حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الْمُقَابَلَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ

الْمُقَابَلَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا : الْمُعَارَضَةُ . تَقُولُ : قَابَلْتُ بِالْكِتَابِ قِبَالًا وَمُقَابَلَةً . أَيْ : جَعَلْتُهُ قُبَالَتَهُ ، وَصَيَّرْتُ فِي أَحَدِهِمَا كُلَّ مَا فِي الْآخَرِ ، وَمِنْهُ مَنَازِلُ الْقَوْمِ تَتَقَابَلُ .

أَيْ : يُقَابِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَعَارَضْتُ بِالْكِتَابِ الْكِتَابَ . أَيْ : جَعَلْتُ مَا فِي أَحَدِهِمَا مِثْلَ مَا فِي الْآخَرِ . مَأْخُوذٌ مِنْ : عَارَضْتُ بِالثَّوْبِ .

إِذَا أَعْطَيْتَهُ وَأَخَذْتَ ثَوْبًا غَيْرَهُ . وَالْأَصْلُ فِيهَا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ( الْكَبِيرِ ) وَابْنُ السُّنِّيِّ فِي ( رِيَاضَةِ الْمُتَعَلِّمِينَ ) كِلَاهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطَّاهِرِ ابْنِ السَّرْحِ ؛ قَالَ : ( وَجَدْتُ فِي كِتَابِ خَالِي - يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ - حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ إِذَا فَرَغْتُ يَقُولُ لِي : ( اقْرَأْهُ ) . فَأَقْرَأُهُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ سَقْطٌ أَقَامَهُ ثُمَّ أَخْرُجُ بِهِ إِلَى النَّاسِ ) .

وَأخَرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا ، وَكَذَا الْخَطِيبُ فِي ( جَامِعِهِ ) ، مِنْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ ، فَقَالَ : عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ بِنَحْوِهِ . ( ثُمَّ ) بَعْدَ تَحْصِيلِ الطَّالِبِ لِلْمَرْوِيِّ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ غَيْرِهِ ( عَلَيْهِ الْعَرْضُ ) وُجُوبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ في جامعه ، وَقَالَ : إِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ . وَكَذَا قَالَ عِيَاضٌ : إِنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ .

وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ : إِنَّهُ لَا غِنَى لِمَجْلِسِ الْإِمْلَاءِ عَنِ الْعَرْضِ . كَمَا سَيَأْتِي ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي ( جَامِعِهِ ) عَنْ هِشَامِ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : قَالَ لِي أَبِي : أَكَتَبْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : عَارَضْتَ ؟ قُلْتُ : لَا .

قَالَ : فَلَمْ تَكْتُبْ . وَفِي ( كِفَايَتِهِ ) عَنْ أَفْلَحَ ابْنِ بَسَّامٍ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ الْقَعْنَبِيِّ ؛ فَقَالَ لِي : كَتَبْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : عَارَضْتَ ؟ قُلْتُ : لَا .

قَالَ : لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا . وَهَذَا عِنْدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ فِي ( أَدَبِ الْإِمْلَاءِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا ؛ قَالَ : كَتَبَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ : ( كَتَبْتَ ؟ ) قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : ( عَرَضْتَ ؟ ) قَالَ : لَا .

قَالَ : ( لَمْ تَكْتُبْ حَتَّى تَعْرِضَهُ ) . وَفِي ( الْكِفَايَةِ ) وَ ( الْجَامِعِ ) مَعًا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ : مَثَلُ الَّذِي يَكْتُبُ وَلَا يُعَارِضُ مَثَلُ الَّذِي يَقْضِي حَاجَتَهُ وَلَا يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ . وَكَذَا جَاءَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَمَا لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ( جَامِعِ الْعِلْمِ ثُمَّ عِيَاضٍ فِي ( الْإِلْمَاعِ ) .

وَعَنِ الشَّافِعِيِّ كَمَا عَزَاهُ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَفِي صِحَّةِ عَزْوِهِ إِلَيْهِ نَظَرٌ ، وَالتَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ النَّقْصِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَرَفِ أَحَدِهِمَا وَخِسَّةِ الْآخَرِ ، كَمَا فِي تَشْبِيهِ الْوَحْيِ بِصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ . وَكَذَا لَيْسَ قَوْلُ الْقَائِلِ : ( اكْتُبْ وَلَا تُقَابِلْ وَارْمِ عَلَى الْمَزَابِلِ ) عَلَى ظَاهِرِهِ . وَلِذَا كَانَ أَحْسَنَ مِنْهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ : ( مَنْ كَتَبَ وَلَمْ يُقَابِلْ كَمَنْ غَزَا وَلَمْ يُقَاتِلْ ) ، وَقَوْلُ الْخَلَّالِ الْحَنْبَلِيِّ : ( مَنْ لَمْ يُعَارِضْ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَضَعُ رِجْلَهُ ) .

وَفِي ( جَامِعِ الْخَطِيبِ ) عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ قَالَ : إِذَا نُسِخَ الْكِتَابُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَلَمْ يُعَارَضْ تَحَوَّلَ بِالْفَارِسِيَّةِ مِنْ كَثْرَةِ سَقْطِهِ . وَفِي ( كِفَايَتِهِ ) نَحْوُهُ عَنِ الْأَخْفَشِ ؛ قَالَ : ( إِذَا نُسِخَ الْكِتَابُ وَلَمْ يُعَارَضْ ثُمَّ نُسِخَ مِنْهُ وَلَمْ يُعَارَضْ - يَعْنِي الْمَنْسُوخَ أَيْضًا - خَرَجَ أَعْجَمِيًّا ) . وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَحَلَّ الْوُجُوبِ حَيْثُ لَمْ يَثِقْ بِصِحَّةِ كِتَابَتِهِ أَوْ نُسْخَتِهِ ، أَمَّا مَنْ عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ نُدُورُ السَّقْطِ وَالتَّحْرِيفِ مِنْهُ فَلَا .

لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ( جَامِعِ الْعِلْمِ ) عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ : لَوْ عُرِضَ الْكِتَابُ مِائَةَ مَرَّةٍ مَا كَادَ يَسْلَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سَقْطٌ . أَوْ قَالَ : خَطَأٌ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ بَالَغَ . كَمَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ : الْأَصْلُ عَدَمُ الْغَلَطِ ، مُعَارَضٌ بِقَوْلِ غَيْرِهِ : بَلِ الْأَصْلُ عَدَمُ نَقْلِ كُلِّ مَا كَانَ فِي الْأَصْلِ .

نَعَمْ لَا يَخْلُو الْكَاتِبُ مِنْ غَلَطٍ وَإِنْ قَلَّ ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِنَ الْعُرْفِ وَالتَّجْرِبَةِ . وَلِذَا قَالَ بَعْضُهُمْ : مَا قَرْمَطْنَا نَدِمْنَا ، وَمَا انْتَخَبْنَا نَدِمْنَا ، وَمَا كَتَبْنَاه بدون مُقَابَلَةٍ نَدِمْنَا .

موقع حَـدِيث