حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الخامس الْمُكَاتَبَةُ

الْقِسْمُ ( الْخَامِسُ ) مِنْ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ ( الْمُكَاتَبَةُ ) إِلَى الطَّالِبِ مِنَ الرَّاوِي ، وَالصِّيغَةُ الَّتِي يُؤَدَّى بِهَا ، وَإِلْحَاقُهَا بِالْمُنَاوَلَةِ ( ثُمَّ الْكِتَابَةُ ) مِنَ الشَّيْخِ بِشَيْءٍ مِنْ مَرْوِيِّهِ حَدِيثًا فَأَكْثَرَ ، أَوْ مِنْ تَصْنِيفِهِ أَوْ نَظْمِهِ ، وَيُرْسِلُهُ إِلَى الطَّالِبِ مَعَ ثِقَةٍ مُؤْتَمَنٍ بَعْدَ تَحْرِيرِهِ بِنَفْسِهِ ، أَوْ بِثِقَةٍ مُعْتَمَدٍ ، وَشَدِّهِ وَخَتْمِهِ احْتِيَاطًا لِيَحْصُلَ الْأَمْنُ مِنْ تَوَهُّمِ تَغْيِيرِهِ ، وَذَلِكَ شَرْطٌ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْحَامِلُ مُؤْتَمَنًا ، تَكُونُ ( بِخَطِّ الشَّيْخِ ) نَفْسِهِ وَهُوَ أَعَلَى ( أَوْ بِإِذْنِهِ ) فِي الْكِتَابَةِ ( عَنْهُ ) لِثِقَةٍ غَيْرِهِ ، سَوَاءٌ كَانَ لِضَرُورَةٍ أَمْ لَا ، وَسَوَاءٌ سُئِلَ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا . ( لِغَائِبٍ ) عَنْهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا ، بَلْ ( وَلَوْ ) كَانَتْ ( لِحَاضِرٍ ) عِنْدَهُ فِي بَلَدِهِ دُونَ مَجْلِسِهِ ، وَيَبْدَأُ فِي الْكِتَابَ بِنَفْسِهِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ : مِنْ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ إِلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ . فَإِنْ بَدَأَ بِاسْمِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ ، فَقَدْ كَرِهَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .

وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْتَحِبُّ إِذَا كَتَبَ الصَّغِيرُ إِلَى الْكَبِيرِ أَنْ يُقَدَّمَ اسْمُ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ ، وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَبْتَدِئُ بِاسْمِ مَنْ يُكَاتِبُهُ كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا تَوَاضُعًا ; وَهِيَ كَالْمُنَاوَلَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ : فَإِنْ أَجَازَ الشَّيْخُ بِخَطِّهِ أَوْ بِإِذْنِهِ ( مَعَهَا ) . أَيِ : الْكِتَابَةِ بِقَوْلِهِ : أَجَزْتُ لَكَ مَا كَتَبْتُهُ لَكَ ، أَوْ مَا كَتَبْتُ بِهِ إِلَيْكَ . أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ عِبَارَاتِ الْإِجَازَاتِ ، وَهِيَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْمُسَمَّى بِالْكِتَابَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْإِجَازَةِ .

( أَشْبَهَ ) حِينَئِذٍ فِي الْقُوَّةِ وَالصِّحَةِ حَيْثُ ثَبَتَ عِنْدَ الْمُكَاتِبِ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ هُوَ مِنَ الرَّاوِي الْمُجِيزِ ، تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ أَوْ أَمَرَ مَعْرُوفًا بِالثِّقَةِ بِكَتْبِهِ عَنْهُ ، ( مَا ) إِذَا ( نَاوَلَ ) مَعَ الِاقْتِرَانِ بِالْإِجَازَةِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي مُطْلَقِ الْمُنَاوَلَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ إِذْ سَوَّى بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ قَالَ - وَذَكَرَ الْمُنَاوَلَةَ وَكِتَابَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعِلْمِ إِلَى الْبُلْدَانِ - : إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَمَالِكًا رَأَوْا ذَلِكَ جَائِزًا . وَلَكِنْ قَدْ رَجَّحَ قَوْمٌ - مِنْهُمُ الْخَطِيبُ - الْمُنَاوَلَةَ عَلَيْهَا ; لِحُصُولِ الْمُشَافَهَةِ فِيهَا بِالْإِذْنِ دُونَ الْمُكَاتَبَةِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرَجِّحًا فَالْمُكَاتَبَةُ تَتَرَجَّحُ أَيْضًا بِكَوْنِ الْكِتَابَةِ لِأَجْلِ الطَّالِبِ ، ثُمَّ مُقْتَضَى الِاسْتِوَاءِ ، فَضْلًا عَنِ الْقَوْلِ بِتَرْجِيحِ الْمُنَاوَلَةِ ، أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَرْوِيَّ بِهَا أَنْزَلُ مِنَ الْمَرْوِيِّ بِالسَّمَاعِ كَمَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَاك .

وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِمُنَاظَرَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ بِحَضْرَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ( دِبَاغُهَا طَهُورُهَا ) . قَالَ إِسْحَاقُ : ( فَمَا الدَّلِيلُ ؟ ) قَالَ : ( حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ : ( هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا ؟ ) يَعْنِي الشَّاةَ الْمَيِّتَةَ ، فَقَالَ إِسْحَاقُ : ( حَدِيثُ ابْنِ عُكَيْمٍ : كَتَبَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ : ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِيَسِيرٍ . فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا كِتَابٌ وَذَاكَ سَمَاعٌ .

فَقَالَ إِسْحَاقُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ ، وَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِ . فَسَكَتَ الشَّافِعِيُّ مَعَ بَقَاءِ حُجَّتِهِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَالِكِيُّ ، يَعْنِي : فَإِنَّ كَلَامَهُ فِي تَرْجِيحِ السَّمَاعِ لَا فِي إِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ ، وَكَأَنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَقْصِدِ الرَّدَّ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ أَنْقَصُ مِنَ السَّمَاعِ كَمَا سَلَفَ هُنَاكَ ، بَلْ هُوَ مِمَّنْ أَخَذَ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَالشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِأَحْمَدَ . وَمِمَّنِ اسْتَعْمَلَ الْمُكَاتَبَةَ الْمَقْرُونَةَ بِالْإِجَازَةِ أَبُو بَكْرِ ابْنُ عَيَّاشٍ فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى : ( سَلَامٌ عَلَيْكَ ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، أَمَّا بَعْدُ ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنْ جَمِيعِ الْآفَاتِ ، جَاءَنَا أَبُو أُسَامَةَ فَذَكَرَ أَنَّكَ أَحْبَبْتَ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، فَقَدْ كَتَبَهَا ابْنِي إِمْلَاءً مِنِّي لَهَا إِلَيْهِ ، فَهِيَ حَدِيثٌ مِنِّي لَكَ عَمَّنْ سَمَّيْتُ لَكَ فِي كِتَابِي هَذَا ، فَارْوِهَا وَحَدِّثْ بِهَا عَنِّي ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكَ هَوِيتَ ذَلِكَ ، وَكَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَسْمَعَ مِمَّنْ سَمِعَهَا مِنِّي ، وَلَكِنَّ النَّفْسَ تَطَلَّعُ إِلَى مَا هَوِيتَ ، فَبَارَكَ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ ، وَجَعَلَنَا مِمَّنْ يَهْوَى طَاعَتَهُ وَرِضْوَانَهُ ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ ) .

وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : سَمِعْتُ خَالِي مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : قَالَ لِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ : الْتَقِطْ لِي مِائَةَ حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ حَتَّى أَرْوِيَهَا عَنْكَ . قَالَ مَالِكٌ : فَكَتَبْتُهَا ثُمَّ بَعَثْتُهَا إِلَيْهِ . بَلْ صَرَّحَ ابْنُ النَّفِيسِ بِنَفْيِ الْخِلَافِ عَنْ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِهَا ، وَأَلْحَقَ الْخَطِيبُ بِهَذَا النَّوْعِ في الصِّحَّةِ الْكِتَابَةَ بِإِجَازَةِ كِتَابٍ مُعَيَّنٍ أَوْ حَدِيثٍ خَاصٍّ ، كَمَا كَتَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي لِأَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ التَّنُوخِيِّ بِالْإِجَازَةِ بِكِتَابِ ( النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ) عَنِ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَبِـ ( الْعِلَلِ ) عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، وَبِـ ( الرَّدِّ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ) .

