جَوَازُ اعْتِمَادِ الْمُحَدِّثِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَصُونَةِ
ج٣ / ص١٠٣( صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَأَدَائِهِ ) سِوَى مَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ فُصُولٌ : الْأَوَّلُ : فِي جَوَازِ اعْتِمَادِ الْمُحَدِّثِ وَلَوْ كَانَ ضَرِيرًا أَوْ أُمِّيًّا الْكِتَابَ الْمَصُونَ ، وَلَوْ غَابَ عَنْهُ حَتَّى فِي أَصْلِ السَّمَاعِ وِإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهُ . ( وَلْيَرْوِ ) الرَّاوِي ( مِنْ كِتَابِهِ ) الْمُتْقَنِ الْمُقَابَلِ الْمَصُونِ الَّذِي صَحَّ عِنْدَهُ سَمَاعُ مَا تَضَمَّنَهُ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ ، ( وَإِنْ عَرِي ) ؛ أَيْ : خَلَا ( مِنْ حِفْظِهِ ) بِحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ تَفْصِيلَ أَحَادِيثِهِ حَدِيثًا حَدِيثًا ، أَوْ كَانَ يَحْفَظُهُ إِلَّا أَنَّهُ سَيِّئُ الْحِفْظِ ، فذَاكَ ( جَائِزٌ لِلْأَكْثَرِ ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ لَا الْقَطْعِ ، فَإِذَا حَصَلَ كَفَى ، وَلَمْ يَضُرَّهُ - كَمَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ - ذَلِكَ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ عنْهُ مَا يُغَيِّرُ مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَقْبَلِ التَّلْقِينَ إِذَا لَمْ يُرْزَقْ مِنَ الْحِفْظِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مَا رُزِقَهُ غَيْرُهُ . قَالَ : لِأَنِّي وَجَدْتُ الشُّهُودَ يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِحَدِّ الشَّهَادَةِ وَيَتَفَاضَلُونَ فِيهَا كَتَفَاضُلِ الْمُحَدِّثِينَ ، ثُمَّ لَا أَجِدُ بُدًّا مِنْ إِجَازَةِ شَهَادَتِهِمْ جَمِيعًا .
وَحِينَئِذٍ فَالْمُعَوَّلُ عَلَيه : الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَافِظًا ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : الْحِفْظُ هُوَ الْإِتْقَانُ .
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ : ( ثَلَاثَةٌ لَا غَنَاءَ لِلْمُحَدِّثِ عَنْهَا : الْحِفْظُ وَالصِّدْقُ وَصِحَّةُ الْكُتُبِ ، فَإِنْ ج٣ / ص١٠٤أَخْطَأَهُ الْحِفْظُ وَكَانَ فِيهِ مَا عَدَاهُ لَمْ يَضُرَّهُ ). وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يَتَّزِرَ بِالصِّدْقِ وَيَرْتَدِيَ بِالْكُتُبِ .
رَوَاهَا الْخَطِيبُ .
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ : لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْحَدِيثَ أَنْ يُحَدِّثَ. لَا سِيَّمَا وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ فِي ( جَامِعِهِ ) عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ : قَالَ :
قَالَ لِي سَيِّدِي أَحْمَدُ : لَا تُحَدِّثْ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : دَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ ؛ فَقُلْتُ : أَوْصِنِي . فَقَالَ : لَا تُحَدِّثِ الْمُسْنَدَ إِلَّا مِنْ كِتَابٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحِفْظَ خَوَّانٌ .
وَقَدْ
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِرْبَعٍ الْحَافِظُ : قَدِمَ عَلَيْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فَانْقَلَبَتْ لَهُ بَغْدَادُ ، وَنُصِبَ لَهُ الْمِنْبَرُ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ مِنْ حِفْظِهِ : حَدَّثَنَا شَرِيكٌ . ثُمَّ قَالَ : هِيَ بَغْدَادُ ، وَأَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا ، يَا أَبَا شَيْبَةَ - يَعْنِي ابْنَهُ إِبْرَاهِيَمَ - هَاتِ الْكِتَابَ. وَقَالَ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ : أُقْعِدَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ بِسَامَرَّا عَلَى مِنْبَرٍ ، فَقَالَ : يَقْبُحُ بِمَنْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ أَنْ يُحَدِّثَ مِنْ كِتَابٍ .
ثُمَّ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ ، فَغَلِطَ فِي أَوَّلِ حَدِيثٍ .