْ يَقُولُ مَثَلًا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا : أَخبرنَا ، وَلَا يُعَيِّنُ فِي الْإِجَازَةِ كَوْنَهَا إِجَازَةً - انْتَهَى . وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ أَبَا نُعَيْمٍ كَانَ يَقُولُ فِيمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مَشَايِخِهِ بَلْ رَوَاهُ إِجَازَةً : أَخْبَرَنَا فُلَانٌ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَقُولُ : وَأَنَا أَسْمَعُ ، فَيَشْتَدُّ الِالْتِبَاسُ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ الْحَالِ .

وَفِي تَارِيخِ أَصْبَهَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، كَقَوْلِهِ : أَخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ . بَلْ وَكَذَا فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْأَصْبِهَانِيِّ مِنَ الْحِلْيَةِ لَهُ : ج٢ / ص٤٨٨أَخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ ، زَادَ فِيهَا : وَحَدَّثَنِي عَنْهُ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَيَّانَ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِمَّا يَتَّضِحُ بِهَا الْمُرَادُ ; فَإِنَّهَا تُشْعِرُ أَنَّهُ رَوَاهُ عَالِيًا عَنِ الْأَوَّلِ إِجَازَةً ، وَبِنُزُولٍ عَنِ الثَّانِي سَمَاعًا .

وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ مِنَ الْحِلْيَةِ أَيْضًا : أَخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَذِنَ لِي فِيهِ ، وَلَكِنْ قَدْ حَكَى ابْنُ طَاهِرٍ فِي أَطْرَافِ الْأَفْرَادِ هَذَا الْمَذْهَبَ أَيْضًا عَنْ شَيْخِهِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، وَهُوَ اصْطِلَاحٌ لَهُمَا غَرِيبٌ ، وَكَأَنَّ النُّكْتَةَ فِي التَّصْرِيحِ عَنْ شَيْخِهِ بِذَلِكَ اعْتِمَادُهُ الْمَرْوِيَّ . ونحوه من يقول : وجدت بخط فلان وأجازنيه ، وكذا قال عياض : ثنا أبو علي الجياني الحافظ إجازة وعارضت بكتابه . ( وَالصَّحِيحُ ) الْمُخْتَارُ ( عِنْدَ ) جُمْهُورِ ( الْقَوْمِ ) ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُلَمَاءِ الشَّرْقِ ، وَاخْتَارَ أَهْلُ التَّحَرِّي وَالْوَرَعِ الْمَنْعَ مِنْ إِطْلَاقِ كُلٍّ مِنْ حدثَنَا وَأَخبرنَا وَنَحْوِهِمَا فِي الْمُنَاوَلَةِ وَالْإِجَازَةِ ؛ خَوْفًا مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْكَامِلِ ، وَ ( تَقْيِيدُهُ ) أَيِ : الْمَذْكُورِ مِنْهَا ( بِمَا يُبِينُ ) أَيْ : يُوَضِّحُ ( الْوَاقِعَا ) فِي كَيْفِيَّةِ التَّحَمُّلِ مِنَ السَّمَاعِ ، أَوِ الْإِجَازَةِ ، أَوِ الْمُنَاوَلَةِ ، بِلَفْظٍ لَا إِشْكَالَ فِيهِ ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَنِ الْآخَرِ .

كَأَنْ يَقُولَ : أَخبرنَا أَوْ حدثَنَا فُلَانٌ ( إِجَازَةً ) ، أَوْ أَخبرنَا أَوْ حدثَنَا ( تَنَاوُلًا ) ، أَوْ ( هُمَا مَعَا ) أَيْ : إِجَازَةَ مُنَاوَلَةٍ ، أَوْ فِيمَا ( أَذِنَ لِي ) ، أَوْ فِيمَا ( أَطْلَقَ لِي ) ج٢ / ص٤٨٩رِوَايَتَهُ عَنْهُ ، أَوْ فِيمَا ( أَجَازَنِي ) ، أَوْ فِيمَا ( سَوَّغَ لِي ) ، أَوْ فِيمَا ( أَبَاحَ لِي ) ، أَوْ فِيمَا ( نَاوَلَنِي ) .