وَبِـ ( أَحْكَامِ الْقُرْآنِ ) ، وَ ( مَسَائِلِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ ) وَ ( الْمَسَائِلِ الْمَبْسُوطَةِ ) عَنْ مَالِكٍ ، وَلَكِنَّ هَذَا قَدْ دَخَلَ فِي أَوَّلِ أَنْوَاعِ الْإِجَازَةِ . ( أَوْ ) لَمْ يُجِزْ بَلْ ( جَرَّدَهَا ) أَيِ الْكِتَابَةَ عَنِ الْإِجَازَةِ وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي ( صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَشْهُورِ ) عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَالَ عِيَاضٌ : ( لِأَنَّ فِي نَفْسِ كِتَابِهِ إِلَيْهِ بِخَطِّهِ ، أَوْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَهُ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ أَقْوَى إِذْنٍ مَتَى صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ خَطُّهُ وَكِتَابُهُ ) . يَعْنِي كَمَا فِي النَّوْعِ قَبْلَهُ .

قَالَ : ( وَقَدِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ السَّلَفِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الشُّيُوخِ بِالْحَدِيثِ ) بِقَوْلِهِمْ : كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ قَالَ : ثَنَا فُلَانٌ . وَأَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ ، وَعَدُّوهُ فِي الْسْنَدِ بِغَيْرِ خِلَافٍ يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْأَسَانِيدِ كَثِيرًا . وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ : ( وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي مَسَانِيدِهِمْ وَمُصَنَّفَاتِهِمْ ) قَوْلُهُمْ : كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ : حدثَنَا فُلَانٌ .

وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا ، وَذَلِكَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَهُمْ مَعْدُودٌ فِي الْمُسْنَدِ الْمَوْصُولِ ، وَفِيهَا إِشْعَارٌ قَوِيٌّ بِمَعْنَى الْإِجَازَةِ ، فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِالْإِجَازَةِ لَفْظًا فَقَدْ تَضَمَّنَتْهَا مَعْنًى . وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِرْسَالَ إِلَى الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ قَرِينَةٌ فِي أَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ ، فَكَأَنَّهُ لَفَظَ لَهُ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّلَفُّظِ بِالْإِذْنِ . وَنَحْوُهُ مَا حَكَاهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ : الْكِتَابُ الْمُتَيَقَّنُ مِنَ الرَّاوِي وَسَمَاعُ الْإِقْرَارِ مِنْهُ سَوَاءٌ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ فِيمَا تَقَعُ الْعِبَارَةُ فِيهِ بِاللَّفْظِ إِنَّمَا هُوَ تَعْبِيرُ اللِّسَانِ عَنْ ضَمِيرِ الْقَلْبِ ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْعِبَارَةُ عَنِ الضَّمِيرِ بِأَيِ سَبَبٍ كَانَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِبَارَةِ ; إِمَّا بِكِتَابٍ ، وَإِمَّا بِإِشَارَةٍ ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقُومُ مَقَامَهُ ، كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءً .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَقَامَ الْإِشَارَةَ مُقَامَ الْقَوْلِ فِي الْعِبَارَةِ ، وَذَكَرَ حَدِيثَ الْجَارِيَةِ وَقَوْلَهُ لَهَا : ( أَيْنَ رَبُّكِ ؟ ) فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ . ( قَالَ بِهِ ) أَيْ : بِتَصْحِيحِ هَذَا النَّوْعِ وَالرِّوَايَةِ بِهِ ، ( أَيُّوبُ ) السِّخْتِيَانِيُّ ( مَعَ مَنْصُورِ ) بْنِ الْمُعْتَمِرِ . ( وَاللَّيْثُ ) بْنُ سَعْدٍ وَخَلْقٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ .

أَمَّا اللَّيْثُ فَقَدْ حَدَّثَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، وَخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، بِالْمُكَاتَبَةِ ، بَلْ وَصَرَّحَ فِيهَا بِالتَّحْدِيثِ ، بَلْ قَالَ أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُهُ : إِنَّهُ كَانَ يُجِيزُ كَتْبَ الْعِلْمِ لِمَنْ يَسْأَلُهُ ، وَيَرَاهُ جَائِزًا وَاسِعًا . وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَقَالَ شُعْبَةُ : كَتَبَ إِلَيَّ مَنْصُورٌ بِحَدِيثٍ ، ثُمَّ لَقِيتُهُ فَقُلْتُ : أُحَدِّثُ بِهِ عَنْكَ ؟ قَالَ : أَوَ لَيْسَ إِذَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ فَقَدْ حَدَّثْتُكَ ؟ ثُمَّ لَقِيتُ أَيُّوبَ فَسَأَلْتُهُ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَعَمِلَ بِهِ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ : إِنَّهُ كَتَبَ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ : ( مِنْ زَكَرِيَّا إِلَى مُعَاذٍ .. . سَلَامٌ عَلَيْكَ .. .

فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ .. . وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ . أَمَّا بَعْدُ : أَصْلَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ بِمَا أَصْلَحَ بِهِ الصَّالِحِينَ ، فَإِنَّهُ هُوَ أَصْلَحَهُمْ ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ ذُرَيْحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ : كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعْمَلْ بِمَعَاصِي اللَّهِ يُعَدَّ حَامِدُهُ مِنَ النَّاسِ لَهُ ذَامًّا ، وَالسَّلَامُ .

وَصَحَّحَهُ أَيْضًا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشَّافِعِيِّينَ مِنْهُمُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَائينِيُّ ، وَالْمَحَامِلِيُّ ، وَصَاحِبُ ( الْمَحْصُولِ ) ، ( وَ ) أَبُو الْمُظَفَّرِ ( السَّمْعَانُ ) بِحَذْفِ يَاءِ النِّسْبَةِ مِنْهُمْ ( قَدْ أَجَازَهُ ) ; أَيِ : الْكِتَابَ الْمُجَرَّدَ ، بَلْ وَعَدَّهُ أَقْوَى مِنَ الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ . وَإِلَى ذَلِكَ ، أَعْنِي تَفْضِيلَ الْكِتَابَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَلَى الْإِجَازَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، صَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ أَيْضًا ، مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَكَأَنَّهُ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّشْخِيصِ وَالْمُشَاهَدَةِ لِلْمَرْوِيِّ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ ، وَإِنْ تَوَقَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي ذَلِكَ لِاسْتِلْزَامِهِ تَقْدِيمَ الْكِنَايَةِ عَلَى الصَّرِيحِ ، ( وَبَعْضُهُمْ ) أَيِ : الْعُلَمَاءِ ( صِحَّةَ ذَاكَ ) أَيِ : الْمَذْكُورِ مِنَ الْكِتَابَةِ الْمُجَرَّدَةِ ( مَنَعَا ) كَالْمُنَاوَلَةِ الْمُجَرَّدَةِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِيهَا . وَقَالَ السَّيْفُ الْآمِدِيُّ : ( لَا يَرْوِيهِ إِلَّا بِتَسْلَيِطٍ مِنَ الشَّيْخِ كَقَوْلِهِ : فَارْوِهِ عَنِّي ، أَوْ أَجَزْتُ لَكَ رِوَايَتَهُ ) .

وَذَهَبَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْقَطَّانِ إِلَى انْقِطَاعِ الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ الْمُجَرَّدَةِ ، ( وَ ) الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ ( الْحَاوِي الْكَبِيرِ ) فِيهِ ( بِهِ ) . أَيْ : بِالْمَنْعِ ( قَدْ قَطَعَا ) . وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَلَطٌ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ أَوْ حَكَاهُ ، وَالْمُعْتَمَدُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ صِحَّتُهُ وَتَسْوِيغُ الرِّوَايَةِ بِهِ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِنَسْخِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْمَصَاحِفَ .

وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ وَاضِحٌ لِأَصْلِ الْمُكَاتَبَةِ لَا خُصُوصِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الْإِجَازَةِ ، فَإِنَّ عُثْمَانَ أَمَرَهُمْ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى مَا فِي تِلْكَ الْمَصَاحِفِ وَمُخَالَفَةِ مَا عَدَاهَا ، وَالْمُسْتَفَادُ مِنْ بِعْثَةِ الْمَصَاحِفِ إِنَّمَا هُوَ ثُبُوتُ إِسْنَادِ صُورَةِ الْمَكْتُوبِ فِيهَا إِلَى عُثْمَانَ ، لَا أَصْلُ ثُبُوتِ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عِنْدَهُمْ . بَلِ اسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : ( بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى ) . وَبِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كَتَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ .

وَوَجْهُ دَلَالَتِهِمَا عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرٌ ، بَلْ وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِأَوَّلِهِمَا لِلْمُنَاوَلَةِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاوَلَ الْكِتَابَ لِرَسُولِهِ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَ عَظِيمَ الْبَحْرَيْنِ بِأَنَّ هَذَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَ مَا فِيهِ وَلَا قَرَأَهُ ، وَقَدْ صَارَتْ كُتُبُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِينًا يُدَانُ بِهَا ، وَالْعَمَلُ بِهَا لَازِمٌ لِلْخَلْقِ ، وَكَذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - رضي الله عنهما - وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي يُحْكَمُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ - اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا - أَحَادِيثُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ رِوَايَةِ التَّابِعِيِّ عَنِ الصَّحَابِيِّ ، أَوْ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ التَّابِعِيِّ عَنِ التَّابِعِيِّ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَمِمَّا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ حَدِيثُ وَرَّادٍ قَالَ : كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ .. . الْحَدِيثَ .

وَحِدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الدُّعَاءِ قَبْلَ الْقِتَالِ ، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ .. . الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : حَدَّثَنِي هَذَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ .

وَحَدِيثُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَكَانَ كَاتِبًا لَهُ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ ) . وَحَدِيثُ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ : أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ . وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ حَدِيثُ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ : ( إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي ) .

وَمِمَّا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ : أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : فَكَتَبَ إِلَيَّ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رَجْمِ الْأَسْلَمِيِّ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ .

بَلْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ شَيْخِهِ بِالْمُكَاتَبَةِ حَيْثُ قَالَ فِي ( بَابٍ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا ) فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ : كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ .. . وَذَكَرَ حَدِيثًا لِلشَّعْبِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ ، وَلَمْ يَقَعْ لَهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ سِوَاهُ ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ بِخُصُوصِهِ ، فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالْمُكَاتَبَةِ ، وَإِلَّا فَقَدْ أَكْثَرَ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ بِالسَّمَاعِ ، وَكَذَا رَوَى بِهَا أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ أَبُو عَمَّارٍ الْمَرْوَزِيُّ . فَذَكَرَ حَدِيثًا .

( وَيُكْتَفَى ) فِي الرِّوَايَةِ بِالْكِتَابَةِ ( أَنْ يَعْرِفَ الْمَكْتُوبُ لَهُ ) بِنَفْسِهِ ، وَكَذَا - فِيمَا يَظْهَرُ - بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ مُعْتَمَدٍ ، ( خَطَّ ) الْكَاتِبِ ( الَّذِي كَاتَبَهُ ) وَإِنْ لَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْكَاتِبِ بِرُؤْيَتِهِ وَهُوَ يَكْتُبُ ذَلِكَ ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَطُّهُ ، أَوْ لمَعْرَفَةِ أَنَّهُ خَطُّهُ لِلتَّوَسُّعِ فِي الرِّوَايَةِ . ( وَأَبْطَلَهُ قَوْمٌ ) فَلَمْ يُجَوِّزُوا الِاعْتِمَادَ عَلَى الْخَطِّ ، وَاشْتَرَطُوا الْبَيِّنَةَ بِالرُّؤْيَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ ، ( لِلِاشْتِبَاهِ ) فِي الْخُطُوطِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُ الْكَاتِبَيْنِ عَنِ الْآخَرِ ، وَمِنْهُمُ الْغَزَالِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي ( الْمُسْتَصْفَى ) : إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ رِوَايَتَهُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَالَهُ ، وَالْخَطُّ لَا يَعْرِفُهُ . يَعْنِي جَزْمًا .

