تَقْدِيمُ الْمَتْنِ عَلَى السَّنَدِ جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ ( تَقْدِيمُ الْمَتْنِ عَلَى السَّنَدِ ) جَمِيعِهِ أَوْ بَعْضِهِ ( وَسَبْقُ مَتْنٍ ) عَلَى جَمِيعِ سَنَدِهِ كَمَا جَاءَ عنَ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : نَزَلَتْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ . فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ . ، أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) . الْحَدِيثَ . فَقِيلَ لَهُ : مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ : عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ ؛ يَعْنِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ .
وَكَقَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَاخِرِ الْعِلْمِ مِنْ ( صَحِيحِهِ ) : وَقَالَ عَلِيٌّ : ( حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) . حَدَّثَنَا بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ . جَائِزٌ ، وَ ( لَوْ ) كَانَ سَبْقُهُ مُقْتَرِنًا ( بِبَعْضِ سَنَدِ ) سَوَاءٌ كَانَ ذلك الْبَعْضُ السَّابِقُ مِمَّا يَلِي الرَّاوِيَ كَقَوْلِ أَحْمَدَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : ( إِذَا كَفَى الْخَادِمُ أَحَدَكُمُ طَعَامَهُ فَلْيُجْلِسْهُ فَلْيَأْكُلْ مَعَهُ ) الْحَدِيثَ .
وَقُرِئَ عَلَيْهِ إِسْنَادُهُ : سَمِعْتُ أَبَا الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . وَقَوْلِهِ أَيْضًا : ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ، إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَارْمُوهَا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ ) . وَقُرِئَ عَلَيْهِ إِسْنَادُهُ : يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ سُليَمانَ بنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ ، عَنْ أُمِّهِ ، يَعْنِي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ .
وَحَكَى أَحْمَدُ أَنَّ شَرِيكًا لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ إِلَّا هَكَذَا ، يَذْكُرُ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ : فُلَانٌ . فَيُقَالُ : عَمَّنْ ؟ فَيَقُولُ : عَنْ فُلَانٍ . أَوْ مِمَّا يَلِي الْمَتْنَ كَأَنْ يَقُولَ : رُوى عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا .
أَنَا بِهِ فُلَانٌ . وَيَسُوقُ سَنَدَهُ إِلَى عَمْرٍو . وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ ، كَمَا حَكَى مَالِكٌ قَالَ : كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الزُّهْرِيِّ ؛ فَيَقُولُ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ كَذَا .
ثُمَّ نَجْلِسُ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ فَأَقُولُ لَهُ : الَّذِي ذَكَرْتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، مَنْ أَخْبَرَكَ بِهِ ؟ قَالَ : ابْنُهُ سَالِمٌ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ ذَلِكَ أَحْمَدُ ، بَلْ وَفَعَلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَ ( لَا يَمْنَعُ ) السَّبْقُ فِي ذَلِكَ ( الْوَصْلَ ) ، بَلْ يُحْكَمُ بِاتِّصَالِهِ كَمَا إِذَا قَدَّمَ السَّنَدَ عَلَى الْمَتْنِ .
( وَ ) كَذَا ( لَا ) يَمْنَعُ ( أَنْ يَبْتَدِئ ) رَاوٍ تَحَمَّلَ مِنْ شَيْخِهِ هَـ ( كَذَا ) الْمَتْنَ ( بِسَنَدٍ ) وَيُؤَخِّرُ الْمَتْنَ كَالْجَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ ( فَـ ) هَذَا ( مُتَّجِهْ ) كَمَا جَوَّزَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ . وَكَلَامُ أَحْمَدَ يُشْعِرُ بِهِ ، فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ سَأَلَهُ : هَلْ لِمَنْ سَمِعَ كَذَلِكَ أَنْ يُؤَلِّفَ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ؛ فَقَالَ : الْأَشْبَهُ عِنْدِي جَوَازُهُ .
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ تَقْدِيمُ اسْمِ شَيْخِهِ عَلَى الصِّيغَةِ ، كَأَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَثَلًا : سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِي . ( وَقَالَ ) ابْنُ الصَّلَاحِ وَ ( خُلْفُ ) أَيِ : الْخِلَافُ فِي ( النَّقْلِ مَعْنًى ) أَيْ : بِالْمَعْنَى ( يَتَّجِهْ ) مَجِيئُهُ ( فِي ذَا ) الْفَرْعِ ( كَبَعْضِ الْمَتْنِ ) إِذَا ( قَدَّمْتَ ) ـه ( عَلَى بَعْضٍ فَفِيهِ ) أَيْضًا ( ذَا الْخِلَافُ ) كَمَا عَنِ الْخَطِيبِ قَدْ ( نُقِلَا ) ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ . وَلَكِنْ قَدْ مَنَعَ الْبُلْقِينِيُّ مَجِيءَ الْخِلَافِ فِي فَرْعِنَا ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْمَتْنِ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى خَلَلٍ فِي الْمَقْصُودِ فِي الْعَطْفِ وَعَوْدِ الضَّمِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ تَقْدِيمِ الْمَتْنِ عَلَى السَّنَدِ .
