الِاقْتِصَارُ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ
الْفَصْلُ الرَّابِعُ الِاقْتِصَارُ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ وَرُبَّمَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالِاخْتِصَارِ مَجَازًا ، وَتَفْرِيقُ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ عَلَى الْأَبْوَابِ . ( وَحَذْفَ ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ ( بَعْضِ الْمَتْنِ ) ؛ أَيِ : الْحَدِيثِ مِمَّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمُثْبَتِ ( فَامْنَعْ ) إِنْ كَانَ لِغَيْرِ شَكٍّ مُطْلَقًا ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ لَهُ تَامًّا أَمْ لَا ، كَانَ عَارِفًا بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْخَلَلُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ، بِنَاءً - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَإِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ الْبَدْرُ ابْنُ جَمَاعَةَ - عَلَى مَنْعِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ الْحَدِيثِ عَلَى النُّقْصَانِ ، وَالْحَذْفَ لِبَعْضِ مَتْنِهِ ، تَقْطَعُ الْخَبَرَ وَتُغَيِّرُهُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَرُبَّمَا حَصَلَ الْخَلَلُ وَالْمُخْتَصِرُ لَا يَشْعُرُ . قَالَ عَنْبَسَةُ : قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ : عَلِمْتُ أَنَّ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَخْتَصِرَ الْحَدِيثَ فَيَقْلِبَ مَعْنَاهُ .
قَالَ : فَقَالَ لِي : أَوَ فَطِنْتَ لَهُ ؟ وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ : إِنَّهُمْ يُخْطِئُونَ فَحُسِمَتِ الْمَادَّةُ لِذَلِكَ . هَذَا الْإِمَامُ أَبُو حَاتِمِ ابْنُ حِبَّانَ ، وَنَاهِيكَ بِهِ ، قَدْ تَرْجَمَ فِي ( صَحِيحِهِ ) : إِيجَابُ دُخُولِ النَّارِ لِمَنْ أَسْمَعَ أَهْلَ الْكِتَابِ مَا يَكْرَهُونَ ، وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِلَفْظِ : ( مَنْ سَمِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا دَخَلَ النَّارَ ) . وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ ، فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ غِيبَةِ الذِّمِّيِّ ، وَكُلُّ هَذَا خَطَأٌ ، فَلَفْظُ الْحَدِيثِ : ( مَنْ سَمِعَ بِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِي دَخَلَ النَّارَ ) .
وَكَذَا تَرْجَمَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي ( أَحْكَامِهِ ) الْوَلِيمَةُ عَلَى الْأُخُوَّةِ ، وَسَاقَ حَدِيثَ أَنَسٍ : قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ . لِكَوْنِ الْبُخَارِيِّ أَوْرَدَهُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ مِنْ ( صَحِيحِهِ ) بِاخْتِصَارِ قِصَّةِ التَّزْوِيجِ مُقْتَصِرًا عَلَى الْإِخَاءِ وَالْأَمْرِ بِالْوَلِيمَةِ ، فَفَهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْوَلِيمَةَ لِلْأُخُوَّةِ ، وَلَيْسَ كَذِلِكَ ، وَالْحَدِيثُ قَدْ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ تَامًّا فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ ، وَلَيْسَتِ الْوَلِيمَةُ فِيهِ إِلَّا لِلنِّكَاحِ جَزْمًا . وَحُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ ، وَاحْتُجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَهُ ) .
وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى أَنْ يُخْتَصَرَ الْحَدِيثُ إِذَا كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . يَعْنِي دُونَ غَيْرِهِ . كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَشْهَبُ ؛ إِذْ قَالَ : سَأَلْتُ مَالِكًا عَنِ الْأَحَادِيثِ يُقَدَّمُ فِيهَا وَيُؤَخَّرُ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ ، قَالَ : أَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنِّي أَكْرَهُ ذَلِكَ ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُزَادَ فِيهَا وَيُنْقَصَ مِنْهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ قَوْلِ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا إِذَا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا .
بَلْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُ لَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يُحْذَفَ مِنْهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ . فَإِنْ كَانَ لِشَكٍّ فَهُوَ - كَمَا قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ وَتَبِعَهُ الْبُلْقِينِيُّ وَغَيْرُهُ - سَائِغٌ ، كَانَ مَالِكٌ يَفْعَلُهُ كَثِيرًا تَوَرُّعًا ، بَلْ كَانَ يَقْطَعُ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ إِذَا شَكَّ هو - كما قال - فِي وَصْلِهِ ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ . نَعَمْ إِنْ تَعَلَّقَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ بِالْمُثْبَتِ كَقَوْلِ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي حَدِيثِ الرُّخْصَةِ فِي الْعَرَايَا : ( فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ ) ، فَلَا .