وَ ( لَكِنْ رَدَّا ) هَذَا ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ( لِنُدْرَةِ اللَّبْسِ ) ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ خَطَّ الْإِنْسَانِ لَا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ إِلْبَاسٌ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ : ذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْخَطِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْخَطَّ يَتَشَابَهُ ، أَخْذًا مِنَ الْحَاكِمِ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُكَاتَبَاتِ الْحُكْمِيَّةِ مِنَ قَاضٍ آخَرَ إِذَا عَرَفَ الْخَطَّ عَلَى الصَّحِيحِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَهُ اتِّجَاهٌ فِي الْحُكْمِ ، فَالْأَصَحُّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ ، يَعْنِي سَلَفًا وَخَلَفًا ، هُنَا جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْخَطِّ ; لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ كُتُبَهُ إِلَى عُمَّالِهِ فَيَعْمَلُونَ بِهَا وَاعْتِمَادِهِمْ عَلَى مَعْرِفَتِهَا .

قُلْتُ : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْإِصْطَخْرِيُّ حَيْثُ اكْتَفَى بِكِتَابِ الْقَاضِي الْمُجَرَّدِ عَنِ الْإِشْهَادِ إِذَا وَثِقَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِالْخَطِّ وَالْخَتْمِ . وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ ، وَبَابُ الرِّوَايَةِ عَلَى التَّوْسِعَةِ ، بَلْ صَرَّحَ فِي ( زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ ) بِاعْتِمَادِ خَطِّ الْمُفْتِي إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ أَنَّهُ خَطُّهُ ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي فُرُوعٍ ، مِنْهَا : لَوْ وَجَدَ بِخَطِّ أَبِيهِ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ دَيْنًا عَلَى أَحَدٍ سَاغَ لَهُ الْحَلِفُ فِيهِ ، وَحِينَئِذٍ فَمُحَاكَاةُ الْخُطُوطِ فِيهَا مِنَ الْمَحْظُورِ مَا لَا يَخْفَى ، فَيَتَعَيَّنُ اجْتِنَابُهُ ، وَإِنْ حَاكَى حَافِظُ دِمَشْقَ الشَّمْسُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ خَطَّ الذَّهَبِيِّ ، ثُمَّ حَاكَاهُ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ فِي طَائِفَةٍ . ( وحَيْثُ أَدَّى ) الْمُكَاتَبُ مَا تَحَمَّلَهُ مِنْ ذَلِكَ فَبِأَيِ صِيغَةٍ يُؤَدِّي ، ( فَاللَّيْثُ ) بْنُ سَعْدٍ ( مَعْ مَنْصُورٍ ) هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ ( اسْتَجَازَا ) إِطْلَاقَ : ( أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا جَوَازًا ) لِأَنَّهُمَا كَمَا سَلَفَ قَرِيبًا قَالَا : أَلَيْسَ إِذَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ فَقَدْ حَدَّثْتُكَ ؟ وَكَذَا قَاَلَ لُوَيْنٌ : كَتَبَ إِلَيَّ وَحَدَّثَنِي وَاحِدٌ .

وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَدْ مَنَعُوا الْإِطْلَاقَ . ( وَصَحَّحُوا التَّقْيِيدَ بِالْكِتَابَةِ ) فَيَقُولُ : حدثَنَا أَوْ أَخبرنَا كِتَابَةً أَوْ مُكَاتَبَةً ، وَكَذَا كَتَبَ إِلَيَّ - إِنْ كَانَ بِخَطِّهِ - وَنَحْوُ ذَلِكَ . ( وَهُوَ ) كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ : ( الَّذِي يَلِيقُ بـِ ) مَذَاهِبِ أَهْلِ التَّحَرِّي فِي الرِّوَايَةِ وَالْوَرَعِ ( وَالنَّزَاهَةِ ) ; أَيِ : التَّبَاعُدِ عَنْ إِيهَامِ التَّلْبِيسِ .

قَالَ الْحَاكِمُ : الَّذِي أَخْتَارُهُ وَعَهِدْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مَشَايِخِي وَأَئِمَّةَ عَصْرِي أَنْ يَقُولَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْمُحَدِّثُ مِنْ مَدِينَةٍ وَلَمْ يُشَافِهْهُ بِالْإِجَازَةِ : كَتَبَ إِلَيَّ فُلَانٌ . وَكَذَا قَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ يَفْعَلُونَهُ .

موقع حَـدِيث