الْعَمَلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ
كيف ( الْعَمَلُ فِي ) الْجَمْعِ بَيْنَ ( اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ ) لَمَّا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الطُّرُقِ فِي إِبْعَادِ الزَّائِدِ أَنَّهُ يَحْسُنُ فِيمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ ، نَاسَبَ إِرْدَافَهُ بِكَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ . ( وَلْيَبْنِ أَوَّلًا ) وَقْتَ الْكِتَابَةِ أَوِ الْمُقَابَلَةِ ( عَلَى رِوَايَة ) خَاصَّةً ( كِتَابَهُ ) وَلَا يَجْعَلْهُ مُلَفَّقًا مِنْ رِوَايَتَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْبَاسِ . ( وَ ) بَعْدَ هَذَا ( يُحْسِنِ الْعِنَايَهْ بِغَيْرِهَا ) أَيْ : بِغَيْرِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَصَّلَ كِتَابَهُ عَلَيْهَا ، وَيُبَيِّنْ مَا وَقَعَ التَّخَالُفُ فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ إِبْدَالِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَوْ حَرَكَةٍ لِإِعْرَابٍ أَوْ نَحْوِهَا ، وَذَلِكَ إِمَّا بِكَتْبِ مَا زَادَ أَوْ أُبْدِلَ أَوِ اخْتَلَفَ إِعْرَابُهُ بَيْنَ السُّطُورِ إِنِ اتَّسَعَتْ ، وَإِلَّا فَبِالْحَاشِيَةِ .
أَوْ ( بِكَتْبِ رَاوٍ ) عَرَفَ بِذَلِكَ الزَّائِدَ أَوِ الْمَحْذُوفَ أَوِ الْمُبْدَلَ أَوِ الْإِعْرَابَ ، إِنْ كَانَ الْمُخَالِفُ وَاحِدًا ، وَإِلَّا فَأَكْثَرَ حَسْبَمَا يَتَّفِقُ ، سَوَاءٌ ( سَمَّيَا ) هَذَا الرَّاوِيَ ؛ أَيْ : كَتَبَهُ بِاسْمِهِ ، وَكَذَا بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ ، ( أَوْ ) رَمَزَ لَهُ ( رَمْزًا ) بِحَرْفٍ أَوْ أَكْثَرَ ، كَمَا مَرَّ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَضَبْطِهِ ، مَعَ زِيَادَةِ إِيضَاحٍ مِمَّا كَانَ الْأَنْسَبُ ضَمَّهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ ، ( أَوْ ) بِالنَّقْلِ ( بِكَتْبِهَا ) ؛ أَيِ : الزِّيَادَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ إِبْدَالٍ وَإِعْرَابٍ ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الثَّانِي حَالَ كَوْنِهِ ( مُعْتَنِيًا ) بِهِ ( بِحُمْرَةٍ ) كَمَا فَعَلَهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ مِنَ الْمَشَارِقَةِ ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ مِنَ الْمَغَارِبَةِ ، وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ وَالْمُقَيِّدِينَ ، غَيْرَ نَاظِرِينَ لِحِكَايَةِ تِلْمِيذِ صَاحِبِ ( الْهِدَايَةِ ) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَرَاهَةَ الْكِتَابَةَ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا شِعَارُ الْمَجُوسِ وَطَرِيقَةُ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ . أَوْ بِخُضْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ الْمُبَايِنَةِ لِلْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ بِهِ الْأَصْلُ . ( وَحَيْثُ زَادَ الْأَصْلُ ) الَّذِي أَصَّلَ عَلَيْهِ شَيْئًا ( حَوَّقَهُ ) بِدَائِرَةٍ كَمَا شُرِحَ قَرِيبًا ، أَوْ بـِ ( لَا ) ثُمَّ ( إِلَى ) ، وَيَكُونُ مَا يَسْلُكُهُ مِنْ هَذَا ( بِحُمْرَةٍ ) أَوْ خُضْرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ( وَيَجْلُو ) أَيْ : يُوَضِّحُ مُرَادَهُ مِنْ رَمْزٍ أَوْ لَوْنٍ ، بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا : قَدْ رَمَزْتُ فِي كِتَابِي هَذَا لِفُلَانٍ بِكَذَا ، أَوْ أَشَرْتُ لِفُلَانٍ بِالْحُمْرَةِ أَوْ بِالْخُضْرَةِ .
أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِأَوَّلِ كُلِّ مُجَلَّدٍ أَوْ آخِرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ ، وَلَا يَعْتَمِدُ حِفْظَهُ فِي ذَلِكَ وَذِكْرَهُ ، فَرُبَّمَا نَسِيَ مَا اصْطَلَحَهُ فِيهِ لِطُولِ الْعَهْدِ ، بَلْ وَيَتَعَطَّلُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقَعُ لَهُ كِتَابُهُ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ ؛ حَيْثُ يَصِيرُ فِي حَيْرَةٍ وَعَمًى ، وَلَا يَهْتَدِي لِلْمُرَادِ بِتِلْكَ الرُّمُوزِ أَوِ الْأَلْوَانِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مَعَ الطُّرُقِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِامْتِيَازِ ( شَرْحِ الْبُخَارِيِّ ) لِشَيْخِنَا عَلَى سَائِرِ الشُّرُوحِ ، وَلَكِنْ فِيهِ مَحْذُورٌ لِلْقَاصِرِينَ ؛ حَيْثُ يَضُمُّ حِينَ قِرَاءَتِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ رِوَايَةً مَعَ أُخْرَى فِيمَا لَا يَصِحُّ التَّلْفِيقُ فِيهِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَلْيَكُنْ فِيمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الرِّوَايَاتُ قَائِمًا بِضَبْطِ مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فِي كِتَابِهِ ، جَيِّدَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهَا ، كَيْلَا تَخْتَلِطَ وَتَشْتَبِهَ ؛ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِ أَمْرُهَا .