وَسَبَقَهُ إِلَى الْإِشَارَةِ لِذَلِكَ النَّوَوِيُّ ، فَقَالَ فِي ( إِرْشَادِهِ ) : وَالصَّحِيحُ أَوِ الصَّوَابُ جَوَازُ هَذَا ، وَلَيْسَ كَتَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَتْنِ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ بِهِ الْمَعْنَى بِخِلَافِ هَذَا . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ الْقَطْعُ بِجِوَازِهِ . وَقِيلَ : فِيهِ خِلَافٌ كَتَقْدِيمِ بَعْضِ الْمَتْنِ عَلَى بَعْضٍ .
عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : إِنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ إِنَّمَا أَطْلَقَ اسْتِغْنَاءً بِمَا تَقَرَّرَ مِنْ شُرُوطِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى . لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ : إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِجَوَازِهِ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَتْنُ الْمُتَقَدَّمُ مُرْتَبِطًا بِالْمُؤَخَّرِ . ثُمَّ إِنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنَ الْجَوَازِ مَا يَقَعُ لِابْنِ خُزَيْمَةَ ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُهُ إِذَا كَانَ فِي السَّنَدِ مَنْ فِيهِ مَقَالٌ حَيْثُ يَبْتَدِئُ مِنَ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ ، ثُمَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْمَتْنِ يَذْكُرُ أَوَّلَ السَّنَدِ ، وَقَالَ : إِنَّ مَنْ رَوَاهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ فِي حِلٍّ مِنْهُ .
وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنَّ الْقَائِلَ بِالرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى لَا يُجَوِّزُ مِثْلَ هَذَا . يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يُبَيِّنْ . وَكَذَا مَيَّزَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بَيْنَ مَا يُخْرِجُهُ فِي ( مُسْتَخْرَجِهِ ) مِنْ طَرِيقِ مَنْ يَعْرِضُ فِي الْقَلْبِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَبَيْنَ الصَّحِيحِ عَلَى شَرْطِهِ ، بِذِكْرِ الْخَبَرِ مِنْ فَوْقُ ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ يَقُولُ : أَخْبَرَنِيهِ فُلَانٌ ، عَنْ فُلَانٍ .
كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي ( الْمَدْخَلِ ) . وَمِمَّنْ مَنَعَ تَقْدِيمَ بَعْضِ الْمَتْنِ عَلَى بَعْضٍ ابْنُ عُمَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ . ( بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ) .
وَفِيهِ ( حَجُّ الْبَيْتِ ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ ) . فَأَعَادَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ بِتَقْدِيمِ الصِّيَامِ ، فَقَالَ : لَا ، اجْعَلِ الصِّيَامَ آخِرَهُنَّ كَمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرُبَّمَا شَكَّ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ فَرَوَاهُ مَعَ التَّرَدُّدِ كَحَدِيثِ : ( أَهْلُ بَيْتِي وَالْأَنْصَارُ عَيْبَتِي وَكَرِشِي ) .
أَوْ : ( كَرِشِي وَعَيْبَتِي ) . وَكَحَدِيثِ : أَسْلَمَ وَغِفَارَ ، أَوْ غِفَارَ وَأَسْلَمَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَرِّحُ بِالشَّكِّ كَقَوْلِ عَاصِمٍ فِي حَدِيثِ : ( أَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ) .
أَوْ : ( إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) : لَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا بَدَأَ . أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْخَطِيبُ فِي بَابِ الْمَنْعِ مِنْ تَقْدِيمِ كَلِمَةٍ عَلَى أُخْرَى مِنْ ( كِفَايَتِهِ ) ، وَكَذَا بَوَّبَ لِهَذَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ ، وَحَكَى فِيهِ الْجَوَازَ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَعْنَى عَنِ الْحَسَنِ وَسُلَيْمَانَ التَّيمِيِّ وَالِدِ الْمُعْتَمِرِ .