حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

جَوَازُ اعْتِمَادِ الْمُحَدِّثِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَصُونَةِ

ج٣ / ص١٠٥( وَ ) رُوِيَ ( عَنْ ) الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الْكُوفِيِّ ( الْمَنْعُ ) ، وَأَنَّهُ لَا حُجَّةَ إِلَّا فِيمَا رَوَاهُ الرَّاوِي مِنْ حِفْظِهِ وَتَذَكُّرِهِ لِلْمَرْوِيِّ تَفْصِيلًا مِنْ حِينِ سَمِعَهُ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ .

قَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِيمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ : كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ : لَا يُحَدِّثِ الرَّجُلُ إِلَّا بِمَا يَعْرِفُ وَيَحْفَظُ
. وَ ( كَذَا ) رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ ( مَالِكٍ ) هُوَ ابْنُ أَنَسٍ كَمَا أَخْرَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْخَطِيبُ وَأَبُو الْفَضْلِ السُّلَيْمَانِيُّ فِي ( الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ ) لَهُ ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ أَشْهَبَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا : أَيُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَمَّنْ لَا يَحْفَظُهُ - زَادَ الْخَطِيبُ : وَهُوَ ثِقَةٌ صَحِيحٌ - ؟ قَالَ : لَا .

قُلْتُ لَهُ : إِنَّهُ يُخْرِجُ كِتَابَهُ وَيَقُولُ : هُوَ سَمَاعِي . قَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَرَى أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُ ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يُكْتَبَ فِي كِتَابِهِ - يَعْنِي مَا لَيْسَ مِنْهُ - زَادَ الْخَطِيبُ : بِاللَّيْلِ - ثُمَّ اتَّفَقَا - وَهُوَ لَا يَدْرِي . ( وَ )

رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَحَدِ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ( الصَّيْدَلَانِيِّ ) الْمَرْوَزِيِّ ، وَنُسِبَ لِلزَّيْنِ الْكَتَّنَانِيِّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتِيَارُهُ ، حَتَّى كَانَ يَقُولُ : أَنَا لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَرْوِيَ إِلَّا حَدِيثَ : ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) لِأَنِّي مِنْ حِينِ سَمِعْتُهُ لِمَ أَنْسَهُ
.

ج٣ / ص١٠٦

وَظَاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ مَقَالَةً قَدْ قُدِّرَ أَنْ أَقُولَهَا ، لَا أَدْرِي لَعَلَّهَا بَيْنَ يَدَيْ أَجَلِي ، فَمَنْ وَعَاهَا وَعَقِلَهَا وَحَفِظَهَا فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حيث تَنْتَهِيَ بِهِ رَاحِلَتُهُ ، وَمَنْ خَشِيَ أَلَّا يَعِيَهَا فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَيَّ
.
وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي ( مُسْتَدْرَكِهِ ) بِلَفْظِ : آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ قَالَ : ( عَلَيْكُمْ كِتَابَ اللَّهِ ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي - أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا - فَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ ) قَدْ يَشْهَدُ لَهُ
. وَلِذَا اسْتَدَلَّ بِهِمَا الْخَطِيبُ فِي ( الْكِفَايَةِ ) عَلَى وُجُوبِ التَّثَبُّتِ فِي الرِّوَايَةِ حَالَ الْأَدَاءِ ، وَأَنَّهُ يَرْوِي مَا لَا يَرْتَابُ فِي حِفْظِهِ ، وَيَتَوَقَّفُ عَمَّا عَارَضَهُ الشَّكُّ فِيهِ .

ج٣ / ص١٠٧

وَقَالَ الْحَاكِمُ عَقِبَ الْمَرْفُوعِ : ( قَدْ جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ لَفْظَتَيْنِ غَرِيبَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا قَوْلُهُ : ( يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ ) . وَالْأُخْرَى قَوْلُهُ : ( فَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ ) ، قَالَ : وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُحَدِّثِ أَنْ يُحَدِّثَ بِمَا لَمْ يَحْفَظْهُ ) . انْتَهَى
.

وَكَذَا يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ هُشَيْمٍ : مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ بِكِتَابٍ كَأَنَّهُ سِجِلُّ مُكَاتَبٍ
. وَمِنْ ثَمَّ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - : قَلَّتِ الرِّوَايَةُ عَنْ بَعْضِ مَنْ قَالَ هَذَا مَعَ كَوْنِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَثِيرَ الرِّوَايَةِ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ - كَمَا
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - : مِنْ مَذَاهِبِ الْمُتَشَدِّدِينَ الَّذِينَ أَفْرَطُوا وَبَايَنُوا بِصَنِيعِهِمُ الْمُتَسَاهِلِينَ الَّذِينَ فَرَّطُوا ، بِحَيْثُ قَالُوا بِالرِّوَايَةِ بِالْوَصِيَّةِ وَالْإِعْلَامِ وَالْمُنَاوَلَةِ الْمُجَرَّدَاتِ ، وَمِنَ النُّسَخِ الَّتِي لَمْ تُقَابَلْ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا بُسِطَ فِي مَحَالِّهِ
.

وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ ، سَوَاءٌ كَانَ كِتَابُهُ بِيَدِهِ أَمْ بِيَدِ ثِقَةٍ ضَابِطٍ ، وَإِنِ اشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - كَوْنَهُ بِيَدِهِ ، كَمَا سَلَفَ فِي أَوَّلِ الْفُرُوعِ التَّالِيَةِ لِثَانِي أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ ، وَسَوَاءٌ خَرَجَ كِتَابُهُ عَنْ يَدِهِ أَمْ لَا ، إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهُ ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا . وَسَوَاءٌ حَدَّثَ مِنْ كِتَابِهِ ابْتِدَاءً أَوْ حَفِظَ مِنْ كِتَابِهِ ثُمَّ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ ، لَكِنْ قَدْ كَانَ شُعْبَةُ رُبَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّ حِفْظَهُ مِنْ كِتَابِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ حَفِظَهُ مِنْ فَمِ شَيْخِهِ ابْتِدَاءً . ثُمَّ إِنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَصْوِيبِ ابْنِ الصَّلَاحِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَكْثَرُ ، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ؛ فَقَالَ : ج٣ / ص١٠٨

وَصَوَّبَ الشَّيْخُ لِقَوْلِ الْأَكْثَرِ وَهْوَ الصَّوَابُ لَيْسَ فِيهِ نَمْتَرِي

موقع حَـدِيث