قَالَ الْخَطِيبُ : وَقَدْ كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ يَقُولُ فِي الْمُنَاوَلَةِ : أَعْطَانِي فُلَانٌ أَوْ دَفَعِ إِلَيَّ كِتَابَهُ
، وَشَبِيهًا بِهَذَا الْقَوْلِ ، وَهُوَ الَّذِي نَسْتَحْسِنُهُ ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، فَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ التَّقْيِيدِ أَيْضًا ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ
ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : وَالَّذِي أَرَاهُ أَنْ لَا يَسْتَعْمِلَ فِيهَا ؛ أَيْ : فِي الْإِجَازَةِ ، أَخبرنَا لَا بِالْإِطْلَاقِ وَلَا بِالتَّقْيِيدِ ; لِبُعْدِ دَلَالَةِ لَفْظِ الْإِجَازَةِ عَنِ الْإِخْبَارِ ؛ إِذْ مَعْنَاهَا فِي الْوَضْعِ الْإِذْنُ فِي الرِّوَايَةِ
- انْتَهَى . وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ ثَالِثِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ .

وَمِمَّنْ كَانَ يَسْلُكُ التَّقْيِيدَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلَّالُ ; فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ( اشْتِقَاقِ الْأَسْمَاءِ ) : أَخبرنَا فُلَانٌ إِجَازَةً ، وَكَذَا أَجَازَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيَّ أَخْبَرَهُمْ .

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ : مِمَّا يَحْسُنُ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ لِلتَّقْيِيدِ هُنَا أَيْضًا ، إِنْ أَلْجَأَتْ ضَرُورَةٌ مَنْ يُرِيدُ تَخْرِيجَ حَدِيثٍ فِي بَابٍ وَلَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا سِوَاهُ ، أَعْنِي الرِّوَايَةَ بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ ، اسْتَخَارَ اللَّهَ تَعَالَى وَحَرَّرَ أَلْفَاظَهُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ : أَخْبَرَنِي فُلَانٌ إِجَازَةً عَامَّةً ، أَوْ فِيمَا أَجَازَ مَنْ أَدْرَكَ حَيَاتَهُ ، أَوْ يَحْكِي لَفْظَ الْمُجِيزِ ج٢ / ص٤٩٠فِي الرِّوَايَةِ ، فَيَتَخَلَّصُ عَنْ غَوَائِلِ التَّدْلِيسِ وَالتَّشَبُّعِ بِمَا لَمْ يُعْطَ ، وَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُقْتَدِيًا ، وَلَا يُعَدُّ مُفْتَرِيًا - انْتَهَى .
وَإِذَا كَانَ الْإِطْلَاقُ فِي الْعَامَّةِ مَعَ الِاضْطِرَارِ لِلرِّوَايَةِ بِهَا يُعَدُّ فَاعِلُهُ مُفْتَرِيًا ، فَمَا بَالُكَ بِمَنِ الْوَقْتُ فِي غُنْيَةٍ عَنْ تَحْدِيثِهِ لَوْ سَمِعَ لَفْظًا ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُقِلًّا مِنَ الْمَسْمُوعِ وَالشُّيُوخِ ، وَيَرْوِي بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ وَلَا إِفْصَاحٍ ( وَإِنْ أَبَاحَ الشَّيْخُ ) الْمُجِيزُ ( لِلْمُجَازِ ) لَهُ ( إِطْلَاقَهُ ) حدثَنَا أَوْ أَخبرنَا فِي الْمُنَاوَلَةِ أَوِ الْإِجَازَةِ الْخَاصَّةِ فَضْلًا عَنِ الْعَامَّةِ كَمَا فَعَلَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمَشَايِخِ فِي إِجَازَاتِهِمْ ؛ حَيْثُ قَالُوا لِمَنْ أَجَازُوا لَهُ : إِنْ شَاءَ قَالَ : حدثَنَا ، وَإِنْ شَاءَ قَالَ : أَخبرنَا .

