حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الثامن الْوِجَادَةُ

( القسم الثَّامِنُ ) مِنْ أَقْسَامِ أَخْذِ الْحَدِيثِ وَنَقْلِهِ ( الْوِجَادَةُ ) ( ثُمَّ ) يَلِي مَا تَقَدَّمَ ( الْوِجَادَةُ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ ، ( وَتِلْكَ ) ; أَيْ : لَفْظُ الْوِجَادَةِ ( مَصْدَرْ وَجَدْتُهُ مُوَلَّدًا ) ; أَيْ : غَيْرُ مَسْمُوعٍ مِنَ الْعَرَبِ ، بِمَعْنَى أَنَّ أَهْلَ الِاصْطِلَاحِ - كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا النَّهْرَوَانِيُّ - وَلَّدُوا قَوْلَهُمْ : وِجَادَةٌ . فِيمَا أُخِذَ مِنَ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيفَةٍ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ وَلَا إِجَازَةٍ وَلَا مُنَاوَلَةٍ ، اقْتِفَاءً لِلْعَرَبِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَصَادِرِ " وَجَدَ " لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ . ( لِيَظْهَرَ تَغَايُرُ الْمَعْنَى وَذَاكَ ) ; أَيْ : قِسْمُ الْوِجَادَةِ اصْطِلَاحًا نَوْعَانِ : حَدِيثٌ وَغَيْرُهُ ; فَالْأَوَّلُ ( أَنْ تَجِدَ بِخَطِّ ) بَعْضِ ( مَنْ عَاصَرْتَ ) سَوَاءً لَقِيتَهُ أَمْ لَا ، أَوْ بِخَطِّ بَعْضِ مَنْ ( قَبْلُ ) مِمَّنْ لَمْ تُعَاصِرْهُ مِمَّنْ ( عُهِدَ ) وُجُودُهُ فِيمَا مَضَى فِي تَصْنِيفٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ يَرْوِيهِ ، مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَكَذَا الْمَوْقُوفُ وَمَا أَشْبَهَهُ .

( مَا لَمْ يُحَدِّثْكَ بِهِ وَلَمْ يُجِزْ ) لَكَ رِوَايَتَهُ . ( فَقُلْ ) حَسْبَمَا اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِيمَا تُورِدُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا مَعْنَاهُ ( بِخَطِّهِ ) أَيْ : بِخَطِّ فُلَانٍ ( وَجَدْتُ ) ، وَكَذَا : وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ ، أوَ نَحْوَ ذَلِكَ : كَقَرَأْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ ، أَوْ فِي كِتَابِ فُلَانٍ بِخَطِّهِ قَالَ : أَخبرنَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ . وَتَذْكُرُ شَيْخَهُ وَتَسُوقُ سَائِرَ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ، أَوْ مَا وَجَدْتَهُ بِخَطِّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ .

ج٢ / ص٥٢١( وَاحْتَرِزْ ) عَنِ الْجَزْمِ ( إِنْ لَمْ تَثِقْ بـِ ) ذَاكَ ( الْخَطِّ ) بِطَرِيقِهِ الْمَشْرُوحِ فِي الْمُكَاتَبَةِ ، بَلْ ( قُلْ وَجَدْتُ عَنْهُ ) أَيْ : عَنْ فُلَانٍ ، أَوْ بَلَغَنِي عَنْهُ ، أَوْ اذْكُرُ : وَجَدْتُ بِخَطٍّ قِيلَ : إِنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ ، أَوْ قَالَ لِي فُلَانٌ : إِنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ . ( أَوْ ظَنَنْتُ ) أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ أَوْ ذَكَرَ كَاتِبَهُ أَنَّهُ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُفْصِحَةِ بِالْمُسْتَنَدِ فِي كَوْنِهِ خَطَّهُ ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ خَطِّهِ فَالتَّعْبِيرُ عَنْهُ يَخْتَلِفُ بِالنَّظَرِ لِلْوُثُوقِ بِهِ وَعَدَمِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي النَّوْعِ الثَّانِي قَرِيبًا . ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِمَنْ لَمْ يُجِزْ هُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ التَّكَلُّمَ عَلَى الْوِجَادَةِ الْخَالِيَةِ عَنِ الْإِجَازَةِ ، أَهِيَ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ فِي الرِّوَايَةِ أَوِ الْعَمَلِ ؟ وَإِلَّا فَقَدَ اسْتَعْمَلَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ مَعَ الْإِجَازَةِ .

