الْمُقَابَلَةُ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنَ الْمَسَائِلِ
( وَلْيَنْظُرِ السَّامِعُ ) اسْتِحْبَابًا ( حِينَ يَطْلُبُ ) أَيْ : يَسْمَعُ ( فِي نُسْخَةٍ ) إِمَّا لَهُ أَوْ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ السَّامِعِينَ أَوِ الشَّيْخِ ، فَهُوَ أَضْبَطُ وَأَجْدَرُ أَنْ يَفْهَمَ مَعَهُ مَا يَسْمَعُ ، ج٣ / ص٥٩لِوُصُولِ الْمَقْرُوءِ إِلَى قَلْبِهِ مِنْ طَرِيقَيِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ ، كَمَا أَنَّ النَّاظِرَ فِي الْكِتَابِ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ يَكُونُ أَثْبَتَ فِي قَلْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ .
قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي ( الْمُوَفَّقِيَّاتِ ) : ( دَخَلَ عَلِيَّ أَبِي وَأَنَا أَنْظُرُ فِي دَفْتَرٍ وَأَرْوِي فِيهِ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي وَلَا أَجْهَرُ ، فَقَالَ لِي : إِنَّمَا لَكَ مِنْ رِوَايَتِكَ هَذِهِ مَا أَدَّى بَصَرُكَ إِلَى قَلْبِكَ ، فَإِذَا أَرَدْتَ الرِّوَايَةَ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَاجْهَرْ بِهَا ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لَكَ مِنْهَا مَا أَدَّى بَصَرُكَ إِلَى قَلْبِكَ ، وَمَا أَدَّى سَمْعُكَ إِلَى قَلْبِكَ ) .وَلِهَذَا قَالَ الْخَطِيبُ : ( حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ ) قَالَ : أَتَى جَمَاعَةً مِنَ الطَّلَبَةِ الْحَافِظَ أَبَا إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيَّ الْحَبَّالَ لِيَسْمَعُوا مِنْهُ جُزْءًا ، فَأَخْرَجَ بِهِ عِشْرِينَ نُسْخَةً ، وَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ نُسْخَةً يُعَارِضُ بِهَا .
وَيَتَأَكَّدُ النَّظَرُ إِذَا أَرَادَ السَّامِعُ النَّقْلَ مِنْهَا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِلْخَطِيبِ ، لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ قَدْ تَوَلَّى الْعَرْضَ بِنَفْسِهِ . وَبِهَذَا تظْهَرُ مُنَاسِبَةُ إِدْخَالِ هَذَا الْفَرْعِ فِي التَّرْجَمَةِ . وَبِكَوْنِهِ مُسْتَحَبًّا صَرَّحَ الْخَطِيبُ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْمَكِّيِّ : قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ : أَيُجْزِئُ أَن لَّا أَنْظُرَ فِي النُّسْخَةِ حِينَ السَّمَاعِ وَأَقُولُ : حدثَنَا .
مِثْلَ الصَّكِّ يشَهِدَ بِمَا فِيهِ ولَمْ يَنْظُرْ فِيهِ ؟ فَقَالَ لِي : لَوْ نَظَرْتَ فِي الْكِتَابِ كَانَ أَطْيَبَ لِنَفْسِكَ . ( وَقَالَ يَحْيَى ) بْنُ مَعِينٍ كَمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ وِجَادَةٌ ، وَأَوْرَدَهُ لِذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِصِيغَةِ ج٣ / ص٦٠التَّمْرِيضِ ( يَجِبُ ) النَّظَرُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَم يَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ وَالْمُحَدِّثُ يَقْرَأُ : أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِذَلِكَ عَنْهُ ؟ فَقَالَ : أَمَّا عِنْدِي فَلَا ، وَلَكِنَّ عَامَّةَ الشُّيُوخِ هَكَذَا سَمَاعُهُمْ . قَالَ : وَكَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُحَدِّثُ مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ يُلْقِيهِ إِلَيْهِمْ فَيَكْتُبُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ نَظَرُوا فِيهِ .
وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ مَعِينٍ بِهَذَا ، فَقَدْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ أَنَّهُ قَالَ : أَنْتُمْ أَهْلُ بَلَدٍ يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ ، يَجِيءُ رَجُلٌ يَسْأَلُنِي فِي أَحَادِيثَ وَأَنْتُمْ لَا تَنْظُرُونَ فِيهَا ثُمَّ تَكْتُبُونَهَا ؟ لَا أُحِلُّ لِمَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ أَنْ يَنْسَخَ مِنْه شَيْئًا . وَنَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ : ائْتُونِي بِرَجُلٍ يَكْتُبُ ، خَفِيفِ الْكِتَابِ . قَالَ : فَأَتَيْنَا بِهِشَامِ بْنِ يُوسُفَ ؛ فَكَانَ هُوَ يَكْتُبُ وَنَحْنُ نَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ ، فَإِذَا فَرَغَ خَتَمْنَا الْكِتَابَ حَتَّى نَنْسَخَهُ .
لَكِنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّ هَذَا مِنْ مَذَاهِبِ الْمُتَشَدِّدِينَ فِي الرِّوَايَةِ ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ وَصِحَّةُ السَّمَاعِ وَلَوْ لَمْ يُنْظَرْ أَصْلًا فِي الْكِتَابِ حَالَةَ السَّمَاعِ . انْتَهَى . وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ الِاشْتَرَاطُ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ النُّسْخَةِ مَأْمُونًا مَوْثُوقًا بِضَبْطِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ الْعَرْضُ بِأَصْلِ الرَّاوِي ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْخَطِيبِ ، لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ ، وَعِبَارَتُهُ : ( وَإِذَا كَانَ صَاحِبُ النُّسْخَةِ مَأْمُونًا فِي نَفْسِهِ ، مَوْثُوقًا بِضَبْطِهِ ، جَازَ لِمَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ مَعَهُ اعْتِمَادًا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، بَلْ وَيَجُوزُ تَرْكُ النَّظَرِ حِينَ الْقِرَاءَةِ إِذَا كَانَ الْعَرْضُ قَدْ سَبَقَ بِالْأَصْلِ ) .
ثُمَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْخَطِيبِ الْمُقَابَلَةَ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَبِهِ صَرَّحَ عِيَاضٌ أَيْضًا ؛ فَقَالَ : ( لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ التَّقِيِّ الرِّوَايَةُ ما لَمْ يُقَابِلْ ، وَلَا يَنْخَدِعُ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى نَسْخِ الثِّقَةِ الْعَارِفِ ، وَلَا عَلَى نَسْخِهِ هُوَ بِيَدِهِ بِدُونِ مُقَابَلَةٍ وَتَصْحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْفِكْرَ يَذْهَبُ ، وَالْقَلْبَ يَسْهُو ، وَالْبَصَرَ ج٣ / ص٦١يَزِيغُ ، وَالْقَلَمَ يَطْغَى .بَلْ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ
ابْنُ أَبِي الدَّمِ ، فَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ شَيْخِهِ شَيْئًا سَمِعَهُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ كُلُّ الَّذِي سَمِعَهُ أَوْ بَعْضُهُ ؟ وَهَلْ هُوَ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ لَا ؟ ) .