وَوُجِدَ ذَلِكَ كَمَا حُكِيَ عَنْ شَيْخِنَا ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَزَرِيِّ فِي إِجَازَاتِ الْمَغَارِبَةِ ( لَمْ يَكْفِ ) ذَلِكَ ( فِي الْجَوَازِ ) ، وَإِنْ عَلَّلَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَثْنَاءِ التَّفْرِيعَاتِ التَّالِيَةِ لِثَانِي أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ الْمَنْعَ مِنْ إِبْدَالِ حدثَنَا بِأَخْبَرَنَا وَعَكْسَهُ ، بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الرَّاوِي عَدَمَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ ؛ لِتَعَقُّبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ هُنَاكَ مِنْ نُكَتِهِ ، بِأَنَّهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ فِي الْجَائِزِ وَالْمُمْتَنِعِ بِكَوْنِ الشَّيْخِ يَرَى الْجَائِزَ مُمْتَنِعًا ، وَالْمُمْتَنِعَ جَائِزًا . فَرْعٌ : لَوْ قَرَأَ عَلَى شَيْخٍ شَيْئًا بِالْإِجَازَةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا مِنْ شَيْخِهِ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَمِعَهُ ، فَالْأَحْسَنُ حِكَايَةُ الْوَاقِعِ بِأَنْ يَقُولَ : إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا ، ثُمَّ ظَهَرَ سَمَاعُهُ ، كَمَا وَقَعَ لِأَبِي زُرْعَةَ الْمَقْدِسِيِّ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَلِلصَّلَاحِ ابْنِ ج٢ / ص٤٩١أَبِي عُمَرَ فِي بَعْضِ الْمَسَانِيدِ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ ؛ حَيْثُ أَخْبَرَ فِيهَا كَذَلِكَ ، لِعَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الْأَصْلِ فِيهَا ، ثُمَّ ظَهَرَ له سَمَاعُهُ لَهَا ، بَلْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ : إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ ، وَلَكِنِ اتَّفَقَ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ ، وَأَنَّ إِطْلَاقَ السَّمَاعِ كَافٍ ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالْمِزِّيُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ عَاصَرَهُمَا ; كَابْنِ الْمُحِبِّ شَيْخِ شُيُوخِنَا ، وَنَحْوُهُ إِخْبَارُ الزَّيْنِ ابْنِ الشَّيْخَةِ بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ مِنَ الْحَجَّارِ ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ لَهُ مِنْهُ إِجَازَةً خَاصَّةً . ( وَبَعْضُهُمْ ) أَيْ : وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ ، لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مَا مَضَى كَالْحَاكِمِ ؛ حَيْثُ ( أَتَى بِلَفْظٍ مُوهِمْ ) تَجَوُّزًا فِيمَا أَجَازَهُ فِيهِ شَيْخُهُ بِلَفْظِهِ شَفَاهًا ، وَهُوَ أَخبرنَا فُلَانٌ مُشَافَهَةً ، أَوْ ( شَافَهَنِي ) فُلَانٌ ، وَفِيمَا أَجَازَهُ بِهِ شَيْخُهُ بِكِتَابِهِ أَخبرنَا فُلَانٌ كِتَابَةً ، أَوْ مُكَاتَبَةً ، أَوْ فِي كِتَابِهِ ، أَوْ ( كَتَبَ لِي ) ، أَوْ إِلَيَّ ، وَحَكي الشِّقَّ الثَّانِيَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، فَقَالَ ابْنُ النَّجَّارِ : إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْإِجَازَةِ : حَدَّثَنِي فُلَانٌ فِي كِتَابِهِ .

وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَقُولُ : أَخبرنَا أَبُو الْمَيْمُونِ ابْنُ رَاشِدٍ فِي كِتَابِهِ ، وَكَتَبَ إِلَيَّ جَعْفَرٌ الْخَلَدِيُّ ، وَكَتَبَ إِلَيَّ أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ . ج٢ / ص٤٩٢وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ ، وَإِنْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا كذَلِكَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ بَعْدِ الْخَمْسِمِائَةِ وَهَلُمَّ جَرًّا ( فَمَا سَلِمْ ) مَنِ اسْتَعْمَلَهَا مُطْلَقًا مِنَ الْإِيهَامِ وَطَرَفٍ مِنَ التَّدْلِيسِ ، أَمَّا الْمُشَافَهَةُ فَتُوهِمُ مُشَافَهَتَهُ بِالتَّحْدِيثِ ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَتُوهِمُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ ، كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَقَدِّمُونَ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْقِسْمِ الَّذِي يَلِيهِ . وَلِذَا نَصَّ الْحَافِظُ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْهَمْدَانِيُّ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي الْإِجَازَةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ هَذَا مُعَلِّلًا بِالْإِيهَامِ الْمَذْكُورِ ( وَقَدْ أَتَى بِخَبَّرَ ) نا بِالتَّشْدِيدِ أَبُو عَمْرٍو ( الْأَوْزَاعِيُّ فِيهَا ) أَيْ : فِي الْإِجَازَةِ خَاصَّةً ، وَجَعَلَ " أَخبرنَا " بِالْهَمْزَ لِلْقِرَاءَةِ ( وَلَمْ يَخْلُ ) أَيْضًا ( مِنَ النِّزَاعِ ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَعْنَى خَبَّرَ وَأَخْبَرَ فِي اللُّغَةِ وَكَذَا الِاصْطِلَاحِ وَاحِدٌ ، بَلْ قِيلَ : إِنَّ خَبَّرَ أَبْلَغُ .

وَكَانَ لِلْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا فِي الرِّوَايَةِ بِالْمُنَاوَلَةِ اصْطِلَاحٌ ، قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ : قُلْتُ لَهُ فِي الْمُنَاوَلَةِ : أَقُولُ فِيهَا : حدثَنَا ؟ فَقَالَ : إِنْ كُنْتُ حَدَّثْتُكَ فَقُلْ : حدثَنَا ، فَقُلْتُ : فَمَا أَقُولُ ؟ قَالَ : قُلْ : قَالَ أَبُو عَمْرٍو ، أَوْ عَنْ أَبِي عَمْرٍو . ( وَلَفْظُ " أَنَّ " ) بِالْفَتْحِ وَالتَّشْدِيدِ ( اخْتَارَهُ ) ، أَوْ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ حَمَدٌ ( الْخَطَّابِيُّ ) نِسْبَةً لِجَدِّهِ خَطَّابٍ ، فَكَانَ يَقُولُ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ فِي الرِّوَايَةِ بِالسَّمَاعِ ج٢ / ص٤٩٣عَنِ الْإِجَازَةِ : أَخبرنَا فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ أَوْ أَخْبَرَهُ ،

قَالَ صَاحِبُ الْوِجَازَةِ : وَكَأَنَّهُ جَعَلَ دُخُولَ " أَنَّ " دَلِيلًا عَلَى الْإِجَازَةِ فِي مَفْهُومِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ تَأَمَّلْتُهُ فَلَمْ أَجِدْ لَهُ وَجْهًا صَحِيحًا ؛ لِأَنَّ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةَ أَصْلُهَا التَّأْكِيدُ ، وَمَعْنَى أَخبرنَا فُلَانٌ أَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ ، أَيْ : بِأَنَّ فُلَانًا حَدَّثَهُ ، فَدُخُولُ الْبَاءِ أَيْضًا لِلتَّأْكِيدِ ، وَإِنَّمَا فُتِحَتْ لِأَنَّهَا صَارَتِ اسْمًا ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْهُ كَانَتِ الْإِجَازَةُ أَقْوَى عِنْدَهُ مِنَ السَّمَاعِ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ قَارَنَهُ التَّأْكِيدُ ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ - انْتَهَى .
وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَقَدْ سَبَقَ حِكَايَةُ تَفْضِيلِ الْإِجَازَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ ، بَلْ لَمْ يَنْفَرِدِ الْخَطَّابِيُّ بِهَذَا الصَّنِيعِ ؛ فَقَدْ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ اخْتِيَارِ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ ، قَالَ : وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ، وَحَقُّهُ أَنْ يُنْكِرَ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ يُتَفَهَّمُ مِنْهُ الْمُرَادُ ، وَلَا اعْتِيدَ هَذَا الْوَضْعُ لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا اصْطِلَاحًا ؛ وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ اصْطِلَاحٌ بَعِيدٌ ، بَعِيدٌ عَنْ مَقَاصِدِ أَهْلِ الْأَفْكَارِ الْقَوْيَّةِ مِنْ أَهْلِ الِاصْطِلَاحِ ؛ لِبُعْدِهِ عَنِ الْإِشْعَارِ بِالْإِجَازَةِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ( وَهْوَ مَعَ ) سَمَاعِ ( الْإِسْنَادِ ) خَاصَّةً لِشَيْخِهِ مِنْ شَيْخِهِ ، وَكَوْنِ الْإِجَازَةِ لَهُ فِيمَا وَرَاءَ الْإِسْنَادِ ، أَيْ : مِنْ حَدِيثٍ وَنَحْوِهِ ( ذُو اقْتِرَابِ ) ؛ فَإِنَّ فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ إِشْعَارًا بِوُجُودِ أَصْلِ الْإِخْبَارِ ، وَإِنْ أَجْمَلَ الْخَبَرَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ تَفْصِيلًا ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ : إِذَا أَخْرَجَ الشَّيْخُ الْكِتَابَ وَقَالَ : أَخبرنَا فُلَانٌ ، [ وَسَاقَ السَّنَدَ ، فَهَلْ يَجُوزُ لِسَامِعٍ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ : أَخبرنَا فُلَانٌ ] ، وَيَذْكُرَ الْأَحَادِيثَ كُلًّا أَوْ بَعْضًا ؟ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ جِهَةِ الصِّدْقِ ؛ فَإِنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالْإِخْبَارِ بِالْكِتَابِ ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ إِخْبَارٌ جُمْلِيٌّ ، وَلَا فَرْقَ فِي مَعْنَى الصِّدْقِ بَيْنَ الْإِجْمَالِ وَالتَّفْصِيلِ .