فَيُقَالُ : وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ وَأَجَازَهُ لِي . وربما لا يصرح بالإجازة

كقول عبد الله بن أحمد : وجدت بخط أبي حدثنا فلان ، ولفظ الوجادة يشملها
، وَهُوَ - كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ - وَاضِحٌ . .

( وَكُلُّهُ ) أَيِ : الْمَرْوِيُّ بِالْوِجَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ سَوَاءٌ وَثِقْتَ بِكَوْنِهِ خَطَّهُ أَمْ لَا . ( مُنْقَطِعٌ ) أَوْ مُعَلَّقٌ ، فَقَدْ قَالَ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ فِي ( الْغُرَرِ الْمَجْمُوعَةِ ) لَهُ : الْوِجَادَةُ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْمَقْطُوعِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الرِّوَايَةِ ، بَلْ قَدْ يُقَالُ : إِنَّ عَدَّهُ مِنَ التَّعْلِيقِ أَوْلَى مِنَ الْمُنْقَطِعِ وَمِنَ الْمُرْسَلِ - يَعْنِي بِالنَّظَرِ لِثَالِثِ الْأَقْوَالِ فِي تَعْرِيفِهِ . ج٢ / ص٥٢٢وَإِنْ أَجَازَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الرِّوَايَةَ عَنِ الْوِجَادَةِ فِي الْكُتُبِ مِمَّا لَيْسَ بِسَمَاعٍ لَهُمْ وَلَا إِجَازَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) وَعَقَدَ لِذَلِكَ بَابًا وَسَاقَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي قَائِمِ سَيْفِ أَبِيهِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا صَحِيفَةً فِيهَا كَذَا .

وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ قَالَ : رَأَيْتُ فِي كِتَابٍ عِنْدِي عَتِيقٍ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ أَبُو الزِّنَادِ . وَذَكَرَ حَدِيثًا . وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ قَالَ : أَوْدَعَنِي فُلَانٌ كِتَابًا ، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُ هَذِهِ ، فَوَجَدْتُ فِيهِ : عَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ ، وَكَانَ يُحَدِّثُنَا بِأَشْيَاءَ مِمَّا فِي الْكِتَابِ وَلَا يَقُولُ : أَخبرنَا وَلَا حدثَنَا فِي آخَرِينَ .

فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَاكَ عَمَّنْ سَمِعُوا مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَعَرَفُوا حَدِيثَهُ مَعَ إِيرَادِهِمْ لَهُ بِوَجَدْتُ أَوْ رَأَيْتُ وَنَحْوِهِمَا ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ كَرِهَ الرِّوَايَةَ عَنِ الصُّحُفِ غَيْرِ الْمَسْمُوعَةِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، كَمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ أَيْضًا ، وَسَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا فِيهِ عِلْمٌ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَالِمٍ فَلْيَدْعُ بِإِنَاءٍ وَمَاءٍ فَلْيَنْتقَعْهُ فِيهِ حَتَّى يَخْتَلِطَ سَوَادُهُ مَعَ بَيَاضِهِ ) . وَعَنْ وَكِيعٍ قَالَ : لَا يُنْظَرْ فِي كِتَابٍ لَمْ يَسْمَعْهُ ; لَا يَأْمَنُ أَنْ يعْلَقَ بِقَلْبِهِ مِنْهُ . وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ كَمَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ ، بَلْ قَالَ عِيَاضٌ : إِنَّهُمُ اتَّفَقُوا ، يَعْنِي بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ ج٢ / ص٥٢٣كَلَامُ النَّوَوِيِّ الْمَاضِي عَلَى مَنْعِ النَّقْلِ وَالرِّوَايَةِ بِالْوِجَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ .

وَلِذَا صَرَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةٌ عَمَّا وَجَدَهُ فِي الْكِتَابِ . قُلْتُ : وَمَا وَقَعَ فِي أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مِنَ الْمَنَاقِبِ مِنْ ( صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ) مِمَّا رَوَاهُ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ : ذَهَبْتُ أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ فَصَاحَ بِي قَالَ : فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ : فَلَمْ تَحْمِلْهُ عَنْ أَحَدٍ ؟ . قَالَ : وَجَدْتُهُ فِي كِتَابٍ كَانَ كَتَبَهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنِ الزُّهْرِيِّ .

وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . لَا يُخْدَشُ فِيهِ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ نَفْسِهِ مُتَّصِلًا مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ( وَ ) لَكِنِ ( الْأَوَّلُ ) وَهُوَ مَا إِذَا وَثِقَ بِأَنَّهُ خَطُّهُ ( قَدْ شِيبَ وَصْلًا ) أَيْ : بِوَصْلِ ( مَا ) حَيْثُ قِيلَ فِيهِ : وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ . لِمَا فِيهِ مِنَ الِارْتِبَاطِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَزِيَادَةِ قُوَّةٍ لِلْخَبَرِ ، فَإِنَّهُ إِذَا وُجِدَ حَدِيثٌ فِي ( مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ) مَثَلًا وَهُوَ بِخَطِّهِ ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ : وَجَدْتُ بِخَطِّ أَحْمَدَ كَذَا .

أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ : قَالَ أَحْمَدُ ; لِأَنَّ الْقَوْلَ رُبَّمَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ وَالتَّغْيِيرَ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ النَّقْلَ بِالْمَعْنَى بِخِلَافِ الْخَطِّ ، وقد يتوقف فيه بأن الخط قد يشترك معه في ذلك . ( وَقَدْ تَسَهَّلُوا ) ; أَيْ : جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ كَبَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَالْحَكَمِ بْنِ مِقْسَمٍ ، وَأَبِي سُفْيَانَ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ ، وَعَمْرِو بْنِ ج٢ / ص٥٢٤شُعَيْبٍ ، وَمَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ، وَوَائِلِ بْنِ دَاوُدَ . ( فِيهِ ) أَيْ : فِي إِيرَادٍ مَا يَجِدُونَهُ بِخَطِّ الشَّخْصِ فَأَتَوْا ( بـِ ) لَفْظِ ( عَنْ ) فُلَانٍ أَوْ نَحْوِهَا ، مِثْلَ " قَالَ " مَكَانَ " وَجَدْتُ " ; إِذْ أَكْثَرُ رِوَايَةِ بَهْزٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فِيمَا قِيلَ مِنْ صَحِيفَةٍ ، وَكَذَا قَالَهُ شُعْبَةُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ ، وَصَالِحٌ جَزَرَةُ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ فِي رِوَايَةِ وَائِلٍ عَنْ وَلَدِهِ بَكْرٍ .

وَصَرَّحَ بِهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَمَّا قِيلَ لَهُ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ، عَمَّنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تُحَدِّثُنَا ؟ فَقَالَ : صَحِيفَةٌ وَجَدْنَاهَا . وَالْجُمْهُورُ فِي رِوَايَةِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ . وَكَذَا قِيلَ : إِنَّ الْحَكَمَ بنْ مِقْسَمٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ ، وَالْبَاقِي كِتَابٌ .

ج٢ / ص٥٢٥

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : ( وَهَذَا دُلْسَةٌ تَقْبُحُ إِنْ أَوْهَمَ ) الْوَاجِدُ بِأَنْ كَانَ مُعَاصِرًا لَهُ ( أَنَّ نَفْسَهُ ) أَيِ : الشَّخْصُ الَّذِي وَجَدَ الْمَرْوِيَّ بِخَطِّهِ ( حَدَّثَهُ بِهِ ) أَوْ لَهُ مِنْهُ إِجَازَةٌ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يُوهِمْ ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مُعَاصِرًا لَهُ ( وَبَعْضٌ ) جَازَفَ فَـ ( أَدَّى ) مَا وَجَدَهُ كَذَلِكَ قَائِلًا : حدثَنَا وَأَخبرنَا .
قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ : ثَنَا صَاحِبٌ لَنَا مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ ثِقَةٌ يُقَالُ لَهُ : أَشْرَسُ . قَالَ : قَدِمَ عَلَيْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَكَانَ يُحَدِّثُنَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، فَقَدِمَ عَلَيْنَا إِسْحَاقُ فَجَعَلَ يَقُولُ : حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : أَيْنَ لَقِيتَهُ قَالَ : لَمْ أَلْقَهُ ، مَرَرْتُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَوَجَدْتُ كِتَابًا لَهُ .

وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا ، وَلَكِنْ رُوى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : بَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ : يَقُولُ لَكَ أَبُو جَعْفَرٍ : اسْتَوْصِ بِإِسْحَاقَ خَيْرًا فَإِنَّهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ . ج٢ / ص٥٢٦قَالَ شَيْخُنَا : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَقِيَ الزُّهْرِيَّ ، وَحِينَئِذٍ ; فَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي عَنَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِالْبَعْضِ ، فَقَدْ ظَهَرَ الْخَدْشُ فِيهِ وَلَعَلَّهُ عَنَى غَيْرَهُ ، وَمُقْتَضَى جَزْمِ غَيْرِ وَاحِدٍ بِكَوْنِ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَدِّهِ ، إِنَّمَا وَجَدَ كِتَابَهُ فَحَدَّثَ مِنْهُ ، مَعَ تَصْرِيحِهِ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ قَلِيلَةٍ بِالسَّمَاعِ وَالتَّحْدِيثِ ، إِدْرَاجُهُ فِي الْبَعْضِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدَ ( رَدَّا ) ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : إِنِّي لَا أَعْلَمُ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ أَجَازَ النَّقْلَ فِيهِ بِذَلِكَ وَلَا مَنْ عَدَّهُ مَعَدَّ الْمُسْنَدِ . انْتَهَى .

وَلَعَلَّ فَاعِلَهُ كَانَتْ لَهُ مِنْ صَاحِبِ الْخَطِّ إِجَازَةٌ وَهُوَ مِمَّنْ يَرَى إِطْلَاقَهُمَا فِي الْإِجَازَةِ كَمَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ ، ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْقِسْمِ قَبْلَهُ . وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِقَوْلِ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَلْخِيِّ : إِنَّ الْمُجَوِّزِينَ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَقُولَ : أَخبرنَا فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ . احْتَجُّوا بِأَنَّهُ إِذَا وَجَدَ سَمَاعَهُ بِخَطٍّ مَوْثُوقٍ ج٢ / ص٥٢٧بِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ : حدثَنَا فُلَانٌ ، يَعْنِي كَمَا سَيَجِيءُ فِي مَحَلِّهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ أَقْبَحُ تَدْلِيسٍ قَادِحٍ فِي الرِّوَايَةِ .

( وَ ) لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ ( قِيلَ فِي الْعَمَلِ ) بِمَا تَضَمَّنَهُ ( إِنَّ الْمُعْظَمَا ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ ( لَمْ يَرَهُ ) قِيَاسًا عَلَى الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَمْ يَتَّصِلْ ، وَكَأنَ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا يُفَرِّقُ بِأَنَّهُ هُنَاكَ فِي الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ ، وَأَمَّا مَنْ يَرَى مِنْهُمُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ فَقَدْ يُفَرِّقُ بِعَدَمِ اسْتِلْزَامِهَا الِاتِّصَالَ . ( وَ ) لَكِنْ ( بِالْوُجُوبِ ) فِي الْعَمَلِ حَيْثُ سَاغَ ( جَزَمَا ) أَيْ : قَطَعَ ( بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ ) مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عِنْدَ حُصُولِ الثِّقَةِ بِهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ لَوْ عُرِضَ عَلَى جُمْلَةِ الْمُحَدِّثِينَ لَأَبوْهُ ; فَإِنَّ مُعْظَمَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً . ( وَ ) الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ ( هُوَ الْأَصْوَبُ ) الَّذِي لَا يَتَّجِهُ غَيْرُهُ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ ، يَعْنِي الَّتِي قَصُرَتِ الْهِمَمُ فِيهَا جِدًّا ، وَحَصَلَ التَّوَسُّعُ فِيهَا ، فَإِنَّهُ لَوْ تَوَقَّفَ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى الرِّوَايَةِ لَانْسَدَّ بَابُ الْعَمَلِ بِالْمَنْقُولِ لِتَعَذُّرِ شَرْطِ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ ، يَعْنِي : فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُجَرَّدُ وِجَادَاتٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ الصَّحِيحُ .

قُلْتُ : وَقَوْلُ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ : ( كُنَّا نَسْمَعُ بِالصَّحِيفَةِ فِيهَا عِلْمٌ ج٢ / ص٥٢٨فَنَنْتَابُهَا كَمَا يَنْتَابُ الرَّجُلُ الْفَقِيهَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا هَاهُنَا آلُ الزُّبَيْرِ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ فُقَهَاءُ ) مُشْعِرٌ بِعَمَلِهِمْ بِمَا فِيهَا كَالْعَمَلِ بِقَوْلِ الْفَقِيهِ . ( وَلِـ ) لْإِمَامِ الْأَعْظَمِ ( ابْنِ إِدْرِيسَ ) الشَّافِعِيِّ ( الْجَوَازَ نَسَبُوا ) أَيْ : جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ نُظَّارِ أَصْحَابِهِ ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ : وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْجُوَيْنِيُّ وَاخْتَارَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَرْبَابِ التَّحْقِيقِ . فَاجْتَمَعَ فِي الْعَمَلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْمَنْعُ ، الْوُجُوبُ ، الْجَوَازُ .

وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ لِلْعَمَلِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ( أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا ؟ ) قَالُوا : الْمَلَائِكَةُ ، قَالَ : ( وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؟ ) وَذَكَرُوا الْأَنْبِيَاءَ ، قَالَ : ( وَكَيْفَ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ؟ ) قَالُوا : فَنَحْنُ ، قَالَ : ( وَكَيْفَ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ ) قَالُوا : فَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ( قَوْمٌ يَأْتُونَ بَعْدَكُمْ يَجِدُونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِهَا ) ج٢ / ص٥٢٩حَيْثُ قَالَ : فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَدْحُ مَنْ عَمِلَ بِالْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِمُجَرَّدِ الْوِجَادَةِ ، قَالَ الْبُلْقِينِيُّ : وَهُوَ اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ . قُلْتُ : وَفِي الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ ; فَالْوُجُودُ بِمُجَرَّدِهِ لَا يُسَوِّغُ الْعَمَلَ . ( وَ ) إمَّا ( إِنْ يَكُنْ ) وَهُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مَا تَجِدُ مِنْ مُصَنَّفٍ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ عَاصَرْتَهُ أَو لا كَمَا بَيَّنَ أَوَّلًا ( بِغَيْرِ خَطِّهِ ) أَيِ : الْمُصَنِّفِ ، مَعَ الثِّقَةِ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ بِأَنْ قَابَلَهَا الْمُصَنِّفُ أَوْ ثِقَةٌ غَيْرُهُ بِالْأَصْلِ أَوْ بِفَرْعٍ مُقَابَلٍ كَمَا قُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ .

( فَقُلْ : قَالَ ) فُلَانٌ كَذَا ( وَنَحْوَهَا ) مِنْ أَلْفَاظِ الْجَزْمِ ، كَذَكَرَ فُلَانٌ ، أَوِ بِخَطِّ مُصَنِّفِهِ مَعَ الثِّقَةِ بِأَنَّهُ خَطُّهُ فَقُلْ أَيْضًا : وَجَدْتُ بِخَطِّ فُلَانٍ . وَنَحْوَهَا كَمَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ وَاحْكِ كَلَامَهُ ، ( وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِالنُّسْخَةِ الْوُثُوقُ ) فَـ ( قُلْ : بَلَغَنِي ) عَنْ فُلَانٍ أَنَّهُ ذَكَرَ كَذَا ، أَوْ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الْفُلَانِيِّ ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي الْجَزْمَ . ( وَ ) لَكِنِ ( الْجَزْمُ ) فِي الْمَحْكِيِّ لِمَا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ( يُرْجَى حَلُّهُ لِلْفَطِنِ ) الْعَالِمِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ مَوَاضِعُ الْأَسْقَاطِ وَالسَّقْطِ وَمَا أُحِيلَ عَنْ جِهَتِهِ ; أَيْ : بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ مِنْ غَيْرِهَا .

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَإِلَى هَذَا - فِيمَا أَحْسَبُ - اسْتَرْوَحَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِيمَا نَقَلُوهُ مِنَ كُتُبِ النَّاسِ مَعَ تَسَامُحِ كَثِيرين فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْجَازِمِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ وَلَا تَثَبُّتٍ ، فَيُطَالِعُ أَحَدُهُمْ كِتَابًا مَنْسُوبًا إِلَى مُصَنِّفٍ مُعَيَّنٍ وَيَنْقُلُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثِقَ بِصِحَّةِ النُّسْخَةِ قَائِلًا : قَالَ فُلَانٌ كَذَا . وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ . ج٢ / ص٥٣٠قُلْتُ : وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يُوجَدُ بِحَوَاشِي الْكُتُبِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالتَّقْيِيدَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنْ كَانَت بِخَطٍّ مَعْرُوفٍ ; فَلَا بَأْسَ بِنَقْلِهَا وَعَزْوِهَا إِلَى مَنْ هِيَ لَهُ ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُهَا إِلَّا لِعَالِمٍ مُتْقِنٍ ، وَرُبَّمَا تَكُونُ تِلْكَ الْحَوَاشِي بِخَطِّ شَخْصٍ وَلَيْسَتْ لَهُ ، أَوْ بَعْضُهَا لَهُ وَبَعْضُهَا لِغَيْرِهِ فَيَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلَى نَاقِلِهِ بِحَيْثُ يَعْزُو الْكُلَّ لِوَاحِدٍ .

موقع حَـدِيث