ج٢ / ص٤٩٤نَعَمْ ، فِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِأَنْ لَا يُطْلَقَ الْإِخْبَارُ إِلَّا فِيمَا قُرِئَ ، وَيُسَمَّى مِثْلُ هَذَا مُنَاوَلَةً ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي بِالْمُتَعَيَّنِ مِنْ جِهَةِ الصِّدْقِ ، فَإِنْ أَوْقَعَ تُهْمَةً فَقَدْ يُمْنَعُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ - انْتَهَى . وَمَعَ الْقُرْبِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَهُوَ يَلْتَبِسُ بِاصْطِلَاحِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ فِي أَنَّهُ إِذَا زَادَ فِي نَسَبِ شَيْخِ شَيْخِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخه يَأْتِي بِلَفْظِ : " أَنَّ " ( وَبَعْضُهُمْ يَخْتَارُ فِي الْإِجَازَة ) لَفْظَ ( أَنْبَأَنَا كـ ) الْوَلِيدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الْغَمْرِيُّ بِالْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ ، وَقِيلَ : الْمَضْمُومَةُ ، وَالْمِيمِ السَّاكِنَةِ ، نِسْبَةً إِلَى الْغَمْرِ ، بَطْنٍ مِنْ غَافِقَ ، الْأَنْدَلُسِيُّ الْمَالِكِيُّ الْأَدِيبُ الشَّاعِرُ ( صَاحِبُ الْوِجَازَة ) وَشَيْخُ الْحَاكِمِ ، بَلْ حَكَى عِيَاضٌ عَنْ شُعْبَةَ أَنَّهُ قَالَها مَرَّةً فِيهَا : قَالَ . وَرُوِى عَنْهُ أَيْضًا : " أَخبرنَا " ، وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَرَى الْإِجَازَةَ ، كَمَا سَبَقَ فِي مَحَلِّهِ .

نَعَمْ ، اصْطَلَحَ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إِطْلَاقِهَا فِيهَا ( وَاخْتَارَهُ ) أَيْ : لَفْظَ أَنْبَأَنَا ( الْحَاكِمُ ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( فِيمَا شَافَهَهْ ) شَيْخُهُ ( بِالْإِذْنِ ) فِي رِوَايَتِهِ ( بَعْدَ عَرْضِهِ ) لَهُ عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ ( مُشَافَهَة ) ، قَالَ : وَعَلَيْهِ عَهِدْتُ أَكْثَرَ مَشَايِخِي وَأَئِمَّةَ عَصْرِي ( وَاسْتَحْسَنُوا ) كَمَا أَشْعَرَهُ صَنِيعُ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَنْ بَعْدَهُ ( لِلْبَيْهَقِي ) الْحَافِظِ ( مُصْطَلَحَا ) ،

وَهُوَ ( أَنْبَأَنَا إِجَازَةً فَصَرَّحَا ) بِالْإِجَازَةِ ، وَلَمْ يُطْلِقِ الْإِنْبَاءَ ؛ ج٢ / ص٤٩٥لِكَوْنِهِ عِنْدَ الْقَوْمِ فِيمَا تَقَدَّمَ بِمَنْزِلَةِ الْإِخْبَارِ ، وَرَاعَى فِي التَّعْبِيرِ بِهِ عَنِ الْإِجَازَةِ اصْطِلَاحَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، لَا سِيَّمَا وَلَمْ يَكُنِ الِاصْطِلَاحُ بِذَلِكَ انْتَشَرَ ، بَلْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّ إِطْلَاقَهَا فِي الْإِجَازَةِ بَعِيدٌ مِنَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ ، إِلَّا أَنْ توضَعَ اصْطِلَاحًا
. ( وَبَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ( اسْتَعْمَلَ ) كَثِيرًا لفْظَ ( عَنْ ) فِيمَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْخِهِ الرَّاوِي عَمَّنْ فَوْقَهُ ( إِجَازَةً ) ، فَيَقُولُ : قَرَأْتُ عَلَى فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ ( وَهِيَ ) أَيْ : عَنْ ( قَرِيبَةٌ لِمَنْ ) أَيْ : لِشَيْخٍ ( سَمَاعُهُ مِنْ شَيْخِهِ فِيهِ يُشَكْ ) مَعَ تَحَقُّقِ إِجَازَتِهِ مِنْهُ ( وَحَرْفُ عَنْ بَيْنَهِمَا ) أَيِ : السَّمَاعِ وَالْإِجَازَةِ ( فَمُشْتَرَكْ ) ، وَأُدْخِلَتِ الْفَاءُ عَلَى الْخَبَرِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ : وَيُحَدِّثُ نَاسٌ وَالصَّغِيرُ فَيَكْبَرُ . وَهُوَ رَأْيُ الْأَخْفَشِ خَاصَّةً ، لَا الْكِسَائِيِّ ، وَهَذَا الْفَرْعُ - وَإِنْ سَبَقَ فِي الْعَنْعَنَةِ ، وَأنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْحُكْمِ لَهُ بِالِاتِّصَالِ - فَإِعَادَتُهُ هُنَا لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ ، وَلِيَكُونَ مُنْضَمًّا لِمَا يُشْبِهُهُ مِنَ الِاصْطِلَاحِ الْخَاصِّ ( وَفِي ) صَحِيحِ ( الْبُخَارِيِّ قَالَ لِي ) فُلَانٌ ( فَجَعَلَهُ حِيرِيُّهُمْ ) أَيِ : الْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَمْدَانَ بْنِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ الْحِيرِيُّ ، أَحَدُ الْحُفَّاظِ الزُّهَّادِ الْمُجَابِي الدَّعْوَةَ ، فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ وَلَدِهِ ج٢ / ص٤٩٦أَبِي عَمْرٍو عَنْهُ ( لِلْعَرْضِ ) أَيْ : لِمَا أَخَذَهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى وَجْهِ الْعَرْضِ ( وَالْمُنَاوَلَة ) ، وَانْفَرَدَ أَبُو جَعْفَرٍ بِذَلِكَ ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيهِ ، بَلِ الَّذِي اسْتَقْرَأَهُ شَيْخُنَا - كَمَا أَسْلَفْتُهُ فِي آخِرِ أَوَّلِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ - أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الصِّيغَةَ فِي أَحَدِ أَمْرَيْنِ : أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ، أَوْ يَكُونَ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَإِلَّا فَقَدْ أَوْرَدَ أَشْيَاءَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ هِيَ مَرْوِيَّةٌ عِنْدَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ .

ج٢ / ص٤٩٧

موقع حَـدِيث